يوم الجمعة الكبيرة

هناك خطايا تسبب مشاكل مع الناس، أو مشاكل شخصية، أو اجتماعية، أو أضرارًا صحية… ولكن أتعب ما في الخطية إنها تؤلم قلب الرب. وسنري آلام الخطية في يوم الجمعة الكبيرة.
يوم الجمعة الكبيرة
تجميع لآلام الرب:
في كل مرة نخطئ، نجرح قلب الله، ونسبب له ألمًا.
وما أسبوع الآلام، ألا تجميع لكل آلام الرب من الخطايا، لنذكرها في مناسبة واحدة… جميع الآلام، التي سببتها جميع الخطايا، لجميع الناس، في جميع الأجيال، تتركز معًا في أسبوع الآلام، وبالأكثر يوم الجمعة العظيمة، ليحملها المسيح مرة واحدة…
فلا تظن أن ارتكابك للخطية، هو مجرد إساءة إلى نفسك أو إلى الناس، فالأمر أخطر بكثير: إنك تجرح قلب الله وتؤلمه، وتبعد عنه وعن محبته…
الخطية خاطئة جدًا:
الخطية عدم محبة لله، لأنه يقول “من يحبني، يحفظ وصاياي”. وهي أيضًا عدم طاعة له، بل هي تمرد وثورة على الله، وكبرياء، وانفصال عنه وعن ملكوته…
إنها انفصال عن عشرة الله، لأنه أية شركة للنور مع الظلمة، أو للمسيح مع بليعال!… الإنسان الذي يخطئ، كأنه يقول للرب: لست أريدك، ولا أريد عشرتك. لا أريدك أن تسكن في قلبي، ولا أريد أن أسكن في قلبك…!
إنها تمرد على الله، على محبته، وعلى وصاياه، وعلى عشرته.
كبرياء من الذات البشرية، على الذات الإلهية.
أن كنت عضوًا في جسد المسيح، فإنك بالخطية تجرح هذا الجسد، وتؤلم باقي أعضائه، وتحزن روح الله، وتقاومه.
لأن الكتاب يقول “لا تحزنوا روح الله الذي فيكم”. وأنت بالخطية تقاوم روح الله وعمله فيك…
بل أن الخطية هي خيانة لله، الله الذي يحبك ويرعاك.
الله الذي خلقك، وفداك، ومنحك كل خيراتك، ولم يعد يسميك عبدًا، بل جعلك ابنًا له، وهيكلًا لروحه، وزودك بكل الأسرار المقدسة، وعاملك برفق وحب وحنان…
الله هذا، تخونه بالخطية، وتخون محبته وأبوته ورعايته…!!
إن الله عندما تكلم عن خطية مملكتي يهوذا وإسرائيل في القديم، كان يقول “الخائنة يهوذا” و”الخائنة اسرائيل”…
وبنفس الوضع أعتبر الخطية لونا من “الزنا الروحي”…
في العهد القديم كانت بشاعة الخطية، يصورها دم المحرقات والذبائح التي تقدم عنها. كان الدم يرش في خيمة الاجتماع، وحول المذبح، ويحرق بعضه مع الذبيحة.
وكان منظر الدم المسكوب في كل مكان، ورائحة الدم والشحم المحترقين على المذابح، يظهران بشاعة الخطية… الخطية مرتبطة بالموت وبالدم…
ولذلك فإن داود النبي، عندما كان يتذكر خطيئته، كان يصرخ قائلًا “نجني من الدماء يا الله، إله خلاصي”.
هذه الخطية البشعة هي التي حملها المسيح يوم الجمعة العظيمة.
البعض يظن أن آلام المسيح كانت في الصليب والجلد والشوك والإهانات. هذه آلام الجسد وهي أقلها. أما الألم الأكبر، فكان حمل هذه الخطايا البشعة “الذي بلا خطية، صار خطية لأجلنا”.
