من كلمات قداسة البابا في اللقاء المسيحي الإسلامي

مقتطفات من كلمة قداسة البابا في اللقاء الإسلامي المسيحي الذي دعا إليه الرئيس السادات يوم 8 / 2 / 1977
لجنة مشتركة للقيادات الدينية:
+ أقترح – كناحية من تأكيد الوحدة الوطنية – أن تكون هناك لجنة دائمة مشتركة من الرؤساء الدينين في الإسلام والمسيحية، وأن تجتمع باستمرار. وتناقش ما بينها من أمور. لأن المثل يقول (البعد جفوة).
وأنا واثق أننا كلما التقينا، كلما زدنا ترابطًا، وزدنا تماسكًا، وفهمنا بعضنا البعض بأسلوب أوسع، وكان لهذا الأمر تأثيره على أولادنا من المسيحيين والمسلمين.
لا تقف وحدك… نحن معك:
إننا نحس الموقف تمامًا، ونكلمك من عمق إحساساتنا، ومن عمق قلوبنا. إن المشكلة الاقتصادية – يا سيادة الرئيس – لا تحملها أنت وحدك. نحملها نحن جميعًا معك. أنت ورثت وضعًا مكبلًا بالديون وعملت على قدر ما تستطيع، وينبغي أن نعمل معك.
ومشكلة الأمن أيضًا.. ومشاكل ردود الفعل الناتجة عن الحرية، لا تحملها أنت وحدك، وإنما نحملها نحن أيضًا معك.
نحن لا نرضى إطلاقًا أن نقف من الحكام موقف المتفرجين، نمدح أو نذم، وإنما نريد باستمرار أن نضع أيدينا في أيدي الحكام، ونسير معهم المسيرة كلها، متعاونين في وقت الضيق. وسعداء معًا في وقت الراحة واليسر.
شجب التخريب والإيذاء:
ونحن في هذا الاجتماع، نود ان نشجب ونستنكر حوادث الشغب والإيذاء والتخريب، التي حدثت في النصف الثاني من يناير. ونقول ان التخريب والإيذاء ليس هو إطلاقًا الوسيلة المعبرة عن الرأي. هناك الوسائل الدستورية الكثيرة التي يمكن ان ينتهجها كل إنسان للتعبير عن رأيه.
سوء استخدام الحرية:
ونحن نشكرك كثيرًا، لأنك أرسيت مبادئ الحرية، سواء الحرية الشخصية، أو حرية الصحافة، أو حرية إبداء الرأي، أو حرية تكوين الأحزاب.. الخ. وما كنا نود إطلاقًا – ونكلمك ونحن في تأثر شديد – ما كنا نود إطلاقًا أن الحرية التي اعطيتها للناس، تستخدم ضدك أو ضد مصر. إنني هنا أتذكر قول الشاعر:
أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني
ما هي الحرية؟
الحرية في نظرنا هي حرية القلب من الخطية، حرية الفكر من الانحراف، حرية الإنسان من الحقد ومن الأنانية ومن الذاتية ومن الشر عمومًا. والإنسان الذي تحرر داخله، يستطيع من الخارج ان يستخدم الحرية حسنًا. أما الذين لم يتحرروا بعد في أرواحهم، فهؤلاء يمكنك أن تضبطهم بالقانون وبالعقوبة، ولا يلومك أحد.
الضمير أهم من القانون:
ونحن نشكرك يا سيادة الرئيس، لأنك تهتم بالتعليم الديني. والواقع ان العالم لا يصلح بالقانون، بقدر ما يصلح بسلامة الضمير. ما أسهل أن يتخلص الإنسان من القانون، بأن يرتكب خطيئته في الخفاء. وما أسهل أن يؤول الإنسان القانون، تأويلًا رديئًا لصالحه. وما أسهل أن يتهرب من القانون. ونحن نرى في المحاكم أنه قد يوجد طرفان متنازعان، كل منهما يتكلم باسم القانون، وكل منهما ضد الآخر.
ولكن الضمير أسمى بكثير من القانون. ورأينا ان القانون هو الحد الأدنى للأخلاقيات، أما الضمير فهو الحد الأعلى.
وأقول في هذا نقطة أخرى، وهي أن القانون يحكم على الأعمال الظاهرة، والتي لها دليل مادي يثبتها. أما الضمير فإنه يحكم على الفكر وعلى النية وعلى مشاعر القلب الداخلية، الأمور التي لا يمكن ان يصل إليها القانون.
