لماذا اختارهم الرب …؟

لماذا اختارهم الرب …؟
نلاحظ في قصة الميلاد أن البشرى وصلت لبعض الرعاة، وأيضًا للمجوس. ولعل البعض يسأل: لماذا هؤلاء بالذات، من سائر الناس؟
وهذا السؤال يقودنا إلى موضوع الاختيار…
لماذا اختار الله بعض الناس دون غيرهم؟ ماهى الأسباب العقيدية والروحية التي تكمن وراء هذا الاختيار؟
لماذا اختارهم الرب …؟
لماذا اختار الرب هؤلاء المجوس، دون غيرهم؟ ولماذا عندما مر على البحيرة واختار من الصيادين بطرس واندراوس بالذات؟ ولماذا قال إن نساءً كثيرات كن في إسرائيل، ولم يرسل إيليا إلا إلى أرملة صرفه صيدا… في الواقع لكي نجيب على هذه الأسئلة، لا بد أن نضع أمامنا قول بولس الرسول:
“الذين سبق فعرفهم، سبق فعينهم… والذين سبق فعينهم، فهؤلاء دعاهم أيضًا” (رو8: 29، 30)
الله بسابق علمه، كان يعرف ماذا سيكون هؤلاء، ماذا سيعملون، بكامل حريتهم واخيتارهم… ولهذا عينهم ودعاهم…
غير إنني عندما أحدثكم عن مختاري الرب فلابد أن أوضح:
انني لا أقصد في الإختيار نوع العمل وإنما عمقه…
لست اقصد الذين اختارهم الرب لمناصب كبيرة كالرسل والأنبياء وكبار الرعاة، وإنما الذين اختارهم فقدموا مثاليات حسب قلبه…
إن التاريخ حافل بأشخاص، كانت مناصبهم ضئيلة، ومع ذلك كانوا أكثر عمقًا عند الله من الجالسين في الصفوف الأولى..
+ خذوا مثلًا لذلك سمعان الدباغ (أو الخراز)، الذي عاش في زمن البابا إبرام بن زرعه. واختاره الله دون سائر أصحاب المناصب، لكي تتم على يديه معجزة نقل جبل المقطم…
مثال آخر وهو القديس الأنبا رويس، الذي لم يكن من رجال الأكليروس جملة، ولم يكن راهبًا أيضًا. كان مجرد جمال. ومع ذلك اختاره الرب في وضع روحي أعظم من رؤساء الكهنة في أيامه.
مثال ثالث هو القديس الأنبا ابرآم أسقف الفيوم كان مجرد أسقف. ولكن مكانته الروحية، وصلته الخاصة بالله، كانت أعمق من كثيرين من رؤساء الأساقفة.
لذلك قلت لكم إن المهم هو عمق العمل، وليس نوعه…
إن اختيارالرب لسمعان الخراز، وللأنبا رويس، وللأنبا ابرآم، لم يكن اختيارًا لرئاسات وإنما لأعماق روحية في الحياة، هي ولا شك مفتوحة لكل أحد… إن أراد…
ليس المهم إذن هو وظيفة الشخص، كبيرة أو صغيرة… وليس مسئولياته خطيرة أو ضئيلة… إنما المهم هو العمق… عمق الحياة، وعمق الرسالة، وعمق الصلة بالله، سواء نال الشخص درجة عليا أو لم ينل.
ولهذا نرى أن هناك أطفالًا قد اختارهم الرب، سبق فعرفهم…في الواقع أن الله يمنح الفرصة لكل أحد، كما في مثل الزارع الذي ألقى البذار على الأرض المحجرة، وعلى الأرض المملوءة بالأشواك، كما ألقاه على الأرض الجيدة… إنه “الداعى الكل إلى الخلاص، من أجل الموعد بالخيرات المنتظرة”.