كل آثام العالم، وضعت فوق رأس الرب، من خطية حواء إلى جميع الخطايا عبر كل الدهور، بكل بشاعتها ونجاستها فحملها الرب، ووقف أمام الآب كخاطئ، كنائب عن البشرية الخاطئة.
كانت بشاعات هذه الخطايا، تقف أمام المسيح صورة كئيبة، مرة للغاية، يراها جميعها أمامه: كيف سقطت البشرية؟ وكيف تدنست وتنجست؟ وكيف ضعفت وانقادت، واستسلمت وضاعت…
كيف انهارت البشرية التي خلقت على صورة الله ومثاله؟! هنا ويقول “نفسي حزينة جدًا حتى الموت”.
حينما خلقت الإنسان على صورتي، وزودته بكل الإمكانيات الروحية، ما كنت أحب له أن ينتهي إلى هذا الوضع البشع…
إن كان هناك فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب، فكم يكون الحزن بملايين الذين يهلكون؟!…
على الصليب، وقفت أمام المسيح، جميع الخطايا الخفية والظاهرة، الإرادية واللاإرادية، خطايا العمل والحس والقول والفكر، خطايا الروح والنفس، وخطايا الجسد… الخطايا ضد الناس، والتي ضد الطبيعة، والتي ضد الله ذاته (كالتجديف والإلحاد…).
الكل حمله المسيح… حقًا هذه هي الكأس، التي كان لابد له أن يشربها، إتمامًا لمشيئة الآب، وتحقيقًا لعدله…
إن المسيح لم يمت عن خطايا الناس في الماضي أو في أيامه فقط، وإنما عن خطايا العالم كله، من حواء إلى آخر الدهور. ومن ضمنها خطايانا أيضًا، التي لم نكن قد ارتكبناها حتى ساعة صلبه، ولكنها كانت واضحة أمامه، ومات عنها، لأنه يري المستقبل كما يرى الحاضر والماضي تمامًا…
إذن فخطايانا، كانت تمثل قطرات مرة في الكأس التي شربها الرب. وكانت تمثل أشواكا مؤلمة على جبينه. كانت له حزنًا ومرارة قلب.
إننا لا نبصر الخطية في بشاعتها الحقيقية، لنقص حساسيتنا الروحية. أما الله الكامل، القدوس، فإنه يرى بشاعة الخطية في صورة لا تخطر لنا ببال… فكما بقعة على ملابس قذرة، قد لا تظهر تمامًا، ولكن نفس البقعة على ثوب ناصع البياض، تبدو مؤلمة للنظر، هكذا الخطية بالنسبة إلينا، وبالنسبة إلى الله…
كل هذه الخطايا- في بشاعتها- وكل هذه الآلام، حملها المسيح وحده. لم يشترك معه أحد… جاز المعصرة وحده…
ولم يكن ممكنًا طبعًا أن يشترك أحد في قضية الخلاص…
ولكن حتى في الآلام، ترك المسيح وحده… في المحاكمة مثلًا، وقف وحده، لم يدافع عنه أحد، وهو الذي دافع عن أشر الخطأة. ووقت القبض عليه، هرب التلاميذ. وحتى في الصلب كان اللصان- أول الأمر- يعيرانه معًا…
ولكن لم يكف أننا تركنا المسيح وحده، وإنما حملناه مشاكلنا، حتى في أحرج أوقات آلامه…
أنشغل الرب ببطرس، وقال له “كنت أصلي لأجلك لكي لا يفنى إيمانك”. وأنشغل بسلامة تلاميذه وقت القبض عليه. وأنشغل بأمه العذراء وتلميذه يوحنا، وهو على الصليب. بل أنشغل باللص اليمين ووعده بأن يكون معه في الفردوس. بل أكثر من هذا كله، أهتم بصالبيه، وطلب لهم الغفران…
أمام ترك المسيح وحده في آلامه، يصر بولس الرسول على الشركة في آلام المسيح “نتألم معه لنتمجد معه” “لأعرفه، وقوة قيامته وشركة آلامه”…
المسيح القادر على كل شيء، في يوم الجمعة أسلم نفسه لأيدي عبيده: بذل ظهره للجالدين، وخده للناتفين…
المسيح المتواضع، ترك نفسه في أيدي المتكبرين. ولم يشأ أن يدافع عن نفسه، لأن خطايانا هي التي كان يدافع عنها. وقف كأثيم، لكي يوقفنا كأبرار. ولم ينزل عن الصليب، كما تحدوه، لأنه بهذا يمكنه أن يهبنا الحياة.
