مواقف من القيامة

مواقف من القيامة
ما أكثر المعجزات التي حدثت وقت صلب المسيح: الشمس أظلمت، والأرض تزلزلت والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وحجاب الهيكل انشق…
ولكن هل استفاد الكل من هذه المعجزات؟ كلا. إنما استفادة كل إنسان تكون على قدر استعداد قلبه…
مواقف من القيامة
لما تزلزلت الأرض آمن اللص، ولكن لم يؤمن الكهنة ورؤساؤهم. ولما خرج الدم والماء من جنب المسيح، آمن قائد المائة وجنوده، ولم يؤمن قادة الشعب.
إن المسألة لا تتعلق بالمعجزة ومدى قوتها، بل تتعلق بالأكثر بمدى استعداد قلب الإنسان من الداخل ورغبته في الاستفادة.
في معجزة منح البصر للمولود أعمى، آمن الرجل، ولم يؤمن الفريسيون مع أن المعجزة واضحة القوة. بل ثاروا على الرجل لما دافع عن المسيح الذي شفاه، وأخرجوه خارج المجمع ( يوحنا 9 : 34 ). وهكذا لما شفى المسيح صاحب اليد اليابسة، رفضوا أن يستفيدوا من المعجزة بسبب أن الرب شفاه في يوم السبت… إن هذا كله يذكرنا بمثل الزارع الذي شرحه الرب…
لقد كان نمو الزرع يتوقف قبل كل شيء على حالة الأرض: هل هي محجرة، أم جيدة، أم بها شوك… الزارع هو نفس الزارع، والبذار هي نفس البذار. ولكن الأرض التي تتقبل البذار من الزارع تختلف في مدى جودتها وتقبلها للزرع الإلهي…
وهكذا حدث في قصة القيامة، وفي قصة الصلب. المعجزات موجودة ولكن الناس يختلفون. منهم من استفادوا، ومنهم من لم يستفيدوا…
بذار على أرض محجرة (على صخر)
إن رؤساء الكهنة وقادة الشعب اليهودي شاهدوا الشمس قد أظلمت في وقت الظهر، وقت صلب المسيح. ومع ذلك لم يستفيدوا. لأن قلوبهم كانت أشد ظلمة من الظلمة التي على وجه الأرض.
بل إنه بعد هذه المعجزات التي آمن بسببها اللص اليمين وقائد المائة، ذهبوا إلى بيلاطس يقولون له عن المسيح: “يا سيد. قد تذكرنا أن ذلك المضل قال وهو حي إني بعد ثلاثة أيام أقوم. فمر بضبط القبر إلى اليوم الثالث، لئلا يأتي تلاميذه ويسرقوه، ويقولون للشعب أنه قام من الأموات. فتكون الضلالة الأخيرة أشر من الأولى” ( متى 27 : 62–64 ).
وهكذا أخذوا معهم جندًا، ومضوا وضبطوا القبر بالحراس وختموا القبر. ولم يبالوا أن يفعلوا كل ذلك في يوم سبت، وهم الذين قالوا إن المسيح خاطئ، لأنه شفى المرضى في يوم سبت.
طالما تحمسوا للسبت، وعادوا المسيح بسببه. بل إنهم طلبوا كسر المصلوبين وانزالهم، فلا تبقى الأجساد على الصليب لئلا تنجس السبت… حماس عجيب من أجل السبت!
ومع ذلك يأخذون معهم جنودًا في ليلة السبت، ويختمون القبر في ليلة السبت، ويقيمون الحراس لحراسة القبر في السبت… ولا يكون في كل ذلك خطية!!
وكأنهم قالوا في قلوبهم إذا ختموا القبر في السبت “ها قد كسرنا السبت، لكي نكسر كاسر السبت”!! أما المسيح فإنه- بينما كانوا يختمون قبره- كان قد أفرج عن المفديين من الجحيم، وفك أختام الفردوس المغلق، وأدخل فيه الراقدين على رجاء…
ما أسهل على الناس أن يلعبوا بضمائرهم كما يشاءون.
هناك أشخاص ضمائرهم مكورة تتدحرج على أي وجه، أينما انزلقت رست واستقرت! وقد كان رؤساء اليهود من ذلك النوع.
