قلبًا جديدًا، وروحًا جديدة

قلبًا جديدًا، وروحًا جديدة
ليكن موضوع تأملنا في بداية العام الجديد، هي قول الرب في سفر حزقيال:”وارش عليكم ماءًا طاهرًا، فتطهرون من كل نجاستكم، ومن كل أصنامكم أطهركم ”
وأعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعل روحا جديده في داخلكم. وانزع قلب الحجر من لحمكم، وأعطيكم قلب لحم. واجعل روحي في داخلكم. وأجعلكم تسلكون في فرائضي، وتحفظون أحكامي، وتعملون بها. ( حزقيال 37 : 25–27 )
قلبًا جديدًا، وروحًا جديدة
هناك أشخاص يمارسون وسائط النعمة، دون أن ينالوا قوتها.
الاعتراف بالنسبة إليهم هو التخلص من حساب قديم، للبدء في حساب جديد. هؤلاء لهم “صورة التقوى” وقلوبهم لم تتغير..
يسيرون في طريق الرب، ولكن لهم نفس الطباع، ونفس الضعفات، ونفس الخطايا والعيوب.
ولكننا في هذه السنة الجديدة، نريد أن يعطينا الرب قلوبًا جديدة حسب وعده. فنحيا حياة جديدة، ونقطع معه عهدًا جديدًا.
نريد أن نلمح هذا التغيير في حياتنا، فيجدد الرب مثل النسر شبابنا، ونقول له: “قلبًا نقيًا أخلق في يا الله، وروحاً مستقيمًا جدده في أحشائي” أعطني أن أفرح بسكناك في قلبي، وامنحنى بهجة خلاصك.
كفي السنوات التي أكلها الجراد، واسمعني لحنك الجميل “أعطيكم قلبًا جديدًا، واجعل روحًا جديدة في داخلكم”.
من هذا الوعد ما يبدو عمل الله في تطهيرنا. هو الذي يعطى القلب الجديد، وهو الذي يطهرنا من نجاساتنا. هو الذي ينزع منا قلب الحجر، ويجعل روحاً جديدة في داخلنا.
هو الذي ينضح علينا بزوفاه فنطهر، ويغسلنا فنبيض أكثر من الثلج. هو، وليس ذراعنا البشري. إنه الذي يدعونا قائلاً “تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال، وأنا أريحكم”.
“أنا” أريحكم”، وكيف يا رب؟ انزع قلب الحجر من لحمكم. وأجعلكم تسلكون في فرائضي، وتحفظون أحكامي، وتعملون بها. مبارك هو اسمك يا رب. لذلك يقول مار اسحق” من يظن أن له طريقًا آخر للتوبة غير الصلاة، هو مخدوع من الشياطين.
إذن في هذا العام الجديد، أمسك بالرب من كل أعماقك.
وقل له: لن أتركك حتى تباركني. لن أتركك حتى أخذ منك معونة، وحتى تحقق كل مواعيدك، وأنت أمين في مواعيدك. لماذا لم تنزع منى القلب الحجر؟ واين القلب الجديد؟
إن هذا القلب الجديد، له رموز كثيرة في الكتاب المقدس، من أمثلته أولئك الذين سماهم الرب بأسماء. جديدة لما دعاهم:
أبرام أعطاء الرب اسمًا جديدًا هو إبراهيم. وساراي صارت سارة. وشاول الطرسوسي سماه بولس، وسمعان سماه بطرس. ونحن في سيامة الكهنة والرهبان، كثيرًا ما نعطيهم أسماء جديدة، رمزًا للحياة الجديدة التي سيحيونها. بل تتغير ملابسهم، ويتغير شكلهم أيضًا..
لا تجعل هذه السنة الجديدة تمر عليك، وكل ما فيها من تغيير هو تفاصيل معينة أو جزئيات، دون تغيير الجوهر كله!
