علاقة شخصية مع الله

أريد أن أكلمكم اليوم عن العلاقة مع الله، العلاقة الشخصية… واسأل كلًا منكم: هل بدأت أن تُكَوِن علاقة مع الله، أم أنه ليست لك به علاقة حتى الآن؟
علاقة شخصية مع الله
علاقات سطحية:
هناك أشخاص علاقتهم بالله علاقة مناسبات…
يسهر الواحد منهم سهرة مع الله في ليلة رأس السنة، أو في أحد الأعياد… أو تكون له علاقة مع الله في مناسبة ضيقة معينة أو طلب خاص… ليست هذه العلاقة هى المطلوبة، لأنها ليست علاقة دائمة، إنما علاقة طوارئ…
هناك علاقات أخرى تدخل في نطاق الرسميات أو العادة:
تأخذ الوضع الشكلي، كإنسان تعود الصوم في مناسبات معينة، او اعتاد الخدمة أو الذهاب إلى الكنيسة، أو التناول، دون أن يترك شيء من ذلك تأثيرًا في نفسه!! ضميره يتشكك إذا ترك هذه العادة، ولكنه لايحس على الرغم من ذلك بوجود الله في حياته!
هو يمارس كل هذه الأمور كما لو كانت منفصلة عن الله!
يصوم، ولا يدري ما علاقة صومه بالله! ويصلي ولا يحس أنه يكلم الله، بل كأنه يلقي كلامًا في الهواء! الصوم بالنسبة له إنقطاع وطعام نباتي، ولكن ماصلة هذا الصوم بالله؟ أمر لايدريه…
إنسان آخر، إلهه هو إله أنشطة، تشبع ذاتيته!
الكنيسة، الجمعيات، التربية الكنسية، عضوية المجالس واللجان، كلها أنشطه يشعر فيها بذاته…كذلك الخدمه كلها، والنادى والمعرض والمشغل، وبيوت الطلبة والطالبات، وخدمه الفقراء والملاجئ، وما يتعلق بكل ذلك… كلها أنشطة، يشعر فيها بكيانه وعمله وأهميته وقيادته، ويملأ بها وقته وربما كبرياءه، ولكن قد لايشعر بالله فى كل ذلك…!
يذكرني هذا بقول أحد الأدباء الروحيين “قضيت عمرك في خدمة بيت الرب، فمتى تخدم رب البيت؟!”
شخص آخر، كل علاقته بالله علاقة غير مباشرة:
له علاقة بالكنيسة، بكهنة الرب بخدامه، بالشمامسة، بمدارس الأحد بالوعاظ، بالجمعيات، بالكتاب وتدريسه وحفظه، بالتراتيل ولكن ليست له علاقة بالله ذاته!
عجيب أن يعيش في بيت الله، ولا علاقة له بالله!
تسأله عن علاقته بالله، فتقف أمام علامة إستفهام..
أشخاص آخرون علاقتهم بالله علاقة أخذ..
إنه إله الطلبات، أريد منه معونة، أريد شفاءًا، أريد حلًا لضيقة فإن لم يكن هناك طلب، فليس هناك احتياج إلى الله. أما العلاقة الشخصية بالله فلا وجود لها.
يا ابني، أعطني قلبك:
ووسط كل ذلك ينادي الله “”يا ابني، أعطني قلبك””. لقد أخذت الكثير من وقتك، ومن نشاطك وجهدك، أخذت من نذورك وعشورك وبكورك.. ولكني لم آخذ قلبك… لاتوجدعلاقة شخصية بينى وبينك… للآن لم تعرفني بعد… حقًا إنه أمر مؤسف…!
ما أجمل هذه العلاقة الشخصية التي يقول فيها يوحنا عن الرب “الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا” (1يو1) قال هذا يوحنا الذي عاشر المسيح، واتكأ على صدره…
كثير من الناس يهتمون بالفضائل الجسدية، الظاهرة، دون أن يهتموا بعمل القلب والروح، العمل الداخل في محبة الرب!
حتى وسط الرهبان القديسين!! الاهتمام بالصوم، بنوع الأكل، بالمطانيات، بالخلوة، بالصمت.. وربما مع كل هذا يكون القلب خاليًا من الله حقًا لو سلكنا في كل هذه الأمور بطريقه روحية، لوصلنا…
ولكن كثيرًا ما تكون هذه الفضائل هي غايتنا وليس الله!
نعيش فيها ونرضى بها ونسعد، دون أن نهتم بتكوين علاقة شخصية مع الله! وقد نقرأ الكتاب ونفهم ونفسر وندرس ونحضر عظات ولكن لا نرى الله في الكتاب!
الإنسان الذي له علاقة بالله، يكلم الله وجهًا لوجه…
كل كلمة يقولها يشعر أنها قد وصلت إلى أذن الله وإلى قلبه. يحس في كلامه بصلة… وهكذا في صومه يقول للرب: أريد أن أصوم لك يومًا واحدًا أراك فيه، أفضل من أربعين يومًا دون صلة بك. أريد في صومي أن أشعر بضعفي، فأمسك بك أيها القوة التي تسندني.
أريد يارب أن أعرفك، أختبرك، أصارعك كأبي يعقوب، أمشي معك كأخنوخ، أجلس عند قدميك كمريم، أريد أن أذوقك…
ما أعمق عبارة المرتل “ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب” حقًا، مامعنى هذه العبارة؟ آلاف الأقلام لا تقوى على شرحها القلب وحده، في خبرته مع الله، يمكنه أن يقترب إلى قدس أقداسها.
