من سفر نشيد الأناشيد (ها أنتِ جميلة.. عيناكِ حمامتان)

من سفر نشيد الأناشيد
(ها أنتِ جميلة.. عيناكِ حمامتان)
أكلمكم في هذه الليلة عن عبارة من سفر نشيد الأناشيد، يقول فيها الرب للكنيسة:
“ها أنتِ جميلة يا حبيبتي، ها أنتِ جميلة، عيناكِ حمامتان” (نش1: 15)
شهادة من الله:
أول ما نلاحظه هنا أن الله يشهد للنفس البشرية. وشهادته صادقة. بعكس شهادات الناس التي قد تكون باطلة.
البعض قد يمدحونك تملقًا، أو رياءًا، أو مجاملةً، أو كذبًا، أو ارضاءًا، أو تشجيعًا، أو لغرض، أو بدافع الحب.
وقد لا يكون المديح صادقًا. أما شهادة الله فصادقة.
السيد المسيح قال: “مجدًا من الناس لست أقبل “ولكنه لم يقبل إلا شهادة الآب. لذلك ما أجمل قول الكتاب عن المعمدان إنه “يكون عظيمًا أمام الله” فالمهم أن يكون الإنسان عظيمًا في نظر الله وليس في نظر الناس.
كل ما نرجوه أن يقول الله لنفس كل واحد منا في اليوم الأخير “ها انتِ جميلة يا حبيبتي” ادخلى إلى فرح سيدك.
كثيرون سيقولون له: “يارب، أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات وعجائب” فيقول لهم “اذهبوا عني يا ملاعين، لا أعرفكم”. شهادتهم عن أنفسهم لم تكن تكفي ولا تنفع.
المهم إذن هو شهادة الرب الذي قال لكل ملاك من ملائكة الكنائس السبع “أنا عارف أعمالك”.
انظروا الى شهادة الرب لملاك كنيسة أفسس “أناعارف أعمالك وتعبك وصبرك… وقد احتملت ولك صبر، وتعبت من أجل اسمي ولم تكل”.
الفريسي لام المرأة التي غسلت قدمي المسيح بدموعها ومسحتها بشعر رأسها، أما الرب فقال لها “ها أنتِ جميلة يا حبيبتي” وقال الرب نفس العبارة للمرأة الكنعانية التي قالت إن الكلاب تأكل من الفتات الساقط من مائدة أسيادها.
بعد أن تكمل النفس أيام غربتها على الأرض. بعد أن تكمل أيام جهادها، يقول لها الرب “ها أنتِ جميلة يا حبيبتي”. وبهذه العبارة تطمئن على مصيرها الأبدي.
ومقياس الجمال عند الرب غير مقاييسه عن الناس…
العروس التي قال عنها الرب إنها جميلة، كانت سوداء. ومع ذلك “سوداء وجميلة”.
كإنسان أنهكه الصوم والنسك، وبدا نحيلًا ضعيفًا، تبكي أمه على ضعفه. ويقول الله لنفسه “ها أنتِ جميلة يا حبيبتي”.
القديسون الذين شوهتهم عذابات الاستشهاد، فقطعوا اعضاءهم، أو فقأوا عيونهم، يراهم الناس مشوهين، بينما يقول الله لنفس كل واحد منهم “ها أنت ِجميلة يا حبيبتي”.
إنسان يعترف بخطاياه، ويقول كلامًا قد يظهر نفسه بشعة يشمئز منها الناس. أما الله فينظر إلى هذه النفس المنسحقة الباكية المذلولة ويقول لها “ها أنتِ جميلة يا حبيبتي”.
النفس التي تلطم على خدها، فتحول الآخر، أو يسخرونها ميلا، فتمشي في السخرة ميلين، قد يراها الناس ذليلة مسكينة مهانة. أما الله فيقول لها “ها أنتِ جميلة يا حبيبتي”.
