قدســـــــــــوا صــــــــــــــومًا

على جبل التجلي، وقف في مجد عظيم، وبنور بهي جدا – السيد المسيح الذي صام أربعين يومًا، ومعه اثنان صاما هما أيضًا أربعين يومًا، وهما موسى وإيليا…
لقد صام المسيح هذه الأيام طيًا، بطريقة لا نستطيعها نحن… وكانت فترة خلوة مع الآب. وهذا يعطينا فكرة عن الصوم بطريقة روحية، كما يقول الكتاب (قدسوا صومًا) …
قدســـــــــــوا صــــــــــــــومًا
الصوم وصحة الجسد:
الصوم ليس مجرد وصية أعطيت لنا من الله، إنما هو هبة…
إنه هبة ونعمة وبركة. الله يعلم أننا محتاجون إلى الصوم، وأن حياتنا الروحية لا تستقيم بدونه، لذلك من أجل نمونا الروحي.. ولأجل أبديتنا، وهبنا وصية الصوم…
من الخطأ أن ينظر الناس إلى الصوم من الناحية المادية، على أنه مجرد انقطاع عن الطعام فترة من الزمن، يعقبها طعام خال من الدسم الحيواني. فالمفروض أن نضع أمامنا الاعتبارات الروحية في الصوم.
ومع ذلك فحتى الناحية الجسدية في الصوم لها فوائدها، ولابد أن تؤدي كذلك إلى فوائد روحية.
إن الصوم معروف في جميع الأديان، بل هو موجود بأكثر شدة ونسك في مذاهب البوذيين واليوجا والبرهميين.
وتداربيهم في الصوم تخرجهم بصحة أحسن وبإرادة أقوى. وقد يصل بعض اليوجا إلى قامات روحية عالية، يمكن للمسيحيين أن يدركوها، ويصلوا إلى أعلى منها بعمل الروح القدس.
ان الأكل الكثير يتعب الجسد من نواح متعددة. وقد قال المثل إن (المعدة هي أم الداء)، ولذلك وصفوا الصوم كدواء.
إن كثرة الدهون والشحوم والزهومات، وكثرة الأبخرة في الجسم، والطاقات الحرارية الزائدة، والترسبات في الجسم، والسمنة الزائدة، وضغطها على القلب، وإتعابها للشرايين، وتأثيرها على ضغط الدم، وعلى نسبة الكولسترول… كل هذه لها تأثيرها السيء من الناحية الصحية، ومن النواحي الروحية أيضًا.ولهذا يبحث كثيرون عن النحافة، ويفرضون على أنفسهم أنظمة للطعام.
وعجيب أن يصوم قوم لأجل النحافة وجمال الجسم، ولا يصومون لأجل نموهم الروحي والتصاقهم بالله!!
إن الصوم مفيد لإراحة أجهزة المعدة والأمعاء والكبد والمرارة وباقي الأجهزة الخاصة بالأكل والهضم والتمثيل.
والصوم يرتبط أيضًا باليقظة والصحو… فالصائم متيقظ..
أما الذي يأكل كثيرًا، فكثيرًا ما يتعبه النوم والوخم والكسل، لأن جزءًا كبيرًا من دمائه يجري لتغذية الشعيرات الدموية المحيطة بأجهزة الهضم، فيقل من فروع أخرى في الجسم، ويشعر بحاجة إلى النوم.
آباؤنا الرهبان كانت أجسادهم خفيفة، حتى في الحركة والمشي، وفي المطانيات، وفي النشاط، ولا يشعرون بثقل في الجسد …
يمشون كيلومترات عديدة في الجبل، ولا يشعرون بتعب كالأيائل والظباء…
وبنفس الوضع كانت أرواحهم خفيفة، لا تعرقل طريقها كثافة من الجسد، ولا تعتمها غشاوة منه.
يخدعك الشيطان حينما يقول إن الصوم يضعف صحتك…
فالصوم على العكس مفيد للصحة. ولقد قرأت كتابًا جميلًا عن “النباتية والنباتيين” شرح أمثلة عديدة لقوة وصحة النباتيين. كما قرأت كتابًا آخر عن “التطبيب بالصوم”، شرح كيف أن الصوم علاج كامل عجيب لأمراض الجسد… وقرأت كتبًا متعددة كثيرة تؤكد بطرق علمية فوائد الصوم للصحة، فاطمئنوا…
وحذار أن تخلطوا بين الصحة والسمنة.
التاريخ يعطينا فكرة عن أطفال صاموا ولم تتأثر صحتهم:
الأنبا شنوده رئيس المتوحدين، كان يصوم الى الغروب وهو طفل، ولم تتدهور صحته، وعاش إلي عمر 120 عامًا والقديس مرقس المتوحد بجبل أنطونيوس كان يصوم وهو طفل.
ونقرأ عن دانيال النبي والثلاثة فتية، أنهم لما صاموا صارت صحتهم أفضل من الباقين، ومناظرهم أبهى.