ولكن هذا الذي فعلوه كان ضدهم لا لهم، فلو لم يختموا القبر بأنفسهم، ويقيموا الحراس من قبلهم، لكان بإمكانهم أن يحتجوا فيما بعد ويقولوا إن التلاميذ قد سرقوا الجسد. أما الآن وقد ضبطوا القبر بالحراس وختموه، فماذا يقولون والقبر فارغ وقد قام المسيح بمجد عظيم، وخرج من القبر المختوم، كما خرج في ولادته من بطن العذراء وبتوليتها مختومة…
وبعد قيامة المسيح حدثت زلزلة عظيمة “لأن ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر عن الباب وجلس عليه. وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج. فمن خوفه ارتعد الحراس وصاروا كأموات” ( متى 27 : 2–4 ).
فهل استفاد الحراس من هذه المعجزة العظيمة؟ وهل استفاد منها رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب؟ كلا، لقد كانت البذار المقدسة قد وقعت على أرض حجرية… صدق أبونا إبراهيم عندما قال: “ولا إن قام واحد من الموتى يصدقون” ( لوقا 16 : 31 ).
إن كان يلتمس عذر للجند الأمميين الذين لا يعلمون شيئًا عن المسيا ومجده، فماذا عن الكهنة معلمي الناموس، المفروض فيهم أن يكونوا حريصين على وصايا الرب وتنفيذها.
إنهم لما سمعوا بالقيامة من الجند، أعطوهم رشوة، ووضعوا كلام كذب في أفواههم. وقالوا لهم: “قولوا إن تلاميذه أتوا ليلًا وسرقوه ونحن نيام. وإذا سمع ذلك عند الوالي فنحن نستعطفه ونجعلكم مطمئنين. فأخذوا الفضة وفعلوا كما علموهم. فشاع ذلك القول” ( متى 28 : 11–15 ).
وهكذا لم يستفيدوا من معجزة القيامة، بل زادوا شرًا.
كذبوا وعلموا غيرهم الكذب. ولم يكن كذبًا متقنًا. أوعزوا إليهم أن يقولوا إن تلاميذه سرقوه ونحن نيام!! فإن كنتم نيامًا، فكيف عرفتم في نومكم أن تلاميذه أخذوه؟! صحيح إن حبل الكذب قصير… ولكنهم لم يكتفوا بالكذب، بل ألصقوا تهمة بغيرهم زورًا وبهتانًا، إذ ألصقوا السرقة بالتلاميذ. ودفعوا رشوة ليغطوا عملهم. وأساءا إلى سمعة الجند. وخدعوا الوالي. وأضلوا الشعب كله، الشعب المخدوع فيهم…
وفي كل ذلك الضلال وصفوا المسيح بأنه مضل. وكأنهم يقولون عنه لبيلاطس: أنقذ الناس من هذا المضل، لكي ما نضلهم نحن!!
إن بذار معجزة القيامة، إذ وقعت في قلوب أولئك القادة، إنما وقعت على أرض محجرة، فلم تؤثر فيهم. كان تفكيرهم في الحفاظ على مناصبهم يطغي على التفكير في أبديتهم.
وفي هؤلاء نرى كيف ينحدر الإنسان من خطية إلى خطية، في سلسلة طويلة من الخطايا إلى غير نهاية…
مبدأ خطاياهم هو محبة المجد الباطل.
وهذه المحبة قادتهم إلى الحسد، فحسدوا المسيح إذ كانوا يريدون أن يكونوا وحدهم في الصورة دون أن يقف إلى جوارهم أحد، فكيف بالأكثر هذا الناصري الذي غطى على شهرتهم وكشف رياءهم.
وخطية الحسد قادتهم إلى التآمر، والتآمر قادهم إلى شهادة الزور في محاكمة المسيح. وهذا كله قادهم إلى القسوة في صلبه. وإلى تضليل الشعب كله. وموقفهم الخاطئ هذا قادهم إلى الخوف. والخوف قادهم إلى ضبط القبر وختمه، مع كسر السبت، واشراك الناس في هذا الكسر وخطيتهم هذه- إذ فضحتها القيامة- قادتهم إلى الرشوة والكذب والتحريض على الكذب وتضليل الناس وعدم الإيمان.
وإذ أردوا بكل هذا أن يكبروا في أعين أنفسهم وأعين الناس، أضاعوا أنفسهم ولم يستفيدوا لا سماء ولا أرض…
إنهم أرض محجرة… خطية يلفها الخوف… كانوا يخافون المسيح حتى بعد موته… كانوا يخافون قيامته لأنها تهدم كل ما فعلوه… كانوا يشعرون أن المسيح على الرغم من قتلهم له، ما يزال له عمل…
إن القاتل يخاف من شبح القتيل ومن صورته…
وصدق علماء النفس عندما قالوا إن القاتل يحوم دومًا حول مكان الجريمة… وهؤلاء أيضًا جعلوا يحومون حول مكان جريمتهم.