لاحظوا أن الرب كرر العبارة تأكيدًا لشهادته بجمال النفس.
فقال: “ها أنتِ جميلة يا حبيبتي، ها أنتِ جميلة”. بينما لفظة واحدة من الله تكفي. ولكنه يجد لذة في التحدث عن جمال أبنائه.
كان أيوب مملوءًا بالقروح من قمة رأسه إلى أخمص قدميه. قد اصبحت رائحته كريهة عند امرأته، وهرب منه عبيده وأمائه. وأما الله فكان ينظر هذه النفس الصبورة ويقول لها: “ها أنتِ جميلة يا حبيبتي”.
إن مقاييس الناس في الجمال لا تهمنا. المهم مقاييس الله…
الله ينظر إلى جمال النفس المتواضعة، فيقيم المسكين من التراب، والبائس من المزبلة، ليجلسه مع رؤساء شعبه. ينظر إلى اتضاع أمته..
كما نظر إلى القديسة الهبيلة، التي كانت تتظاهر بإهمال العبادة وبالكسل والتراخي أمام الراهبات. فإذا نمن جميعًا تقوم في منتصف الليل تصلي بحرارة عجيبة.
فكانت الراهبات يلقبنها بالهبيلة، أما الله فيقول لها: “ها أنتِ جميلة يا حبيبتي” وبنفس الوضع كانت القديسة مارينا…
في نظر الناس كانت تعتبر راهبًا زانيًا مطرودًا من الدير، بينما كانت فتاة، وكانت جميلة أمام الله الذي يعرف حقيقتها.
ونفس الوضع ينطبق على يوسف الصديق وهو كمذنب في السجن:
في نظر الناس كان مذنبًا، وفي نظر فوطيفار كان مذنبًا، ولكن الله العارف بحقيقة نفسه البارة، كان يقول لها “ها أنتِ جميلة يا حبيبتي” إذن المهم أن نعرف حكم الله علينا لا حكم الناس…
عيناكِ حمامتان:
الحمامة ترمز للروح القدس، والعينان ترمزان الى الرؤية.
أي أنه لك رؤية روحية، تبصر بالروح القدس. والحمامة عمومًا لها مكانة عجيبة في الكتاب المقدس كما سنرى:
من أجل صفات الحمامة الجميلة، لقبت العذراء بالحمامة الحسنة
يبخر الكاهن على يمين المذبح، حيث توجد ايقونة العذراء، وهو يقول ” السلام لكِ ايتها الحمامة الحسنة”. فما هو حسنها؟
الحمامة من الطيور الطاهرة التي دخلت إلى الفلك، وهي التي هنأت أهل الفلك بإنحسار الماء عن الأرض، ورجوع الخضرة..
وحملت في فمها غصن الزيتون، رمزًا إلى السلام…
فكأن العذراء بهذا الرمز، كانت تمثل السلام الآتي على الأرض، وزوال غضب الطوفان، ورجوع الحياة إلى العالم… وهكذا كانت العذراء بشيرًا بالخلاص الذي يتمتع به العالم…
“عيناكِ حمامتان” كل عين منهما بشرى طيبة، تبشر بالسلام، تبشر بالخلاص، تحمل غصن زيتون لكل أحد. إنها النفس المسالمة.
إنسان خاطئ، كاد أن يحطمه اليأس، يأتي إلى أحد الآباء الروحيين يشرح له يأسه، فيطيب هذا الأب خاطره، ويفتح له نافذة من رجاء، ويحدثه عن محبة الله وغفرانه فينظر هذا الخاطئ إلى الأب الحنون، ويقول له “عيناك حمامتان”.
الحمامة أيضًا ترمز للبساطة “كونوا بسطاء كالحمام…”
العين البسيطة – التي كالحمامة – تمثل البراءة. ولهذا يقول السيد المسيح: “إن كانت عينك بسيطة، فجسدك كله يكون نيرًا”.
