(ما أعجب الله كخالق)

(ما أعجب الله كخالق)
أود أن أحدثكم اليوم عن الله كخالق، متأملين معًا الاصحاح الأول من سفر التكوين الذي شرح أيام الخليقة الستة. وستري في ذلك، صفات الله كخالق: في حكمته، وعقله، وحبه للجمال، والنظام والتنسيق.
إن أيام الخليقة الستة تركت أثرًا في نفوس الآباء، حتى ألفوا عنها كتبًا سميت (إكسيماروس)، أي الستة الأيام، مثل إكسيماروس باسيليوس، وإكسيماروس يوحنا ذهبي الفم، وإكسيماروس إبيفانيوس… إلخ.
وكانت هذه الأيام موضع تأملات كثيرة في عملية الخلق العجيبة التي قام بها السيد الرب بطريقة مذهلة للعقول…
“في البدء، خلق الله السموات والأرض”.
أي في بدء عملية الخلق، حينما بدأ الله بصلاحه وجوده أن ينعم على العدم بنعمة الوجود، حينما شاء أن يخلق فخلق.
في الأزل كان الله وحده، مكتفيا بذاته، ليس محتاجًا إلى جواره شيئًا…. قبل أن توجد مقاييس الزمن، بل قبل أن يوجد الزمن ذاته، قبل كل ذلك كان الله وحده.
لم يكن قد خلق شيئًا. ولكن صفة الخلق لم تجد عليه. فكل المخلوقات كانت أمامه وفي ذهنه، بصورتها وسيرتها ومصيرها، منذ الأزل، قبل أن يخلقها…
ثم بدأ الله يخلق… متى؟ في البدء… في البدء الذي اختاره، في الوقت الذي حددته حكمته. فيه خلق السموات والأرض.. خلق العالي والواطي، خلق الأرواح والمادة، خلق المادة التي خلق منها كل شيء.
لم تشأ محبته أن يخلق السموات والأرواح، وكفى…
إنما من تواضعه، ومن محبته، خلق المادة أيضًا، خلق الأرض.
خلق الحشرة الصغيرة والهوام، كما خلق الملائكة ورؤساء الملائكة… خلق الصغير كما خلق الكبير… الكل وجد مجالا من رعايته ومن عنايته، ومن حبه ومن اهتمامه.
كان من الممكن أن يخلق الله العالم كله في لحظة واحدة، لكنه خلقه في ستة أيام ليعلمنا التؤدة والهدوء…
نحن قوم نحب الإسراع في كل شيء، أما إلهنا الوديع، فيحب الهدوء، يحب السير الطبيعي، بدلًا من القفزات السريعة… وفي خلق الكون نرى هذا الهدوء، يزيده عامل آخر وهو:
إن الأيام الستة، لم تكن أيامًا شمسية كأيامنا الآن:
يومنا الحالي، يقاس من شروق الشمس إلى شروقها مرة أخرى، أو من غروبها إلى غروبها التالي. ولكن الشمس- حسبما ورد في سفر التكوين- لم تخلق إلا في اليوم الرابع. إذن الأيام الأربعة الأولى لم تكن أيامًا شمسية. كما أن اليوم السابع ذكر أنه بدأ، ولم يذكر أنه انتهي، وما زلنا نعيش حتى الآن في هذا اليوم السابع…
لهذا اتفق علماء اللاهوت-في الخليقة-على الحقيقة الآتية:
يوم الخليقة هو فترة زمنية لا يعرف مداها- قد تكون لحظة من الزمان، وقد تكون ملايين السنين، اصطلح على بدايتها ونهايتها، بعبارة: كان مساء وكان صباح..
