يطلب ما قد هلك

يطلب ما قد هلك
نحن الآن في صوم الميلاد، نستعد بالصوم لكي نعيد لميلاد المسيح له المجد. ونريد أن نتأمل في هذا الميلاد العجيب، ونرى لماذا تجسد الرب. وسنرى أن الإجابة على هذا السؤال هي قول الكتاب:
هكذا أحب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد…
وأيضًا أن المسيح “جاء ليخلص، ويطلب ما قد هلك”
يطلب ما قد هلك
إن قصة ميلاد المسيح وفدائه للبشرية، إن هي إلا قصة حب.
هكذا أحب، حتى بذل. أحب العالم، فأخلى ذاته، وأخذ شكل العبد، وصار في الهيئة كإنسان، وصلب عنا…
ولكن من هؤلاء الذين أحبهم الرب وفداهم؟ لو قيل إن الرب أحب الخير والخيرين، أو أحب الملائكة القديسين، لكان الأمر سهلًا علينا… أما أن يحب العالم الخاطئ، فهذا عجيب…
عجيب بالنسبة إلينا أن يحب الله هذا العالم الخاطئ، ويموت عنه. ولكن ليس الأمر عجيبًا بالنسبة إليه هو…
لقد أحب الله هذا العالم الضعيف، العالم المغلوب من الخطية، المقهور من الشيطان، الذي لا يفكر في الخلاص، ولا يسعى إليه، هذا العالم الذي جرفته الخطية، وانقلبت أمامه جميع المفاهيم، وأصبح لا يعرف الله، ولا يعرف البر. وقال هذا العالم الجاهل في قلبه ليس إله.. وغرق في الوثنية وفي الفساد… رأى الله هذا العالم الضائع: فبدلًا من أن يدينه، أحبه ليخلصه… حقًا ما أجملها عبارة قالها السيد المسيح:
“ابن الإنسان لم يأت ليدين العالم، بل ليخلص العالم”.
وهكذا ولد المسيح، لا لكي يدين العالم الخاطئ، بل ليحمل عنه الدينونة. لا لكي يحكم عليه بالموت، بل ليموت عنه… هكذا أحب الله العالم، وإذا بقصة ميلاده قصة حب…
يصعب على العقلانيين أن يفهموا كيف يخلي الله ذاته في ميلاده. ولكن السر يكمن في أن محبة الله مملوءة بالاتضاع…
إن الكبرياء أصعب ما يحارب الحب. كم من أزواج فقدوا محبتهم بسبب الكرامة، وكم من أصدقاء فقدوا محبتهم بسبب الكبرياء. أما محبة الله الكاملة، فهي مملوءة بالاتضاع الكامل. ولذلك فإن الله في محبته للبشرية، كان سهلًا عليه أن يخلي ذاته، وأن يولد في مذود، وأن يقبل الإهانة من عبيده، فبذل ظهره للسياط، وخداه لم يمنعهما عن خزي البصاق…
ولعل سائلًا يقول: ولماذا لم يخلص العالم منذ بدء سقوطه؟
فنقول: ما كنا نشعر حينئذ بعمق محبته، وبعمق هذا الخلاص.
أما وقد انتظر الرب ملء الزمان، فقد عرفنا تمامًا كيف أن الخطية خاطئة جدًا، ورأينا كيف انحدر الإنسان وتدهور، وكيف تقلب في الفساد، وحفر لنفسه آبارًا مشققة لا تضبط ماءًا، وكيف ابتعد عن الله، وهكذا رأينا فساد الإنسان في قصة الطوفان، وفي قصة سدوم، وفي قصة العجل الذهبي…
ووسط هذا الضياع، ظهرت محبة الله، وهكذا أحب الله العالم…جاء الله إلى العالم حينما أظلمت الأرض جدًا، وضاع الخير من العالم، وكاد أن ينتهي العالم “لولا أن الرب أبقى لنا بقية”. وبعد أن وعد الله في قصة سدوم أن يعفو عن المدينة إن وجد فيها عشرة أبرار، نراه في أيام إرميا النبي يقول: “طوفوا في شوارع أورشليم، وانظروا واعرفوا وفتشوا في ساحاتها، هل تجدون إنسانًا، أو يوجد عامل بالعدل طالب الحق، فأصفح عنها” (أر5: 1).
هكذا وصل الانهيار الروحي، إنه لم يوجد إنسان واحد بار!
إن العالم يقف أمام الله قائلًا: أنا يا رب خاطئ محكوم عليه بالموت، وأنا عاجز عن إنقاذ نفسي من الموت، وعاجز عن إنقاذ نفسي من الخطية، فماذا أفعل “الشر الذي لست أريده، إياه أفعل”. بل أحيانًا لا أريد الخير”.
