بيت عنيا وشجرة التين

[1]بيت عنيا وشجرة التين
الرب بين المحبين المخلصين له، والمراءين المتآمرين عليه
من العبارات المؤثرة في قصة آلام المسيح، قول الكتاب عنه “وَخَرَجَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا وَبَاتَ هُنَاكَ”. (مت21: 17).
ولعل البعض يسأل: أي شيء مؤثر في هذه العبارة؟
ونجيب بأن المسيح قام عليه كثيرون: رؤساء الكهنة، وشيوخ الشعب، والكتبة والفريسيون والصدوقيون وغيرهم.
ووسط المؤامرة التي كانت تحاك ضده في المدينة المقدسة أورشليم، كانت هناك قلوب مخلصة تحبه في قرية “بيت عنيا”!
أورشليم العظيمة، مدينة الملك العظيم، كانت مملوءة بالصخب والضجيج، والدسائس والمؤامرات، والقادة المتعبين… أما بيت عنيا، فكان يوجد فيها لعازر الذي بكى عليه المسيح، وقال الناس “انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ يُحِبُّهُ!” (يو11: 36) … وكان فيها الشعب الذي التف حوله بعد إقامة لعازر وكانت فيها مريم التي تمثل التأمل، ومرثا التي تمثل الخدمة…
أورشليم المدينة الواسعة الكبيرة، لم يكن قلبها واسعًا كبيرًا مثلها.
مدينة الملك العظيم، تآمرت على الملك العظيم، ولم تستحقه.
أما قرية بيت عنيا، ففتحت أبوابها وقلبها للرب. لم تكن في شهرة أورشليم، ولكنها كانت مملوءة حبًا وإخلاصًا.
كان الرب قد أبقى له بقية من قلوب مخلصة، هناك…
أمثلة من “بيت عنيا” في حب الله:
في الوقت الذي ساد فيه الفساد، وأهلك الله العالم بالطوفان، وجد راحته في بيت نوح، فكان “بيت عنيا” له. وحينما رأى الرب نفسه غريبًا في سادوم، وجد له بيت عنيا في قلب لوط وبنتيه. وكمثال بيت عنيا كان يوسف الصديق في أرض مصر.
الله لم يترك نفسه بلا شاهد في أي عصر. وفي كل أقليم كان يوجد “بيت عنيا” يستريح فيه الرب من عناء أورشليم، ومن تآمر الحاسدين…
أبقي الرب به بقية تحبه وتعبده، وتثبت معه في شدائده. تقول له: لو تركك الجميع، فأنا لا أتركك.
شجرة التين:
يقول الكتاب “وَفِي الصُّبْحِ إِذْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ جَاعَ، فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ عَلَى الطَّرِيقِ، وَجَاءَ إِلَيْهَا” (مت21: 18، 19). عجيب أن يجوع المسيح في الصباح، والمألوف أن يجوع الصائم في آخر النهار.
وليس من حل إلا أنه كان صائمًا، ولم يأكل في المساء السابق أعدت مرثا الطعام ولكنه لم يأكل. كان منشغلًا بأمور أهم هي قضية الخلاص للعالم كله.
أو لعله كان في بيت عنيا يتغذى بمحبة القلوب المخلصة، فلما اقترب من المدينة المتآمرة، جاع…
إن جوع الرب يدل على أنه أخلى ذاته، وتركها للألم والجوع. كذلك قوله على الصليب “أنا عطشان”..
فجاء إلى شجرة تين مورقة، لعله يجد فيها ثمرًا. ولكنها كانت قد تخلت عنه هي الأخرى، فلم تقدم له شيئًا في جوعه.
شجرة التين تذكرنا بخطية آدم الذي غطى عريه بورقة تين. وجاء المسيح ليخلصه في نفس الوقت الذي ظهرت فيه أوراق التين.
ورق التين رمز لتغطية الخطية دون معالجتها. إنه دليل على الرياء: على مجرد مظهر مستور… ونفس الرياء وجده الرب في الشجرة. المعروف أن ثمر التين يظهر أولًا، تنبت الأوراق لتغطيه، وتحميه، وتخفيه…
أما في هذه الشجرة، فلم يوجد ثمر. الأوراق لا تغطي ثمرًا، وإنما عريًا، تمامًا كما في قصة آدم.
ولما لم يجد فيها المسيح ثمرًا بل ورقًا، لعنها… وجدها كالقبور المبيضة من الخارج. كالكأس النظيف من الخارج. كالذين يغسلون أيديهم، وأيديهم مملوءة دمًا.
ولذلك إذ لعن الشجرة، إنما لعن فيها المظاهر الزائفة والرياء. ورأى فيها صورة الكتبة والفريسيين، الذين كانوا مثلها، أشجارًا مورقة، بلا ثمر… فأخجلهم بلعن الشجرة.