إن يوم الجمعة هذا، الذي نلنا فيه الخلاص بالفداء، وكان أسوأ يوم بالنسبة إلى تصرفات البشرية الخائنة الظالمة…
تمردوا على هذا الذي جال بينهم يصنع خيرًا. وأخرجوه خارج المحلة، وأحصوه مع أثمة، وأتهموه باطلًا، وأشهدوا عليه شهود زور، وفضلوا عليه لصًا قاتلًا… واشتكوه للحكام وسلكوا معه بقساوة غير إنسانية.
هنا ويلذ لي في هذا اليوم، إن أقول إن صورة البشرية لم تكن قاتمة تمامًا… بل كانت فيها بعض نقط بيضاء منيرة.
حقًا، حيثما تزداد الخطية، تزداد النعمة جدًا… كانت النعمة تعمل، وقد أستجاب البعض لها.
بطرس الرسول ملكته النخوة والشجاعة، حين قطع أذن العبد، وإن كانت وسيلته غير روحية. وبيلاطس حاول بكل الطرق أن يطلق سراح المسيح، وشهد أنه بار، وإن كان خوف بيلاطس لم يمكنه من استغلال عمل النعمة فيه.
بل إن النعمة عملت في يهوذا الأسخريوطي نفسه، فندم وأعترف بخطيئته، وقال “أخطأت إذ أسلمت دمًا بريئًا”. وأرجع المال. ولكن مشكلته أن ندمه لم يختلط بالرجاء، فشنق نفسه.
وفي يوم الجمعة العظيمة، يسرنا أن نحيى شخصيات روحية قامت بأعمال جميلة. نحيي في مقدمتها السيدة العذراء مريم، مع مريم المجدلية، ومريم زوجة كلوبا، ومعهم يوحنا الحبيب.
أولئك الذين وقفوا إلى جوار الصليب، ولم يخشوا أحدًا.
وقفوا إلى جوار المسيح في آلامه، وليس في معجزاته…
نحيي أيضًا النسوة اللائي قرعن على صدورهن وبكين عليه، والنسوة اللائي حملن الحنوط والأطياب، مبكرات إلى القبر…
نحيى يوسف الرامي، الذي تجاسر وطلب جسد المسيح، والذي تنازل له عن مقبرته الجديدة، ونحيي معه نيقوديموس.
نيقوديموس لم يوافق أعضاء مجلس السنهدريم على رأيهم وحكمهم.
نحيى أيضًا قائد المائة، الذي على الرغم من ارتباطه بالعسكرية وأحكامها، آمن، وقال: بالحقيقة كان هذا ابن الله.
في هذا اليوم نحيى قديسًا آخر هو اللص اليمين..
هذا الذي آمن بالمسيح، وهو مصلوب إلى جواره. ودافع عنه ضد اللص الآخر، وطلب من المسيح المصلوب أن يذكره في ملكوته، فاستحق أن يدخل معه في نفس اليوم إلى الفردوس.
نحيى من غير البشرية، الطبيعة التي أظهرت مشاعرها:
نحيى الشمس التي أظلمت، والأرض التي تزلزلت، والقبور التي تشققت، وحجاب الهيكل الذي إنشق… الطبيعة التي أظهرت عدم رضاها على ظلم الأشرار…
هذا اليوم على الرغم من ظلمته، شع فيه نور أقوي من الشمس، صادر من الرب نفسه، هو الفداء العظيم: الخلاص والكفارة.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الرابع عشر) 8-4-1977م