النواحي الروحية في الصوم:
لابد أن يكون الصوم مرتبطًا بالتوبة، وبالصلاة والعبادة وبالإنسحاق والتذلل أمام الله. كما يرتبط بقوة الإرادة.
يرتبط الصوم بالتوبة، لأنه لا يجوز لإنسان أن يصوم ويحيا في الخطية. والتوبة يرتبط بها الإنسحاق والتذلل والإعتراف بالخطية، كما فعل أهل نينوى، ولبسوا المسوح، وجلسوا على التراب.
والصوم مرتبط بالعبادة، لأنه لا يكفي أن تمنع الغذاء عن الجسد، فهذا عمل سلبي. وإنما يجب في نفس الوقت أن تعطي الروح غذاءها، فهذا هو العمل الإيجابي الذي من أجله نصوم…
ولذلك فان الكنيسة تربط دائما بين الصلاة والصوم. وفي قسمة الصوم الكبير تكرر عبارة (بالصلاة والصوم) في كل نعم الله على البشر، ولا ننسى قول السيد الرب في إخراج الشياطين:
“إن هذا الجنس لا يخرج بشيء، إلا بالصلاة والصوم”.
بعض الناس يصومون بلا عمل روحي. لا صلاة، ولا تأمل، ولا قراءة، ولا ألحان، ولا ترتيل ولا اعتراف ولا قداسات… لذلك تكون الأصوام بالنسبة إليهم ثقيلة ومتعبة، وبلا فائدة روحية.
إن كنتم قد صمتم، ولم تبدأوا العمل الروحي، فأبدأوا من الآن ببرنامج روحي قوي مركز يشمل كل الوسائط الروحية.
إن لم يكن لكم عمل روحي، فما الفرق بين صومكم وصوم البوذيين واليوجا؟! عملكم الروحي الإنساني، ينبغي أن يختلط بالعمل الإلهي. وهنا يبدو الفرق…
يقول الكتاب في سفر يوئيل. قدسوا صومًا، نادوا باعتكاف.
والسيد المسيح عندما صام، اعتكف على الجبل أربعين يومًا في صلاة وفي عشرة مع الآب…
الصوم أيضًا مرتبط بالمطانيات. الأيام التي لا يجوز فيها الصوم الإنقطاعي، لا تجوز فيها المطانيات، كالخماسين والسبوت والآحاد والأعياد السيدية…
وحتى من الناحية الصحية، المطانيات تصلح والبطن فارغة، أما البطن الملآنة فتتعب من المطانيات، ولا تعطي عاطفة روحية.
الصوم أيضًا يصحبه الاعتكاف الصالح للتأمل والصلاة…
هو فترة يتفرغ فيها الإنسان لله، وليس للناس. ويستغل وقته في فحص نفسه، وفي أعمال التوبة، وفي العمل الروحي الذي يعطله اللقاء المستمر مع الناس…
لذلك حاولوا أن تتخلصوا من الوقت الضائع، وتتفرغوا للرب.
في كل الأصوام المشهورة في الكتاب: صوم نحميا، وصوم عزرا، وصوم نينوى، وصوم استير، وغيرهم. نجد الصوم معه الصلاة، والصراخ إلى الله، والتوبة، والاعتراف بالخطية، والتذلل…
لإن الصوم ليس مجرد عمل جسداني، بل هو عمل روحي.
أهل نينوي كان صومهم عملًا من أعمال التوبة ونظر الرب إلى توبتهم ورحمهم ( يونان 3 : 10 ). والملك داريوس لما صام لأجل دانيال “بات صائمًا ولم يؤت قدامه بسراريه” ( دانيال 6 : 18 .
ودانيال النبي لما صام، مزج صومه بالصلاة والتضرعات والمسح والرماد والاعتراف بالخطية. ( دانيال 9 : 3–4 ) وكان نائحًا، لم يأكل طعامًا شهيًا، ولم يدخل في فمه لحم ولا خمر، ولم يدهن ( دانيال 10 : 2–3 .
فترة الصوم، هي فترة تذلل وانسحاق أمام الله، فترة خشوع للنفس وتوبة، تعترف فيها بخطاياها.
لذلك فإن الصوم مع الكبرياء لا يكون صومًا على الإطلاق، ولما ينسحق الجسد بالجوع، تنسحق الروح معه. إن الجوع عنصر جسدي هام في الصوم…
السيد المسيح لما صام، قيل عنه: “وجاع أخيرًا” ( متى 4 : 2 ) وقيل عن بطرس الرسول إنه: “جاع واشتهي أن يأكل”.
والجوع يذل الجسد، فتذل معه النفس، وتنسحق الروح.
بالجوع يشعر الإنسان بضعفه وعجزه وتفاهته، فلا ينتفخ…
جرب الجوع وكلما حان موعد الأكل أجله ولو قليلًا. وفي فترة الجوع، أركع في صلاتك، فإنها تكون بالجوع أكثر عمقًا.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الثامن) 25-2-1977م