غير أن البعض تلقفوا الفرصة والدعوة، بعمق، وأخذوها بجدية، وبحرارة روحية. فعمل فيهم الرب أكثر من غيرهم، لأنهم استسلموا لعمله في رضى وتجاوب. هؤلاء سبق فعرفهم، فدعاهم أيضًا…
سبق المعرفة عند الله، نرى له أمثلة عجيبة جدا:
منها إرميا النبي، الذي قال له الرب “قبلما صورتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبيًا للشعوب” (أر1: 5) … لقد عرفه الرب قبل أن يولد.
نفس الوضع قيل عن أبينا يعقوب: قال الرب لرفقة أمه “في بطنك أُمتان، ومن أحشائك يفترق شعبان. شعب يقوى على شعب وكبير يستعبد لصغير” (تك 25: 23). لقداختار الله هذا الصغير، وهو بعد في بطن أمه.
نفس الكلام يمكن أن يقال عن يوحنا المعمدان، الذي قيل عنه “ومن بطن أمه يمتلىء من الروح القدس” (لو1: 15).
ولعلنا نتساءل: كيف اختار الله هؤلاء من بطون أُمهاتهم؟ والجواب هو “الذين سبق فعرفهم، سبق فعينهم “.
الله كان يعلم قلب هؤلاء، كيف سيسلك، قبل أن يولدوا…
وبالنسبة إليك أنت، قدم قلبك لله، في منتهى الحب، في منتهى العمق، وبكامل الإرادة والله فاحص القلوب والكلى، يعرف ماذا يعمل بك ولأي عمل يختارك…
لا تحتج ولا تقل للرب “لو ملأتني من الروح القدس كيوحنا، لرأيت مني عجبًا” إن كثيرين بدءوا بالروح، وكملوا بالجسد. كان نيقولاوس أحد الشمامسة السبع المملوئين من الروح القدس، وأخيرًا صار صاحب بدعة…
اسلك إذن بأمانة كاملة في كل عمل يختاره الرب لك، أو يختارك له. وحينئذ ستسمع قول الرب:
“كنت أمينًا في القليل. فسأقيمك على الكثير”.
أساس الاختيار إذن هو الأمانة في العمل، مهما كان ضئيلًا.
بطل الرواية، قد لايكون ملكًا أو إمبراطورًا أو قائدًا. ربما يكون خادمًا أو موظفًا بسيطًا، ولكنه أتقن دوره جدًا، لذلك يختارونه لبطولات في روايات أخرى، إذ كان أمينًا في عمله.
إن البعض يتشبث أحيانًا بالقيادات، وبالمتكئات الأولى، ويعتبرها الدليل على اختيار الله له. ويبدو لهذا الشخص أن أمانته لا تظهر إلا في تلك المسئوليات الخطيرة… بينما يقول مار اسحق:
“الذي لا يكون رحيمًا وهويملك درهمًا… كاذب هو إن قال إنه سيكون رحيمًا حينما يملك ألف دينار”
كن إذن أمينًا في القليل الذي معك، وبهذا تؤهل لاختيار الله لك وإقامتك على الكثير… إن القديس أولوجيوس الحجار، كان مثالًا عجيبًا للكرم، وهو في فقره. فشهد له الأنبا دانيال.
إن الله يريد من الإنسان عمق العمل، وليس نوعه، وليس كميته. ومن أجل هذا العمق وحده يختاره…
لما رأى الله أن الأنبا ابرآم عميقًا جدًا في عمل الرحمة، وله القلب المملوء حنوًا على الفقراء والمحتاجين، أكمل له عمل الرحمة، بأن منحه موهبة الشفاء لتكون مجالًا متسعًا لرحمته. وهكذا إذ وجده أمينًا في القليل، أقامه على الكثير.
ثم إن الله – في اختياره – وقد لا يختار الشخص فقط لعمل الرئاسة والرعاية، إنما قد يختاره لمجرد القدوة والأمثولة.
