ملء الزمان

ملء الزمان
يقول الكتاب في قصة الميلاد “ولكن لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة تحت الناموس” ( غلاطية 4 : 4 ).
ولا شك أن انتظار (ملء الزمان) هو درس روحي عميق نستفيده في حياتنا، عندما نتأمل قصة التجسد، وكيف حدد الله ميعادها…
ملء الزمان
عندما أخطأ آدم وحواء وعدهما الله بالخلاص، قائلًا لهما إن نسل المرأة سيسحق رأس الحية. وأنجبت المرأة قايين وهابيل وشيث… ولم يحدث أن أحدًا منهم سحق رأس الحية. بل ظلت الحية رافعة رأسها في خطر، حتى كادت تهلك العالم كله في أيام نوح…
ــ فإلى متى يارب ننتظر؟ ومتى تحقق وعدك بالخلاص؟
متى نفذ الرب وعده بالخلاص؟ نفذه بعد آلاف السنين…
والحكمة في ذلك سنوضحها فيما بعد، ولكننا نقول الآن” إن يومًا عند الله كألف سنة، وألف سنة عنده كيوم واحد”( بطرس الثانية 3 : 8 ) كل تلك الآلاف عند الله كأنها لحظة أو طرفة عين…
أما البشرية فإنها شغوفة بأن تنهي كل شئ بسرعة…
حُمى الإسراع هى حُمى تنتاب البشر جميعًا. تريد التعجل في كل شئ، ولا تستطيع صبرًا على شئ. والناس يجرون وراء حاجاتهم جريًا بدون تفكير في غالبية الأوقات.
محبة العجلة والإسراع:
+ وعد الرب أبانا إبراهيم بأن يكون له نسل، مثل نجوم السماء ورمل البحر، وانتظر ابراهيم طويلًا ولم يعط نسلًا كنجوم السماء… ولا حتى ابنًا واحدًا… ماذا يارب، هل نسيت مواعيدك؟
كلا انني لم أنس، ولكنك أنت الذي تريد أن تتعجل الأمور قبل مواعيدها…
” تقو وليتشدد قلبك، وانتظر الرب”.. وعاد إبراهيم، فانتظر مدة أطول، ولكن النسل لم يعط له… فبدأ اليأس يتطرق إلى قلبه، ودفعه اليأس إلى أن يدخل على جاريته هاجر، وينجب منها إبنًا… ولكن مشيئة الله ظلت كما هى “بسارة يدعى لك نسل” ( تكوين 17 : 9 وعاد إبراهيم فانتظر سنوات أخرى…
وحتى بعد ولادة إسحق، مرت عليه عشرات السنوات، وما زال الوعد الخاص بنجوم السماء ورمل البحر ينتظر التحقيق
… وعاد إبراهيم فاتخذ قطورة زوجة له. فولدت له زمران ويقشان ومدان ومديان ويشباق وشوحا ( تكوين 25 : 1–2 ) … لم تكن مشيئة الرب في كل هؤلاء، فأعطاهم إبراهيم عطايا وصرفهم عن إسحق ابنه… وانتظر حتى يحقق الرب وعده، في ملء الزمان… بطريقته الهادئة، التي لا تعجل فيها…
+ إن اليأس من وعود الله ومواعيده يدعو إلى التعجل. والعجلة تدعو إلى استخدام الطرق البشرية. والطرق البشرية تتنافى مع طرق الله الصالحة.
وسنأخذ مثلًا لذلك رفقة زوجة اسحق:
قال الرب لرفقة وهي بعد حبلى “في بطنك أمتان، ومن أحشائك يفترق شعبان: شعب يقوى على شعب، وكبير يُستَعبد لصغير” ( تكوين 25 : 23 ). والكبير هو عيسو، يستعبد للصغير الذي هو يعقوب.
كيف هذا يارب؟ كيف يستعبد الكبير للصغير؟ طالما هو البكر فهو السيد؟ فهل سيفقد البكورية؟ وكيف يكون ذلك؟
يجيب الرب: اتركوا هذه الأمور لي، سأعالجها بطريقتي الخاصة، الهادئة الصالحة. ومرت الأيام والسنون… أين يارب وعدك؟ يجيب: انتظروا، سيتم كل شئ في حينه، في ملء الزمان. ثم أتى اليوم الذي طلب فيه اسحق صيدا من ابنه عيسو، لكي يباركه. وهنا لم تستطيع رفقة أن تحتمل، فقدمت حيلة بشرية لابنها يعقوب ليأخذ بها البركة عن طريق خداعه لأبيه…
لماذا أسرعت رفقة؟ ولماذا لم تنتظر الرب؟ ولماذا لجأت إلى الطرق البشرية الخاطئة التى لا تتفق مع مشيئة الله الصالحة؟ انها حُمى الاسراع وعدم انتظار ملء الزمان…
وماذا كانت النتيجة؟ كانت سنوات طويلة من المتاعب والآلام، قضاها يعقوب شريدًا هاربًا وخائفًا من أخيه، ومتعبًا من معاملة لابان السيئة وخداعه له. وقد سجل يعقوب ملخص حياته هذه بقوله “أيام سني غربتي… قليلة وردية” ( تكوين 47 : 9 ).
حنة أيضًا كانت تطلب ابنًا من الرب، وكانت ضرتها تغيظها غيظًا. وبدا كما لو أن الرب كان يسمع، ويظل ساكتًا!