ترى هل إختبرت هذه العبارة في حياتك؟ هل وجدت الرب؟ هل ذقته؟ ورأيته حلوا في حلقك، حبه أطيب من الخمر يقول داود للرب “باسمك أرفع يدي، فلتشبع نفسي كما من شحم ودسم” أتراك جربت هذا الشبع الروحي؟
هل جربت العزاء الروحي، حينما يسكب الرب عزاءه في قلبك؟
هل سكرت بالرب في نشوة الخلوة به. هل جربت حلاوة العشرة مع الله، بحيث تمسك به ولا تستطيع أن تتركه.؟ هل جربت الصلاة الحلوة، التي كلها تحاول أن تختمها، لاتستطيع. فتجد لذة فى الوجود أمام الله، ولو وقفت صامتًا؟
القداسة-كما قال القديسون- هي استبدال شهوة بشهوة :
بدلًا من شهوة العالم والجسد والمادة، تملأ قلبك شهوة الخير ومحبة الله. تصير إنسانًا، يلتذ بالله وبوصاياه وملكوته، ويلتذ بعمل الخير. حينئذ لا يجاهد لكي يكون صالحًا، إذ يصير الصلاح طبيعة فيه. وكل جهاده هو أن يتمتع بالرب أكثر وأكثر “تحت ظلك اشتهيت أن أجلس، وثمرتك حلوة لحلقى” “اسمك حلو ومبارك، فى أفواه قديسيك”
هذه هي (مذاقة الملكوت) التي تتمتع بها على الأرض…
تذوق الله في صلاتك وفي تأملاتك، التي تود أن تدوم فيها أبدًا الذي يسحبك منها، يكون كمن يخطف طفلًا من حضن أمه.
إنها حياة الفرح بالرب… حياة المتعة به…
الله بالنسبة إليك، ليس إله الكتب، ليس إله المقالات والجدل اللاهوتى. إنما هو الله الذي أحببته فعاشرته، أو عاشرته فأحببته. قد لاتستطيع أن تعبر عنه بالكلام، لكنه كائن فيك، تحسه دون أن تفهم، ولا يعنيك الفهم شيئًا. كل ما يعنيك أنه معك وأنت معه.
إن لم تكن لك علاقة بالله هنا، فإن صعدت إلى السماء ماذا تفعل؟ وإن لم تكن لك علاقة مع الله على الأرض، فمن المحال أن تكون لك علاقة معه هناك… يقول لك “اذهب عني، لا أعرفك”
كان الشهداء يحبون الموت، لأنهم يلتقون به مع الله. “لي إشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح، فذاك أفضل جدًا… “، المسيح الذي جربته، وعرفته، وذقته، وأحببته، وعشت معه وصادقته، وكانت لي به علاقة خاصة
ياليتك تجلس مع الله، وتكلمه كما يكلم الصديق صديقه.
صارحه بكل شيء، قل له قد شغلتني عنك يارب أمور كثيرة. متى انحل منها، لكي أرتبط بك أريد أن أجلس معك، أن أهرب من الشواغل وأنفرد بك. أريد أن انتصر على نفسي، لأعيش لك بكل الشعور والحب. أريد أن أسمع صوتك فى أعماقي، وألمس قوتك في إرادتي، وأنعم بإرشادك لي، وأحس يدك تقودنى…
تحدث مع الرب بصراحة عن خطاياك، ولاتخف عنه:
قل له: لقد أذلتني يارب هذه الخطية. ولكنني على الرغم من ذلك أحبك من أعماقي. أنا أقع في الخطية ضعفًا أوبحكم العادة، ولكن أعماقي لك. متى تخلصني منها؟ متى تدخل في حياتي، ولا تتركنى لإرادتى، وانما تنفذ إرادتك فى؟ متى اشترك مع روحك القدوس؟ متى تشركني معك في عملك؟ متى تعلم يدي القتال، وأصابعي الحرب، وتقودني في موكب نصرتك؟
أريد يارب أن أرى نفسي في يدك، منقوشًا على كفك.
من غير المعقول أن أحب العالم، وأنا فى نفس الوقت أحبك. لذلك أرجوك أن تنزع كل محبة أخرى من قلبي. طهرني يارب فأطهر، توبني فأتوب. عرفني يارب طرقك، فهمني سبلك.
لاتترك الرب، حتى تحس بقوته تسري في كيانك، ومحبته تسري في قلبك وتشعر أن علاقةَ بدأت معه…
أما روتينية العبادة وشكلياتها ورسمياتها، فلا تفيد شيئًا لا تظن أن الدين هو مجموعة من عقائد او حقائق إيمانية عقلانية، أو طقوس أو ممارسات. إنما الدين هو فى حقيقته معرفة الله، وعشرة معه، وصداقة له وحب… حاول أن تدخل فى محبة الله. وبالحب سيكون لكل ممارساتك الروحية طعم آخر.
أوغسطينوس دخل في دوامة الفلسفة والفكر، ولم يصل إلى الله. ولكنه عرف الله بالحب، وحينئذ قال له:
“تاخرت كثيرًا في حبك، أيها الجمال الذي لا ينطق به”.
إن كنت أنت أيضًا قد تأخرت طويلًا في حبه، فلا تتأخر أكثر وإن لم تعرف، اطلب منه أن تنسكب محبته في قلبك بالروح القدس. قدم إناءك له وهو الذي سيملأه زيتًا..
إن الرب يدعو المختارين خاصته.
إنهم أولاده الذين يجلسون إليه، ويجلس إليهم، يحدثهم عن الملكوت، ويمنحهم حبه. ويراهم الناس معه، فيقولون: الله وسط شعبه.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الخامس والثلاثون) 2-9-1977م