كثيرًا ما يهتم إنسان كل الاهتمام بتغير طبع معين، أو خطية خاصة، أو بعض تفاصيل المعاملات أو أسلوب العبادة، ويترك القلب كله دون تغبير وقد حذرنا الرب من هذا التغيير الجزئي أو السطحي، حينما قال:
“لَيْسَ أَحَدٌ يَجْعَلُ رُقْعَةً مِنْ قِطْعَةٍ جَدِيدَةٍ عَلَى ثَوْبٍ عَتِيق، لأَنَّ الْمِلْءَ يَأْخُذُ مِنَ الثَّوْبِ، فَيَصِيرُ الْخَرْقُ أَرْدَأَ. وَلاَ يَجْعَلُونَ خَمْرًا جَدِيدَةً فِي زِقَاق عَتِيقَةٍ، لِئَلاَّ تَنْشَقَّ الزِّقَاقُ…” ( متى 9 : 16–17 ).
لا ينفعك إذن أن تأتي بتصرف جديد خاص، وتلصقه بنفس طباعك الخاطئة، وبنفس حبتك للذات وللعالم. ومجرد صلاة أو خدمة أو نشاط ديني تلصقه بقلب خاطئ، وحياة منحلة، لا تضع مجرد رقعة جديدة على ثوب عتيق.
لابد أن يتغير القلب كله من أساسه، بقلب جديد.
هذا القلب المملوء بالشهوات العالمية، البعيد عن مخافة الله وعن محبته، لا يصح أن ترممه ببعض ممارسات روحية. لأننا نقول في المزمور “قلبًا نقيًا أخلق يا الله”.
أن خلق قلب، معناه شيء جديد، لم يكن موجودا من قبل.
ليست عملية إصلاح، أو ترميم، أو تجميل، أو تحسين، وإنما عملية خلق. خلق قلب جديد، هو عطية من الله.
إن تجديد الطبيعة تناله في المعمودية، أما تجديد السيرة فهو أمر يحدث لك كل يوم، وليس كما تقول بعض الطوائف البروتستانتية “أنا تجددت في اليوم الفلاني، وفي الساعة الفلانية. تجديد السيرة هو ما نسميه بالتوبة، وعنه يقول الرسول.
“تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ” ( رومية 12 : 2 ). تجديد الذهن يشمل نظرة جديدة للأمور، فهم جديد، افراز من نوع جديد، تقيم للأمور بفهم روحي. إنه تغيير للحياة كلها، فتتحول من حياة الجسد إلى حياة الروح.
أنظر إلى الفحمة، أنها سوداء، مظلمة، توسخ كل من يلمسها ولكن ما أن تدخلها النار، حتي تتحول إلى جمرة، فيها ضياء، وحرارة ولهيب، وقد فقدت لونها الأسود، وأصبحت تظهر ما تلمسه.
هل أنت في السنة الجديدة، تحولت من فحمة إلى جمرة؟
حسن أن واحدًا من السارافيم، أخذ جمرة من على المذبح، وطهر بها شفتي إشعياء، والجمر رمز لحياتنا السوداء التي تصير جميلة حينما تدخلها النار الإلهية، وتوقد فيها حرارة الروح. وعلى هذا الجمر نضع البخور في المجمرة المقدسة.
أن الكهنة يمسكون المجامر في أيديهم، في داخلها يحولون الفحم إلى جمر، وتتصاعد من فوقه رائحة بخور، رمزا للحياة الجديدة التي اشتعلت بالنار الإلهية. أنك في الجمرة تري شيئًا جديدًا، يختلف عن الفحمة اختلافا جوهريا..
هل أنت ما تزال فخمة مظلمة، أم دخلت إليك النار الإلهية، وأحرقت ما فيك من زغل العالم وتمتعت بسكني الله فيك، وأصبحت نورًا، وحارًا بالروح…؟ إنها عملية تغيير جذري جوهري، وليست مجرد تغيير طبع من الطباع.
ولكن كيف يدخلك هذا التغيير؟ بدخول محبة الله إلى قلبك.