ومرت الأيام وحنة ما تزال عاقرًا، وهكذا صار سنة بعد سنة، كلما صعدت إلى بيت الرب أن (ضرتها فننّة) كانت تغيظها. فبكت ولم تأكل ( صموئيل الأول 1 : 7 ). والرب يسمع ويرى، ومع ذلك يبدو ساكتًا لا يعمل شيئًا، إلى متى يارب لا تستجيب؟ إلى متى تحتمل بكاء حنة من أغاظة ضرتها؟
يجيب الرب: انتظروا ملء الزمان. لا يتعبكم طول أناتي، بل الذي يتعبكم هو حُمي الإسراع. انتظروا، فللانتظار فائدته..
وكان من فائدة الانتظار أن حنة نذرت نذرًا أن تعطي ابنها للرب كل أيام حياته. وقد كان، وولد لها صموئيل.
ولد صموئيل في ملء الزمان، متأخرًا جدًا. ولكنه كان أفضل من جميع أولاد فننّة، ضرة أمه التي كانت تغيظها… من هم أولاد فننّة؟ أننا لا نعرف شيئًا عنهم ولا حتى عن أسمائهم. أما صموئيل فيعرفه الجميع.
ليتنا إذن في معاملاتنا للرب، نصبر، وننتظر ملء الزمان.
إن الضيقات تحتاج إلى طول أناة، حتى يرفعها الرب عنا في الحين الحسن، في ملء الزمان، بعد أن نكون قد أخذنا بركتها، ولكننا لا نفعل هكذا بل نضيق بسرعة، ونصرخ “لماذا يارب تركتنا؟ لماذا لم تسمع الصلاة؟”…
قد يكون لك مريض تطلب شفاءه، وتلح في ذلك. وقد يبطئ الرب في الاستجابة حتى يأتي ملء الزمان الذي يحدده للمريض حسب حكمته في اختيار الأوقات. أما أنت فتضجر وتصيح في ضجرك” لماذا يارب لا تسمع؟ إذن ما فائدة الصلاة؟ وما فائدة سر مسحة المرضى!!” وتتشاجر مع الله… ليس لأن الله قد أخطأ في حقك، وإنما بسبب محبتك للاسراع وعدم انتظارك ملء الزمان.
ملء الزمان، هو الوقت المناسب:
بنفس حكمة ملء الزمان، انتظر الرب حتى يعد كل شئ لتجسده، ثم بعد ذلك نزل الينا، في الوقت المناسب…
لم يكن هناك وقت مناسب أكثر من موعد مجيئه بالذات، كان كل شئ ممهدًا، وكل شئ معدًا. لذلك كان عمل مجيئه قويًا، وكان تقبل الناس له سريعًا..
كانت النبوءات قد اكتملت، وكذلك الرموز. وأعد الرب فهم الناس لها خلال مدى طويل، حتى يستطيعوا أن يستوعبوها عندما يتم المكتوب ويتحقق الرمز..
خذوا لذلك مثالًا هو فكرة الذبيحة، وفكرة الفداء:
كيف تدرج الله بهم من الذبيحة التي غطى آدم وحواء عريهما بجلدها، إلى ذبيحة هابيل التي “من أبكار غنمه ومن سمانها”، إلى فكرة ذبيحة الابن الوحيد التي تمثلت في اسحق، إلى شروط الذبيحة التي بلا عيب، التي تحمل خطية غيرها وتموت عنه… وتركهم آلافًا من السنين حتى احتضنوا الفكرة واستوعبوها وصارت من بديهياتهم..
إن الله طريقته هادئة وطويلة المدى، ولكنها منتجة ونافعة.
صدقوني، لو أن الله صبر كل تلك الآلاف من السنين حتى يجد العذراء الطاهرة التي تستحق أن يولد منها الرب. والتي تحتمل أن يولد منها الرب، لكان هذا وحده سببًا كافيًا.
وكان ينبغي أن ينتظر حتى يوجد الرجل البار الذي تعيش تلك العذراء في كنفه، ويحفظها في عفتها، ويحتمل أن تحبل من الروح القدس، ويقبل الفكرة، ويحمي الفتاة، ويعيش كأنه أب لإبنها في نظر المجتمع.
وكان ينبغي الانتظار حتى يولد الملاك الذي يعد الطريق قدام ملك الملوك، أعني يوحنا المعمدان ذا الشخصية الجبارة والتأثير العميق. الذي يستطيع أن يقول “في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه، هو الذي يأتي بعدي، الذي صار قدامي، الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذائه ” ( يوحنا 1 : 27 ) “ينبغي أن ذاك يزيد، وإني أنا أنقص الذي يأتي من فوق، هو فوق الجميع. الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع…” ( يوحنا 3 : 20–31 ).
لعل أحدًا يسأل: ولماذا لم يوجد الله كل هؤلاء منذ زمن؟
نجيب بأن الله لا يرغم البشر على البر والقداسة. أنه ينتظر حتى توجد الآنية المستعدة بكامل ارادتها…
هناك أسباب عديدة جدًا توضح شيئًا من حكمة الرب في الانتظار حتى يأتي ملء الزمان. أوضحها هو إعداد العالم كله وتهيئته لقبول فكرة التجسد وفكرة الفداء…
وأخيرًا، عندما كمل كل شئ “لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس، لننال التبني” ( غلاطية 4 : 4–5 ).
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الثاني) 14-1-1977م