لذلك حسن ان تهتم يا سيادة الرئيس بالتعليم الديني.
التعليم الديني:
اقتراحي في هذا الأمر، ان التعليم الديني لا يكون نصوصًا أو مجرد أفكار، إنما نتكلم عن روح الدين أكثر من نصوصه.
ونتكلم عن الدين كحياة يمتصها الإنسان، وليس كمعلومات يحشو بها فكره. وقد قال السيد المسيح ” الكلام الذي أقوله لكم هو روح وحياة “. وقيل في الإسلام إن الدين هو المعاملة.
أريد ان يحيا الناس الدين، وليس فقط يحفظونه. الدين يملأ قلوبهم، ويعيش في حياتهم، ويعلمهم الحب، ويعلمهم الاتضاع، ويعلمهم الطاعة، ويعلمهم احترام من هو أكبر منهم. يعلمهم الفضيلة مطبقة في الحياة اليومية، وليس مجرد افكار.
التعصب:
وأسوأ ما يأخذه الناس عن الدين، أن يظن البعض أن التدين هو التعصب، ويظن أحد أن محبته لدينه، تدعوه إلى كراهية الأديان الأخرى أو محاربتها.
نريد الإنسان المتدين الذي يحب الجميع. لكل إنسان في قلبه مكان ومكانة، ولكل إنسان في قلبه منزل ومنزلة. كل إنسان يأخذ من محبته ويأخذ من رحمته كما سمعتم من فضيلة الإمام…وكل إنسان يعطي صورة مشرقة عن دينه أنه ينشر السلام والحب في المعاملات اليومية.
سماحة الإسلام:
أشكرك يا سيادة الرئيس، لأنك تكلمت عن سماحة الإسلام وعن سماحة المسيحية. وكان من نبلك أنك تحدثت عن المسيحية بالأكثر. وأرجو أن تسمح لي أن أتكلم ولو قليلًا عن سماحة الإسلام. وأريد أن أذكر الإسلام في جوهره وفي روحه وفي أساسه.
الإسلام عامل غير المسلمين معاملة طيبة، نذكر منها الميثاق الذي أعطى لنصارى نجران، والميثاق الذي أعطى لقبيلة تغلب، والوصية التي قدمها الخليفة الإمام عمر بن الخطاب قبل موته، ووصية الخليفة أبي بكر الصديق لأسامة بن زيد، والميثاق الذي أعطاه عمرو بن العاص لأقباط مصر.
استوصوا بالقبط خيرًا:
وأذكر في سماحة الإسلام، تلك العبارة الإسلامية الجميلة ” استوصوا بالقبط خيرًا، فإن لنا فيهم نسبًا ورحمًا”.
وأذكر أيضًا ذلك الحديث الشريف” من آذى ذميًا، فليس منا. العهد لهم ولأبنائهم، عهد أبدي لا ينقض، يتولاه ولي الأمر ويرعاه”.
حسبما يدينون:
وأذكر أيضًا في سماحة الإسلام، ذلك الشرع الإسلامي الجميل الذي يقول ” وإن اتاك أهل الذمة، فأحكم بينهم بما يدينون”.
وهكذا أعطى الإسلام حرية الدين لغير المسلمين.
عهود ومواثيق:
أذكر أيضًا في سماحة الإسلام، حفظه في مواعيده ومواثيقه للمسيحيين في كنائسهم وصوامعهم ورهبانيتهم وأملاكهم وأرواحهم وكل شيء.
وأذكر ان عمرو بن العاص، عندما أتى إلى مصر، كان بطريرك مصر البابا بنيامين البطريرك الثامن والثلاثون مختفبًا في أرجاء مصر من إخوته المسيحيين المختلفين عنه في الإيمان. فلما أتى عمرو بن العاص أمنه على نفسه وعلى كنائسه. والكنائس التي أخذها منه الروم أرجعها إليه، بل ساعده في بناء كنيسة في الإسكندرية.
حماية الله:
أذكر حياة المحبة التي جمعت بيننا طوال ثلاثة عشر قرنًا من الزمان ونحن نضرب مثالًا للناس في التعايش الإسلامي.
ونذكر ان المسيحيين وقفوا ضد الغزاة، حتى في الوقت الذي أتي فيه هؤلاء الغزاة يقولون إننا نحمي الأقليات، فرفض المسيحيون حماية الأقليات. أحد بطاركتنا جاءه سفير أجنبي، يطلب منه حماية الأقباط كأقليات. فقال له البطريرك” هل ملككم هذا الذي يحمينا، يموت أو يعيش إلى الأبد؟ ” فأجابه ” يموت طبعًا “. قال له ” نحن في حماية إله لا يموت”. ورفض تدخل الأجانب عن هذا الطريق.