لابد أن يسكب الله فيك محبته بالروح القدس، وينزع منك محبة العالم الحاضر التي هي عداوة لله، وينزع منك محبة الذات، فيصير ك قلب جديد…
مشكلتك في الحياة أنك تعيش في صراع، دون أن تستقر:
تسقط وتقوم، وتخطئ وتتوب، وتعود فتخطئ. نحب العالم عمليًا، وتحب الله إيمانيًا أو نظريًا، وحياتك هي صراع بين الجسد والروح. “الجسد يشتهي ضد الروح، والروح تشتهي ضد الجسد”. حتى لينطبق عليك قول أحد الأدباء. “وكنت أصارع نفسي واجاهد، حتى كأنني اثنان في واحد: هذا يدفعني، وذاك يمنعني “…
هذه هي الثنائية التي تعيشها: صراع بين الخير والشر، بين الحلال والحرام، بين الله والعالم. محبة الله لم تستقر في قلبك. ومحبة العالم ما تزال تجذبك. ليس لك ذلك القلب النقي الذي يحب الخير من أعماقه. ويمتلك، ويمتلك الله كل مشاعره وكل عواطفه.
أطلب إذن في العام الجديد. إن يمنحك الله محبته. فتحبه من كل قلبك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك. ولا تضع أمامك الخير كوصية، وإنما كشهوة تشتهيها.
هذا هو القلب الجديد، الثابت، الذي لا يتردد بين طريقين، ولا يعيش في ثنائية، بل قد انتزع الله منه القلب الحجر، فلم يعد يصارعه. وهكذا صار الله سلام في الداخل، سلام مع الله. إذن صل بكل قلبك وقل:
انزغ مني يا رب، القلب الحجر، فأنا لست أقوي على نزعه. انزعه بنعمتك وفعل روحك القدوس. لست اعتمد على نفسي التي سقطت، وإنما عل قوتك أنت.
أنا مثل إنسان يطارده الموت، فيمسك في قوة بقرون المذبح، في إحدى مدن الملجأ، لئلا يهلك.
أنا يا رب لن أتركك، حتى أبيض أكثر من الثلج، إن نقاوتي هي عملك. ألسنا نقول لك في القداس الإلهي “طهر نفوسنا وأجسادنا وأرواحنا”.
أدخل مع الله في صراع، امسكه ولا ترخه، بدموع، بمطانيات، بأصوام، بصلوات، بلجاجة لا تنقطع، بطول روح. ولا تيأس أن تأخرت الاستجابة. فلجاجتك دليل على جدية طلبك.
كل الذين صارعوا الله، نالوا طلبتهم قل له: لن أنركك هذا العام. إنه لن يضيع كالأعوام الماضية. لن اتركك في للية رأس السنة هذه. لن تستمر معي هذه الضعفات، مادامت نعمتك ستعمل. لن أتنازل عن مواعيدك.
اذكر لي كلامك الذي جعلتني عليه الكل، هذا الذي عزاني في مذلتي (مز 118).
كانت صلوات داود، تتحول في نفس الوقت، من طلب إلى شكر. لأنه لا يترك الرب حتى ينال الاستجابة. هذا ما نريده في العام الجديد، ونصر عليه، حتى نتغير.
جرب مع الله العتاب واللجاجة والصراع والصب، بالحب كلمه، وبالدموع كلمة، وبالحوار كلمة، وافتح له قلبك، واستسلم لعمله فيك. واحذر أن ينطبق عليك قول الرب:
“كم مرة أردت..، ولم تريدوا”.. أريد يا رب، فنعال.. في العام الجديد، لا تنظر إلى الوراء. بل قل للرب.
إن عام 76، سأدفنه عند مراحمك الكثيرة، سألقيه في لجة محبتك. أتركه لتغسله فبيض. ثم انساء، وابدًا معك من جديد، يقلب جديد، وروح جديدة.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الثالث والخمسون) 31-12-1976م