القديس الأنبا أنطونيوس الكبير، اختاره الرب. ولم يذكر عنه التاريخ إنه نال أية درجة كهنوتية. ولكن الرب أراده أن يكون مثالًا لحياة النسك، وأبًا لهذا الطريق الذي نجرؤ أن نقول إن الأنبا أنطونيوس، كان أقل من أصحاب الدرجات في جيله أو في باقي الأجيال؟! كلا، بلا شك.
إذن فإن الله يعرف العمل الذي يختارك له. موقفك هو أن تمهد قلبك لاختيار الله، وأن تكون أمينًا في القليل الذي يقيمك عليه، حتى يقيمك على الكثير. وإن لم يقمك على الكثير من جهة النوع، فإنه سيقيمك على الكثير من جهة العمق.
أن أول عمل ينبغي أن يكون الإنسان أمينًا فيه، هو نفسه. والذي لا يكون أمينًا من جهة نفسه، روحياته وأبديته، كيف يمكن أن يكون أمينًا على نفوس الآخرين؟!
لا تظنوا أن الذين سيدخلون التاريخ، هم فقط قائد المائة أو قائد الألف، أو قادة الشعوب… فإن الله قد اختار أشخاصًا، كان كل عملهم هو إنهم أحسنوا قيادة أنفسهم.
مثال ذلك الآباء القديسون السواح. لقد اختارهم الرب لعمل عظيم، هو إهتمام كل منهم بنفسه، حتى ارتفع إلى مستوى روحي صار فيه مثالًا حيًا لأجيال، وانموذجًا لنوع حياة…
وقد يختار الله أشخاصًا، لكي يكونوا أمناء في نقطة معينة، يقدمونها للبشرية. اختار ابراهيم ليكون أمينًا في الطاعة، طاعة الإيمان، وفي أيامه لم تكن له أية وظيفة في المجتمع. واختار يوسف لكي يقدم مثالًا للعفة. واختار الشهداء ليقدموا مثالًا لحب الله وللشجاعة.
ما أكثر الأشخاص الذين اختارهم الرب، لا للقيادة، وإنما للأمثولة، ليكونوا قدوة ولو في نقطة واحدة… وهذا يكفي.
وهناك أشخاص اختارهم الرب، ولكن الناس لا يعرفونهم.
إنهم معروفون عند الله جدًا، ولكنهم غير معروفين عند الناس. ولكن هذا لا يمنع إنهم من المختارين. مثال ذلك أن القديس مقاريوس الكبير، عندما حورب بفكر كبرياء، أرسله الله إلى امرأتين متزوجتين في الإسكندرية، وأخبره إنهما في نفس درجته الروحية! من يعرف هاتين المرأتين؟! لا أحد… وما مركزهما في التاريخ؟ لا شيء… ولكن الله يعرفهما جيدًا…
إن الله لا يهمه وضعك الخارجي، منصبك، مسئولياتك، شهرتك، فكرة الناس أو التاريخ عنك، إنما يهمه قبل كل شيء عمقك. وهذا العمق هو أساس اختيارك.
لهذا ينبغي أن تتغير نظرتك إلى الاختيار.
ليس الاختيار أن يختارك الرب لرسالة معينة، بقدر ما يختارك الله لشخصك. اختيار الله لك، لا يقاس بالمسئوليات التي يعهدها إليك، وإنما بالحب الذي يهبه لك، وبفكرته عنك…
إن الله لا ينظر لا إلى العمل، وإنما إلى الروح والعمق والأمانة التي يعمل بها. وقد تكون أمينًا في عملك، وتظن إنه لم يقمك على الكثير… وتنظر ولا ترى شيئًا، لماذا…
لأنه لا ينبغي أن تكون أمينًا، لكي تصل إلى غرض، وإنما لأن الأمانة جزء من طبعك وطبيعتك، لا تستطيع أن تحيد عنه، حتى إن لم تنل شيئًا. معتقدًا إن الكثير الذي يقيمك الرب عليه هو التمتع به في الأبدية التي لا تنتهي.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الثاني والخمسون) 24-12-1976م