بل نذكر أن الأقباط عقدوا مؤتمرًا رفضوا فيه تمثيل الأقليات وقالوا: ” نحن مصريون، ولا نود أن نقبل أن نكون أقليات.
عيد الغطاس يحتفل به المسلمون.
وفي عهد الدولة الإخشيدية، كان محمد بن طغج الإخشيد يحتفل مع الأقباط بعيد الغطاس. ويجلس في جزيرة في النيل، وحوله ألف قنديل، يحتفل معهم بالعيد. وكان الاحتفال بعيد الغطاس احتفالا عامًا للمسلمين والمسيحيين في عهد الدولة الفاطمية.
جامع أحمد بن طولون:
جامع احمد بن طولون، استقدم له أحمد بن طولون، أحد المسيحيين، سعيد بن كاتب الفرغاني، فبنى له الجامع، لأنه أراد أن يبني الجامع بغير عمد تحجب الأنظار.
الوزراء الأقباط:
الأقباط عاشوا في ظل الحكام المسلمين- الذين يؤمنون بسماحة الإسلام- عيشة طيبة: ففي عهد الخليفة المعتصم كان هناك أخوان مسيحيان: اسم أحدهما سلمويه واسم الآخر ابراهيم.. الأول كان له في مقام الوزير، والثاني كان حامل خاتمه، وكان أمينًا على خزائن الدولة.
وفي الدولة الفاطمية، وجد الوزير القبطي إلى جوار الخليفة، ولم يكن هناك غير وزير واحد. نسمع عن عيسى بن نسطورس، وعن بعض الوزراء المسيحيين الذين أوتوا سلطة كبيرة.
إن الإسلام -حينما يفهمه المسلمون فهمًا حقيقيًا- ويدركون أعماقه في السماحة، يحبون اخوتهم المسيحيين. ونحن نشيد بهذه الحماسة التي عبر عنها التاريخ مرارًا كثيرة بأمثلة عديدة. ونرجو أيضًا أن تتوطد علاقات المحبة بيننا أكثر فأكثر.
كتب دينية مشتركة:
مازلت أقترح… أنا شخصيًا، لا مانع عندي من أن أشترك مع أخوتي الشيوخ المسلمين في وضع كتب دينية مشتركة:
من الممكن أن نضع معًا كتبًا ضد الإلحاد، فكلنا نؤمن بوجود الله. ويمكننا أن نضع كتبًا عن صفات الله الحسنى.
ويمكننا أن نضع كتبًا عن التوحيد. فنحن نؤمن بإله واحد. وإن كنا نقول “باسم الآب والأبن والروح القدس”، إنما نقول بعدها إله واحد آمين…
يمكننا أن نؤلف معًا كتبًا في الفضيلة والأخلاقيات. ويمكننا أن نؤلف معًا كتبًا في الوطنية وفي قضايا بلادنا…
ويرى عامة الشعب، ويرى الطلبة، ويرى أبناؤنا مسلمين ومسيحيين، كيف ان أسماء قادة الدين مسلمين ومسيحيين، مشتركة معًا في كتاب واحد… وثقوا أن الحب أقوى من القانون. في المسيحية يقول الكتاب المقدس ” الله محبة. من يثبت في المحبة، يثبت في الله والله فيه”.
ننادي برسالة الحب:
ونحن ننادي برسالة الحب باستمرار. ونريد أن نعلم أولادنا في المدارس الحب: نعلمهم حب الوالدين، ونعلمهم حب المدرسين، ونعلمهم حب القادة، ونعلمهم حب بعضهم البعض، الحب النقي الطاهر، الذي يرتفع فيه الإنسان فوق مستوى القانون. نريد أن نعلم أولادنا حب بلادهم: يحبون كل شارع في شوارعها، وكل مرفق من مرافقها، وكل مؤسسة من مؤسساتها.
من يخالفك في الرأي:
نريد أن نعلم الناس احترام الغير، واحترام الرأي المخالف. ما أسهل أن يختلف إنسان معك في الرأي، ويكلمك بأسلوب هادئ رقيق فتحترم رأيه المخالف لك. وما أسهل أن يختلف معك إنسان في الرأي، فيقول كلامًا شديدًا منفرًا…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الثامن) 25-2-1977م



