حياة آلام

+ لم تكن آلام المسيح قاصرة على أسبوع الآلام ؟!…
لم تكن آلامه يوما واحدا، ولا أسبوعا، ولا سنة من الزمان، بل كانت كل فترة تجسده على الأرض.
لم يعش أبداً في راحة، ولم يمش في الطريق الرحب، ولم يدخل من الباب الواسع،
إنما عاش مع البشرية في كل آلامها وتعبها “وفيما تألم مجرباً” كان “قادراً أن يعين المجربين”.
+ وقد وصف أشعياء النبي هذه الآلام بأكثر تفصيل… فقال:
“لا صورة له ولا جمال، ولا منظر فنشتهيه. محتقر ومخذول من الناس. رجل أوجاع ومختبر الحزن… محتقر فلم نعتد به…
ونحن حسبناه مصاباً، مضروباً من الله ومذلولا… وفى جيله من كان يظن أنه قد قطع من أرض الأحياء” ( إشعياء 53 : 1-8 ).
عاش حياة كلها ألم: ذاق ضعف البشرية وتعبها وآلامها، حينما أخلى ذاته، وأخذ شكل العبد، حتى في وقت ولادته:
ولد في يوم شديد البرد، وعلى غير استعداد، فلم تجد أمه مكانا تلده فيه، ولا أقمطة تقمطة بها… وعاش طفولة فقيرة.
وما أن شب قليلا، حتى فكر هيرودس في قتله، فأخذته أمه وهربت به إلى مصر وتعبت به أرض الغربة.
+ ونشأ في بيت فقير، بيت نجار بسيط، وكان يعمل بيديه، لم يعش حياة تنغم، ولا حياة ترف ولأتدلل.
ولم يذق من نعم الحياة شيئا. وظل مقهورا ومجهولا مدة ثلاثين عاماً.
لم يشعر به أحد خلال تلك السنوات، ولم يكتب عنها التاريخ شيئا… ذاق ألم الاحتياج والعوز…
+ وفى خدمته، عاش في نفس الفقر والامتياز…
كان يطوف المدن والقرى بلا أوى، بلا رزق ثابت. ولما طلبت منه الجزية، لم يكن لديه ما يدفعه…
وهو قال عن نفسه ” للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار. أما أبن الأنسان، فليس له أبن يسند رأسه…
+ وكما ذاق آلام الفقر والاحتياج، ذاق أيضاً ألم النسك:
قيل عنه إنه جاع، على جبل التجربة، وعندما أقترب من شجرة التين. وقيل إنه عطش، عند بئر السامرية، وعلى الصليب…
وحينما نقول إن المسيح قد جاع، إنما نقصد الجوع بمعناه الحقيقي، الشديد القاسي.جوعه بعد صوم 40 يوماً،
كان جوعاً شديداً. وعطشة على الصليب، بعد أن تصفى ماؤه ودمه، كان عطشاً مرعباً…
+ ذاق المسيح أيضاً ألم الإهانة، وألم الاحتقار والازدراء:
أشبعوه شتائم وتعبيرات واتهامات.. قالوا عنه أنه مضل، إنه ببعلزبول يخرج الشياطين، وإنه أكول وشريب خمر،
وإنه ناقض للناموس وكاسر للسبت، وإنه ” رجل خاطئ “. ووأجهوه قائلين “ألسنا حسناً قلنا إنك سامري وبك شيطان”…
وعندما طلبوا من بيلاطس أن يحرس القبر، قالوا له عن المسيح: “تذكر أن ذلك المضل، قال…”… واعتبروه باستمرار ثائراً على المجتمع،
تأثرا على السلطات، ولم يجد كرامة حتى في وطنه… فقالوا: “أليس هذا هو أبن النجار”. وقالوا إنه بحسب شريعتهم ينبغي أن يصلب.
وما أكثر الإهانات والتعبيرات والأستهزاءات التي قوبل بها أثناء محاكمته وجلدة وصلبه…
+ ذاق المسيح أيضاً ألم الشك فيه، والعثرة فيه:
عندما سكبت المرأة التائبة طيباً على قدميه، وبللتهما بدموعها، ومسحتها بشعر رأسها، شك فيه الفريسي،
وقال في قلبه “لوكان هذا الأنسان نبياً” لعلم من هذه المرأة وما حالها، إنها لخاطئة”. وشكوا فيها عندما أجرى بمحبته معجزات فى يوم سبت…
وشك فيه تلاميذه، عندما قام من الأموات. وظنوه خيالا. الكل شكوا، وليس توما فقط… وكذلك المجدلية ظنته البستاني.