تلاميذ المسيح نسوا قوله إنه سيقوم في اليوم الثالث أما أولئك الكهنة والشيوخ الخائفون من المسيح فلم ينسوا.
قالوا لبيلاطس: تذكرنا أن ذلك المضل قد قال إني بعد ثلاثة أيام أقوم… عجيب أنهم تذكروا هذه العبارة، ولم يتذكروا قوله: “أنا والآب واحد” ( يوحنا 10 : 30 )، ولم يتذكروا أنه عمل أعمالًا لم يعملها أحد من قبل… لم يتذكروا إقامته للعازر بعد موته بأربعة أيام، ولم يتذكروا منحه البصر للمولود أعمى… تذكروا قيامته، لأن فكرة القيامة كانت تقلق أفكارهم وتزعجهم… فارتكبوا ما ارتكبوه لكي ما يتخلصوا منها.
إنهم عينة تعطينا فكرة عن البذار التي وقعت على الأرض المحجرة. وهناك عينات أخرى من الأرض…
هناك بذار وقعت على أرض فنبتت ثم خنقها الشوك، أبرز مثل لها في حوادث القيامة هو مريم المجدلية.
أما عن تأثير القيامة في نفوس تلاميذ المسيح، فكان يشبه البذار التي أكلها الطير. والطير بالنسبة إلى التلاميذ هو شيطان الشك الذي خطف إيمانهم وطار. كيف حدث ذلك؟ وكيف حولهم المسيح إلى جيدة تنبت مائة؟ وكيف رد الإيمان إلى قلوبهم وقلب المجدلية. هذا ما سنشرحه الآن…
بذار خطفها الطير:
كم كان أقسى على قلب الرب أن يحدث ما حدث…
حتى تلاميذه الأحد عشر شكوا في قيامته، ولم يصدقوا…
ولكنه لم يقابل هذا الشك باللوم، وإنما بكل حب احتضن ضعفهم، وعالج شكهم بالإقناع…
ذهبت إليهم مريم المجدلية وأخبرتهم بقيامة الرب “فلما سمع أولئك أنه حي وقد نظرته لم يصدقوا” ( مرقس 16 : 11 ).
ولما رجع النسوة من القبر، واخبرتهم بقيامة الرب “تراءى كلامهن لهم كالهذيان ولم يصدقوهن” ( لوقا 24 : 11 ).
ولما ظهر الرب لتلميذي عمواس “ذهب هذان وأخبرا الباقين، فلم يصدقوا ولا هذين” ( مرقس 16 : 13 ).
وحتى عندما ظهر لهم الرب بنفسه، لم يصدقوا أنه قام بل “جزعوا وخافوا وظنوا أنهم نظروا روحًا” ( لوقا 24 : 37 ).
كانت بذار الإيمان التي ألقاها الرب في أرضهم، قد اختطفها شيطان الشك وطار بها. فاضطر الرب أن يتنازل إلى ضعفهم ليقنعهم بقيامته.
هكذا تصرف مع تلميذي عمواس البطيئين في فهمهما، إذ “ابتدأ من موسى، ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب” ( لوقا 24 : 27 ) … وظل بهما حتى “انفتحت أعينهما وعرفاه”، وذهبا فقالا للأحد عشر.
وهؤلاء الأحد عشر أيضًا تنازل الرب إلى ضعفهم. وقال لهم: “ما بالكم مضطربين؟ ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم. أنظروا يدي ورجلي، إني أنا هو. جسوني وأنظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي” ([ لوقا 24 : 38–39 ). وإذ بالرب الذي قام بجسد ممجد، يتنازل لإقناعهم فيقول لهم: “أعندكم ههنا طعام؟”.
فقدموا له جزءًا من سمك مشوي وشيئًا من شهد العسل. “فأخذ وأكل قدامهم” ( لوقا 24 : 43 ). ولما كان توما غائبًا، ظهر له الرب خصيصًا ليعالج شكه ويقنعه…
وظل الرب بهم حتى آمنوا، وتثبتوا. واستمر يريهم نفسه حيًا ببراهين كثيرة ( أعمال الرسل 1 : 3 ). ولم يتركهم. مكث معهم أربعين يومًا، يظهر لهم، ويحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله”. وطرد عنهم الطير الذي يخطف بذارهم. وحولهم إلى أرض جيدة، تنبت ليس ثلاثين فقط أو ستين بل مائة. صار الإيمان فيهم شجرة كبيرة مثمرة بكل نوع ثمر صالح.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الثامن عشر) 30-4-1976م