وبعد ذلك بقليل أنزل الويل على الكتبة والفريسيين الذين كانوا كشجرة التين (متى 23). كذلك تكلم على الكهنة في مثل الكرامين الأردياء، وعن الهيكل الذي كان من الخارج مظهرًا للعبادة، وفي الداخل “جعلوه مغارة للصوص”… وتكلم من قبل عن الكرمة التي انتظر أن تعطي ثمرًا فلم تعط.
كانت خطايا العالم كله واضحة أمامه، سببًا لآلامه…
رياء العالم، مظاهر العالم، الورق الذي بلا ثمر. الكتبة، والفريسيون، الكرامون الأردياء… العالم كله في خطيته.
لذلك جاع أخيرًا. لم يجد في العالم شيئًا يتغذى عليه.
لم يجد ثمرًا في الكرمة التي غرسها، ولا في الكرامين، ولا في الهيكل… وإن كان قد لعن هذا الرياء، في الشجرة، وفي القادة العميان، إنما قد حمل على كتفه هذا الرياء ليمحوه بدمه، بالنسبة إلى التائبين منهم…
كل هذه القبور المبيضة من الخارج، حمل السيد المسيح ما يوجد في داخلها من عظام نتنة!!
ما أكثر الأمثلة التي تشبه شجرة التين المورقة!…
+ يشبهها الشعب الذي قال عنه الرب “هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا” (مر7: 6) … شفتاه أوراق تين خضراء، وقلبه الذي يمثل الثمر، مبتعد بعيدًا… غير مثمر.
+ إنسان يتكلم بالصالحات، ويتأملها ويعظ بها ويخدم. وقلبه مع كل ذلك لا يسكن فيه الله.
+ إنسان له نشاط في الكنيسة، وله اسم وسمعة وشهرة، ولكنه خال من محبة الله ومعرفته.
في اليوم الأخير، سوف يزن الله القلوب من الداخل. سوف لا يهتم بالأوراق الخضراء الظاهرة، وإنما بالثمر…
ليتنا في أسبوع الآلام، نصنع ثمارًا تليق بالتوبة…
شيء عجيب…!
هذا الأسبوع الذي يقدم فيه الرب عمق محبته للعالم، لأنه ليس حب أعظم من هذا أن يبذل أحد نفسه عن أحبائه… و”هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ”…
في أسبوع الحب هذا، نجد الرب يستخدم أشد توبيخاته وعقوباته!!
المسيح الطيب الهادئ يمسك سوطًا، ويطرد الباعة، ويقلب موائد الصيارفة. ويوبخ الناس قائلًا “بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ” (مت21: 13). وفي ثاني يوم يلعن شجرة التين فتيبس. ثم يشرح للكهنة مثل الكرامين الأردياء، ويقول لهم “إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ” (مت21: 43). ثم يوبخ الكتبة والفريسيين قائلًا “وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ” (متى 23) … ثم يبكي على أورشليم ويقول لأهلها “هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا” (مت23: 38)… عجيب، ما الذي حدث؟!
إن خطايا الناس كانت متراكمة أمام الرب، في بشاعتها وفي دينونتها. وكان يليق أن ينذر أصحابها قبل أن يمحوها.
البعض يستهترون كما يشاءون، ويظنون أن يختفوا في دم المسيح. ولكن في هذا الأسبوع الذي يحمل فيه المسيح دينونة العالم، لابد أن يظهر لهم دينونة الخطية: لعنة التينة، خراب البيت، نزع الملكوت، ويلات المعلمين.
ومع ذلك فإن كل هذه اللعنات والعقوبات، جمعها الرب يوم الجمعة، وحملها نيابة عن التائبين منهم…
“اطمئني أيتها التينة المسكينة، أنا الذي سأيبس بدلًا منك”.
وهكذا ظهر المسيح على الصليب، كشجرة يابسة، كأنه قطع من أرض الأحياء، يبس حلقه من العطش، لا صورة له ولا جمال ولا منظر فنشتهيه.
خميس العهد
كن مستعدًا للتناول
في يوم خميس العهد كن مستعدا للتناول.
إن كل قداس يقام على مدار السنة، يأخذ أصله من هذا اليوم العظيم.
اذكر قول الرب عن التناول: “مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ” (يو6: 56).
وأذكر قول الكاهن في القداس “يعطى عنًا خلاصًا، وغفرانًا للخطايا، وحياة أبدية لكل من يتناول منه”.
إننا نتناول “طهارة لأنفسنا، وأجسادنا، وأرواحنا” كما نصلي في القداس الإلهي.
[1] مقال لقدسة البابا شنوده الثالث بمجلة الكرازة السنه السادسة العدد لسابع عشر 25 ابريل 1975