وحديث النسوة عن القيامة تراءى لتلاميذه كالهذيان… وما أكثر الشك في لأهوته، وفى معجزاته، وفى تعاليمه.
+ وكما ذاق آلام هذا الشك، ذاق أيضاً ألم الرفض:
لم يقبلوه… “إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله” كنوز أشرق في العالم. أما العالم فأحب الظلمة أكثر من النور.
وقيل عنه في نبوءة المزمور “رفضوني أنا الحبيب، مثل الميت المرذول”…
رفض من خاصته، وجرح في بيت أحبائه. ولم يقبلوه في بلده، حتى أنه لم يستطيع أن يجرى معجزات هناك لضعف إيمانهم.
وكمعلم، رفضوه قائلين “نحن تلاميذ موسى”. وعند الصلب، رفضوا أن يدعى ملكاً عليهم.
+ وكما ذاق آلام الرفض، ذاق أيضاً آلام التخلي:
تخلى عنه أقرب أحبائه إليه. عندما قبض عليه، هرب الجميع وتركوه. وهو نفسه قال لتلاميذه “تأتى ساعة….
تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته، وتتركونني وحدي”… حتى تلميذه بطرس، الذي أقسم أن يموت عنه،
أقسم قائلا “لا أعرف الرجل”… وفى بستان جثسيمانى، تركه تلاميذه يجاهد وحده، ولم يسهروا معه ساعة واحدة،
على الرغم من طلبه. ذاق آلام الوحدة، بعيداً عن الأم والأهل والبيت والأصحاب.
+ ذاق الألم أيضاً. من أجل خطايا الناس وضياعهم…
كان قلبه يذوب ألماً، كلما يرى خطايا الناس لدرجة أنه بكى على أورشليم، وبكى على الشعب، إذ وجدهم “منطرحين ومنزعجين، كغنم لا راعى لها”.
تألم الرب أشفاقاً على الخاطئين، وتألم فى حمل هذه الخطايا. كانت أثقل عليه من الصليب الذي حمله…
ذاق أيضا آلام الخدمة وتعب الرعاية والاهتمام بالكل:
تعب المشي والطواف في المدن والقرى، وفى أسفار كثيرة، والتعب في إقناع الناس. وتعب الصدام بالناس من أجل الحق.
فكم من مرة أصطدم بالكتبة والفريسيين والصدوقيين والكهنة وشيوخ الشعب، وغيرهم.
وذاق آلاماً من مناقشاتهم، ودسائسهم، وادعاءاتهم، ومؤامراتهم، وتهييجهم للشعب. كما أصطدم بالجليلين، والناموسين، وبهيرودس، وحنان، وقيافا، وبأتباع كل هؤلاء…
كان يشعر أنهم يتربصون به، ويريدون أن يصطادوه بكلمه…
ويثيرون الشكوك حوله، وينصبون الفخاخ أمامه… حسبوه منافساً لهم، فأرادوا التخلص منه حفظاً لكيانهم!!…
قالوا عنه أحياناً أنه يتكلم بتجاديف، وفى إحدى المرات أرادوا أن يلقوه من على الجبل. ومرة أرادوا أن يقتلوه، فأجتاز من وسطهم ومضى. وقيل عنه إنه “لم يكن يأتمنهم على نفسه…
بل أن المسيح تألم من مجموعة تلاميذة، فى بطء فهمهم: وكم من مرة كان يحدثهم فلا يفهمونه، ويضطر للشرح الكثير…
+ كل هذه الآلام، تضاف إليها آلام المحاكمات والصلب…
حوكم أمامهم مجمع السنهدريم، أمام حانا، وأمام قيافا. كما حوكم أمام بيلاطس، وأمام هيرودس ماشياً طول الليل والنهار،
مواجهاً أكاذيب وادعاءات وشهود زور، وكبرياء البشرية حينما تتشامخ مدعية في خطيئتها الدفاع عن الحق!!
ثم تأتى بعد آلام اللطم والبصق والاستهزاء، والتهكم عليه بالرداء القرمزي، وإكليل الشوك، وعبارة ” تنبأ من لطمك”.
نحن نتألم على الأرض بسبب خطايانا. أما المسيح فتألم لأجل البر، لأجل الحب والبذل ليكتب قضية خلاصنا…
وفى ذكرى آلامه نذكر خطايانا، ونحرص ألا نضيف إلى الرب ألماً جديداً بسقوطنا. ولنحاول أن نفرح قلب الرب بتوبتنا.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الرابع عشر) 8-4-1977م




