حياة السُكون
حياة السُكون[1]
قال أحد الأدباء الروحيين:
“عندما رمى بي الله حصاة على بحيرة الحياة، أحدثت فقاقيع على سطحها ودوائر لا حصر لها. ولكن ما أن وصلت إلى القاع حتى صرت هادئًا”…
هناك كثيرون مشغولون بأن يحدثوا فقاقيع على سطح الحياة ودوائر لا حصر لها.
لا يحبون الهدوء ولا السكون. يظنونه موتًا ويجدون حياتهم في الصخب والضوضاء والضجيج. تشعرهم الأصوات الصاخبة بالحياة، لأنهم يعيشون بحواسهم أكثر مما يعيشون بأحاسيسهم.
أكثر الناس محبة للسكون والهدوء هم الآباء الرهبان، وبخاصة المتوحدون منهم وبالأكثر السواح…
يرون أن السكون يصلح للعمل الروحي، وللخلوة مع الله، وللتأمل الهادئ، ولاكتشاف النفس، وللتلامس مع الحق في أعماقه…
هؤلاء أدركوا أنهم بهدوء الجسد، يمكن أن يقتنوا هدوء النفس. فعاشوا في أماكن هادئة، في أعماق البرية، بعيدًا عن شغب الحواس. انفردوا مع الله هناك. وتركوا سفينة حياتهم تمر هادئة في بحر الحياة، لا يحدثون فقاقيع ولا دوائر، ولا يجذبون أنظار الناس إلى ما يعملونه من أعمال وما يلقونه من آراء. بل اشتاقوا أن ينساهم العالم حتى يستريحوا.
ورأوا أن حياة السكون الحقيقية، لابد أن تشمل سكون الحواس، وسكون الفكر، وسكون القلب.
أما سكون الحواس فهو بُعدها عن الطياشة فيما لا ينفعها، فهي تخزن في الذهن ما تجمعه من مناظر وسماعات وأخبار وغيرها. ومن الصعب أن يهدأ الفكر إن كانت الحواس طائشة.
أما سكون الفكر فليس معناه أن يبطل الذهن التفكير، إنما أن يهدأ الفكر في مجرى واحد إلهي، بدلًا من التشتت في دروب عديدة.
وسكون القلب هو تخلصه من دوامة الرغبات والمشاعر، واستقراره في أعماق الحب والاتضاع وباقي ثمار الروح القدس.
لن يستطيع القلب أن يهدأ إن كان بعيدًا عن الحب والاتضاع، بل يظل يحدث على سطح الحياة فقاقيع ودوائر لا حصر لها. ويظن أن هذه الفقاقيع والدوائر أعمالًا كبيرة ترضي محبته للحركة ومحبته للظهور…
آباؤنا القديسون عاشوا هادئين، لذلك كانوا عميقين. لا يزعجهم العالم ولا يزعجونه…
ومما ثبت سكونهم بعدهم عن الشهوات والرغبات وما يحيطها من المخاوف: الخوف من عدم تحقق الرغبة. أو الخوف من فقدها بعد نوالها.
ولذلك قال القديس أوغسطينوس:
“جلست على قمة العالم، حينما أحسست في نفسي أني لا أشتهي شيئًا، ولا أخاف شيئا”…
[1] مقال لقدسة البابا شنوده الثالث بمجلة الكرازة السنه السادسة العدد السادس 7 فبراير 1975





