الآباء السواح – القديس الأنبا موسى السائح

كان رجلاً بسيطاً ساذجاً، طاهر القلب لا يعرف شراً. عاش في البرية حوالي ثلاثين سنة لا يرى وجه إنسان.
وكان يقتات من أعشاب الجبل، التي كان الله يجعل مرارتها حلوة في حلقه..
ويلبس ثياباً يصنعها من ليف النخيل، ويشرب من مياه الأمطار التي تتجمع في كهوف الجبال والأودية.
وكان في وحدته يأنس بالوحوش، لا يخافها ولا تخافه.
بل كانت تحتكم إليه أحياناً حينما تتخاصم، فينصف الضعيف من القوى ويصالحها، فتقبل حكمه راضية. وعندما كان العشب يقل في الجبل لقلة الأمطار،
كانت الوحوش تأتى إلى هذا القديس صارخة، فيصلى عنها، وينزل الله المطر، فترتوى الوحوش وتفرح…
وإن الشيطان الذي لا يحب الخير للإنسان، تحايل لكي يضل هذا القديس البسيط، السائح في الجبل…
فظهر له في هيئة راهب شيخ، شعره منحدر على كتفيه، ولحيته ناصعة البياض، وهو يلبس مسحاً من شعر الماعز،
وبيده عصا يتوكأ عليها، يطلع جبلاً وينزل إلى واد، وهو مستمر في سيره لا ينظر إلى شيء.
فقال الأنبا موسى في قلبه: ترى من هو هذا الشيخ الناسك الذي طالت مدته في العبادة والزهد.
ودنا منه يريد أن يكلمه، والشيخ لا يرد عليه، فيزداد الأنبا موسى عجباً، وتزداد فكرته عن زهد الشيخ ونسكه.
وأقام القديس على هذا الحال في متابعة الشيخ ثلاثة أيام. وكان إذا صلى ورشم الصليب يرى الشيخ يختفي، فيظن أن الله يخفيه عنه ليزيد اشتياقه إليه…
وفى الليلة الرابعة، أمكن أن يتحدث معه الشيخ فسأله عن قصته، فحكى له الأنبا موسى قصة رهبنته.
أما الشيخ فقال له أننى إنسان شرير، ثم تبت ووزعت أموالى على الفقراء ولى أربعون سنة في البرية.
ولما دنت وفاتي قادني الله إليك لتواريني التراب. وقد أعلمني الله المكان الذي سأدفن فيه، فهلم معي إلى هناك.
ثم أخذه الشيخ إلى قصر، وهناك أراه فتاة جميلة جداً، وقال له إنها ابنته،
وعرض عليه الزواج بها، فلما أشمئز القديس من الفكرة ظل الشيخ يقنعه بأمثلة من الكتاب:
حكى له كيف كان إبراهيم حبيب الله متزوجاً، وموسى كليم الله كان متزوجاً، ونوحاً أفضل أهل الأرض كان متزوجاً..
وظل به حتى أقنعه وقبل الفكرة من فرط سذاجته.. ودخل إلى حيث الفتاة. وهنا كأن ريحاً عاصفاً طرحه إلى الأرض. فلما أفاق لم يجد القصر ولا الشيخ ولا الفتاة..
ورأى أن حالته قد تغيرت، وشعر بالجوع والعطش والخوف. والعشب صار مراً في حلقه، والوحوش لم تعد تأنس إليه…
ولم تعد توافقه البرية، فشعر بسقطته.. ثم ظهر له الشيطان في صورة أخرى، وقاده من خدعة إلى خدعة، حتى ذهب به إلى الريف، وأضله تمامًا.
وأخيراً عاد إلى نفسه وظل يعاتبها ويلومها، ويبكي على خطاياه. فرحمه الله، وأرسل له ملاكاً عزاه،
وبشره بقرب نياحته، فسار إلى البرية، وألتقى بالقديس الأنبا صموئيل، فأعترف عليه بكل قصته.
ووصلا إلى كنيسة كان يصلى فيها الآباء السواح، فصليا معهم. وكانت إلى جوارها مقبرة للقديسين،
فدخل إليها الأنبا موسى ليتبارك منهم. وسجد.. ومرت مدة ولم يقم ولم يخرج. فدخل الأنبا صموئيل، فوجده قد فرق الحياة. فصلى عليه وتبارك منه، وتركه…
وكتب سيرته. وكانت رهبنته في بدء عهد البابا بنيامين، في القرن السابع.
وقد كان هذا القديس أصلاً من نواحي الإسكندرية. فلما بلغ الثالثة عشرة من عمره، مضى إلى وادي هبيب، وسكن في قلاية صغيرة مع راهب علمه الفضيلة.
فلما بلغ من العمر عشرين سنة، تقوى بالرب، ودخل إلى البرية الجوانية، حيث لم يوجد أحد.
ومضت عليه حوالي 35 سنة إلى أن ظهر له الشيطان في هيئة شيخ فاضل.
وتظهر قصته أن السائح معرض هو أيضاً للسقوط، إن لم تكن له موهبة الإفراز.
وقد سقط هذا الشيخ السائح بعد الخامسة والخمسين من عمره، على الرغم من حياته الطويلة في الوحدة.
وترينا القصة أيضًا أنه كان يوجد آباء سواح في القرن السابع أيضًا.
كما ترينا أن الله الرحوم يفتقد أولاده بالتوبة مهما كانت سقطاتهم.
ونفهم من هذه القصة أيضًا أن بعض الآباء السواح كانت لهم كنائس مخفية في البرية يصلون فيها معًا.
بركة هذا القديس تكون معنا آمين.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الخمسون) 16-12-1977م