في هذه الفترات الزمنية الست خلق الله كل شيء… قال مثلًا “ليكن نور” فكان نور. هل تم ذلك في لحظة، أم في عصور جيولوجية طويلة؟ هذا أمر لم يذكره الكتاب. على أن الكتاب ذكر لنا حقيقة أخرى، وهي أن الأرض- في بدء خلقتها- لم تكن كما تراها الآن، وإنما:
“كانت الأرض خربة وخالية”، وكانت مغمورة بالمياه “وعلى وجه الغمر ظلمة”: ولم يتركها الله هكذا، بل… “كان روح الله يرف على وجه المياه”… وبدأ العمل الإلهي…
خلص الله الأرض من الظلام، بأن أوجد النور. وخلصها من الماء الذي يغمرها، بأن فصل بين اليابسة والماء. وخلصها من الخراب، بأن أوجد فيها الحياة، وأوجد، فيها العمران.
إذن فقصة الخلاص، بدأت قبل خلق الإنسان، وكانت رمزاً…
بدأت مع الطبيعة الجامدة، قبل عملها مع الطبيعة الحية العاقلة. ورأينا عمل الله المخلص، فيما نري عمل الله الخالق. وكان كلاهما من جود الله ومن حبه: كما أنعم على العدم بنعمة الوجود، أنعم على الخراب بنعمة الجمال، ونعمة العمران… ما أعجب عمل نعمته!!
“كان على وجه الغمر ظلمة”. فماذا فعل الرب؟
لم يقل “لا تكن ظلمة”، وإنما قال “ليكن نور” فكان نور… وأعطانا الرب درسًا في العمل الإيجابي البناء…
لم يهدم الله شيئًا، حتى الظلمة: أبقاها، وأعطاها، اسمًا، وسمح بأن يكون لها سلطان “هذه ساعتكم وسلطان الظلام”. وإلى متى ستبقى الظلمة؟ يقول الكتاب إن الأشرار سيمكثون إلى الأبد “في الظلمة الخارجية”، خارج النور، النور الذي يعيش فيه القديسون، النور الذي ينير أورشليم السمائية، لأن “الله نور”.
في إيجابية عجيبة، خلق الله النور، وفصل بين النور والظلمة… وسيفصل بينهما أيضًا في اليوم الأخير وفي الأبدية.
سيفصل بين الخراف والجداء، وبين الحنطة والزوان، وبين أهل اليمين وأهل الشمال، وبين ساكني أورشليم السمائية، وساكني الظلمة الخارجية، سيفصل بين العذارى الحكيمات والجاهلات.
أما الآن، فعلى الرغم من انفصال هؤلاء وأولئك في الطبيعة وفي السلوك، وعلى الرغم من أن أولاد الله ظاهرون، وأولاد الشيطان ظاهرون، إلا أن الخلطة ما تزال موجودة، وقد يلبس فيها الذئاب ثياب الحملان، ويظهر الشيطان بهيئة ملاك من نور، ويختلط السمك الجيد: بالسمك الرديء.. ويظل الأمر هكذا إلى أن يمسك الحاصد بيدره في يده، ويفصل القمح عن التبن، النور عن الظلمة..
وكما نرى العمل الإيجابي في قصة الخليقة، نري شيئًا آخر:
تري أن الله قد أعد كل شيء، قبل أن يخلق.
قبل أن يخلق الإنسان أعد له الطبيعة كلها “أقمت لي السماء سقفًا، ومهدت لي الأرض كي أمشي عليها.. من أجلي ألجمت البحر، أخضعت طبيعة الحيوان..”. كل شيء قد أعده الله لنا قبل أن يخلقنا، حتى لا نكون معوزين شيئًا من أعمال كرامته… وهذه هي الحكمة في أن الله قد خلق الإنسان في اليوم السادس، بعد أن خلق له كل سبل الراحة أولًا.
أليس في هذا الأمر حكمة وترتيب، وأيضًا حب ورعاية؟
وهذه العناية العجيبة، لم يحرم منها باقي مخلوقاته أيضًا:
قبل أن يخلق الله الحيوان، خلق له أولًا النبات الذي يأكله. وقبل أن يخلق النبات، خلق له قبلًا الأرض الصالحة، والماء الذي يرويه، والحرارة التي تلزمه. كل شيء قد أعده الرب بحكمة وترتيب. كل أموره بحكمة قد صنعها…
وكما أعد الله كل شيء على الأرض، هكذا يعد لنا في السماء “أنا ماض لأعد لكم مكانًا، وإن مضيت، وأعددت لكم مكانًا، آتي…
إنه يعد المكان أولًا وعندما يعده لنا، يقول “آتي وآخذكم إليَّ، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا”.