عندما خلق الله النفس البشرية، قال لها “ها أنتِ جميلة يا حبيبتي”
كانت طاهرة لا تعرف شرًا ولا خبثًا، ولا تنظر بشهوة، بل تنظر إلى كل شىء في براءة “كل شىء طاهر للطاهرين”…
أما الآن فقد فسدت العين، واصبحت تنظر نظرات أخرى، فقدت بساطتها وبراءتها، وفقدت مشابهتها للحمامة… هناك عيون كلها مكر وكلها رغبة، أو حسد، أو غيرة، أو غضب، أو شهوة…
هناك إنسان عينه كالصقر، مخيفة، لا وداعة فيها… “عيناكِ حمامتان” أي تمثلان الوداعة واللطف والطيبة والود.. تمثلان النفس الجميلة الهادئة البسيطة الروحية الخيرة… محال أن يكون أحد فيكم قد رأى حمامة عابسة متجهمة.!
الحمام أيضًا يهدل دائمًا، فيرمز إلى حياة التسبيح الدائمة، حتى كنا نشبه مساكن الرهبان الدائمي الصلاة، بأبراج الحمام.
لذلك فرح داود وقال إن “الحمامة وجدت لها عشًا، مذابحك أيها الرب إله القوات”… والحمام أيضًا كان يسكن المغارات وشقوق الجبال. فهو بهذا يرمز إلى حياة الوحدة والعبادة، ولهذا قال داود النبي:
“ليت لي جناحًا كالحمامة فأطير وأستريح… وأبعد هاربًا وأسكن في البرية”. فالحمام يرمز للوحدة والعبادة.
والله ينظر إلى كل حمامة في مغارتها أو جحرها ويقول لها “ها أنتِ جميلة يا حبيبتي” والعجيبة أن الحمامة ترمز إلى حياة الجماعة الناجحة كما ترمز إلى حياة الوحدة.
ونجاح الحمامة في حياة المجتمع، ترمز اليه أسراب الحمام.
أسراب الحمام التي تطير متآلفة، متضامنة، في اتجاه واحد. ينظر الله إلى الكنيسة في أسرابها المتآلفة، التي تعمل معًا في محبة وتضامن واتجاه واحد، ويقول لها “ها أنتِ جميلة يا حبيبتي” نقول هذا لئلا يظن أحد أن الحمامة ترمز للمتوحدين فقط…
بل أن الرب قال عن الكنيسة أيضا عبارة جميلة في المزامير وهي:
“كاجنحة حمامة مغشاة بالفضة، ومنكباها بصفرة الذهب”. الحمامة أيضًا ترمز إلى المحرقة وإلى الذبيحة:
كان الفقير يقدم فرخي حمام، أحدهما محرقة لإرضاء قلب الله، والثاني ذبيحة خطية يمثل المغفرة. وكان الرب ينظر إلى هاتين الذبيحتين ويقول للنفس “عيناكِ حمامتان”.
لذلك فإن الرب عندما طهر الهيكل، لم يقلب اقفاص الحمام، كما قلب موائد الصيارفة. وإنما قال “ارفعوا هذه من هنا، ليس من أجل الحمام، وإنما من أجل عملية البيع في الهيكل…
كملخص لما قلناه: يرمز الحمام للبساطة، وللسلام، والوداعة، والتسبيح، والذبيحة، والوحدة، والود في حياة المجتمع، كما يرمز للروح القدس الذي حل كحمامة وقت العماد.
لذلك هناك أشخاص لا يأكلون الحمام أبدًا نظرًا لرموزه وصفاته. ولذلك لم يكن غريبًا في ظهور العذراء في كنيسة الزيتون أن يبصر الناس الحمام يطير بالليل، رمزًا للحمامة الحسنة.
وإن الله عندما يقول للنفس البشريه “عيناكِ حمامتان”، إنما يقصد كل هذه الصفات معًا، وربما غيرها أيضًا.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الثاني والخمسون) 30-12-1977م