مبارك هو الرب الذي يعد لكل شيء، قبل حدوثه:
قبل ميلاده أيضًا، كان قد أعد العذراء التي بتواضعها ستحتمل أمجاد التجسد الإلهي منها. وكان قد أعد المعمدان الذي يهيئ الطريق قدامه، ثم يقف فرحًا ليقدم العروس للعريس… وكان قد أعد جميع النبوات والرموز التي تشير إليه، لكي يتم شيء حسبما هو مكتوب.. وأخيرًا جاء الرب “في ملء الزمان”. بعد أن كان قد أعد كل شيء…
ونفس الأسلوب اتبعه في قصة الخليقة، لنتعلم الإعداد أيضًا. ونتعلم من قصة الخليقة كذلك النظام العجيب المذهل..
كتب كثيرة يمكن أن تكتب عن هذا النظام الذي في الخليقة، بل عن النظام الموجود في أي شيء منها.
ما أعجب النظام الموجود في الفلك مثلًا!
قرأت من زمن طويل كتابًا جميلًا اسمه “مع الله في السماء “(للأستاذ الدكتور أحمد زكي) الذي كان مديرًا للجامعة وقتذاك، شرح فيه في أسلوب شاعري حركة النجوم في السماء، وبحيث تدور حول نفسها، وفي نفس الوقت تدور بنفس الحركة حول كواكب وشموس.. وكأنها في حفلة راقصة بهيجة، في انساق موسيقي عجيب.. والأمر ليس حركة هذه الكواكب فحسب، وإنما أيضًا علاقتها ببعضها البعض، بقوانين عجيبة، لا تخل ولا تزل، وهي معلقة في هذا الفضاء بنفس النظام الإلهي، تعطينا تتابع الفصول الأربعة، وتتابع الليل والنهار، وتتابع أوجه القمر، وأثر كل ذلك على الحرارة والضغط والرياح، وعلى حياة الإنسان والحيوان… بدقة وانساق، ونظام ثابت، ترويه قصة الزمان على مدي آلاف السنين…
خذوا جسم الإنسان الذي خلقه الله آية عجيبة في النظام:
لسانه وحنجرته، وكل منها آلة موسيقية دقيقة الأوتار، حساسة النغمات ، يرتبط فيها النغم بالمشاعر والأحاسيس، بطريقة لا يمكن أن تتوفر لأية آلة موسيقية، مهما كانت براعة العازف عليها.
وخذوا كل أجهزة الإنسان الرائعة في وظائفها الدقيقة: القلب، المخ، الجهاز العصبي، الجهاز الهضمي… إلخ، وكيف تعمل كل منها في دقة متناهية، وفي تعاون كامل مع باقي الأجهزة… أليس وراء كل ذلك خالق كلي القدرة، محب للنظام إلى أبعد الحدود…
بل خذوا بصمة الإنسان، وكيف تختلف عن كل بصمة أخرى.
على الرغم من آلاف الملايين الذين يعيشون على الأرض، ويتكررون مرات بالوفاة والولادة. وكل منهم له بصمة خاصة. أليس في ذلك إعجاز لا يستوعبه العقل..
بل خذوا حشرة من الحشرات كالنحلة، وفي نظام حياتها وعملها:
كيف تنظم صفوفها وقياداتها وعمالها؟ كيف تحول الرحيق إلى شهد؟ كيف تجهز غذاء الملكات؟ كيف تبني خلاياها بمهارة ودقة، وكيف تنظفها؟ … أليس وجود هذه النحلة دليلا على عظمة الله في خلقه وفي حبه للنظام.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الثامن ولأربعون) 2-12-1977م