ألم يقل الكتاب عن العالم، إنه: “أحب الظلمة أكثر من النور، لأن أعماله كانت شريرة”. كيف يتوب مثل هذا؟!
يتوب الشخص الذي يترك الخطية ولا يريدها، أما الذي يحب الخطية، فكيف يتوب؟! إنه لا يريد أن يغير حياته…
هذا العالم الضائع، الذي لا يطلب الخلاص، ولا يطلب التوبة، ولا يطلب المغفرة، ولا يطلب الحياة الجديدة النقية، هذا العالم الذي أحب الظلمة أكثر من النور، أتى إليه الرب لكي ينقذه…
ينقذه لا من الموت فقط، ولا من الخطية فقط، إنما ينقذه أيضًا من نفسه، من رغباته التي تحب الظلمة…
ويقول الكتاب عن الرب إنه: “جاء إلى خاصته، وخاصته لم تقبله” وهكذا قال: “رفضوني أنا الحبيب مثل الميت المرذول”.
ومع ذلك أصر السيد المسيح أن يخلص حتى هؤلاء الذين رفضوه إنه أصر أن يتمم الخلاص بأي ثمن…حقًا، عجيب أن يأتي شخص لينقذك، وأنت ترفضه. ومع ذلك يصر على إنقاذك. هكذا حدث للرب مع السامرة، أتى لإنقاذها، فأغلقت أبوابها في وجهه، حتى طلب يوحنا ويعقوب أن تنزل نار من السماء فتحرق المدينة. فلم يشأ الرب… وظل على حبه للسامرة إلى أن أتى اليوم الذي خلصها فيه…
تقوله: “يا رب إنهم طردوك، وأغلقوا أبوابهم في وجهك، ولا يريدون أن يخلصوا”.. يقول لك ولو! الذي يرفض الخلاص اليوم، يمكن أن يطلبه غدًا. لقد جئت أطلب وأخلص ما قد هلك.
جئت لأخلص هؤلاء الهالكين العاجزين عن تخليص أنفسهم. قصبة مرضوضة لا أقصف، وفتيلة مدخنة لا أطفئ…
العالم كله أيام المسيح كان قصبة مرضوضة، وكان فتيلة مدخنة… والرب يقول: لا تظنوا أنني سأترك العالم عندما يهلك ويفسد…
أنا لا أياس من أحد، ولا أفشل في تخليص أحد…
هكذا أحب الله العالم الضائع، أحب العالم الذي قال: أصلبه أصلبه، الذي فضل عليه باراباس، ولفق حوله تهمًا باطلة…
أحبهم، وهو مصلوب منهم، وقال للآب: “يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون”. أليس الفداء قصة حب…
لا ننكر أن بعض الناس قد هلكوا. ولكن حتى هؤلاء، قد بذل الرب في محبته لهم، أقصى ما يمكن بذله…
إن محبة الله التي شملت العاجزين عن تخليص أنفسهم، تذكرنا بشفاء الرب للرجل المفلوج الذي ليست لديه القوة التي يصل بها إلى الرب، وبالرجل الذي ظل مريضًا عشرات السنوات، ليس له إنسان يلقيه في البركة…
كم من ضائع لم يستطع أن يصل إلى الرب، فوصل الرب إليه. مثال ذلك الخروف الضال والدرهم المفقود.
إن قصة الخلاص ترينا محبة الله في نقطة أخرى، وهي إن الله هو الذي سعى لخلاصنا، وليس نحن.
في وقت من الأوقات لم تكن تنتظره البشرية إطلاقًا، ولم تكن تعرفه البشرية إطلاقًا، في وقت لم تسع فيه البشرية إلى الله… في ذلك الوقت ولد المسيح…
جاء الرب إلى العالم، في ميعاد رتبه هو، في لقاء مع البشرية اختاره هو. هو الذي اختار الزمان والمكان والطريقة.
هو الذي أحبنا، وأخلى ذاته لأجلنا، وحل بيننا، وخلصنا.
جاء يطلب المرضى الذين يحتاجون إلى طبيب، والخطأة الذين يحتاجون إلى توبة. جاء يجلس مع العشارين، ويجول يطلب ما قد هلك…
إن قصة الميلاد هي قصة عزاء للنفوس التي تبدو بلا رجاء وبلا إيمان، النفوس التي بلا قدرة وبلا رغبة.
وإن عبارة “بلا قدرة” تبدو أسهل كثيرًا من عبارة “بلا رغبة” وقد ولد المسيح ليخلص هؤلاء وأولئك، جاء يطلب ما قد هلك… قل له: اعتبرني يا رب ضمن ما قد هلك…
إن المنسحقين قبلهم الرب، وغير المنسحقين قادهم إلى الانسحاق.
قيل عن أصحاب أيوب الثلاثة: “فكف هؤلاء الرجال الثلاثة عن مجاوبة أيوب، لكونه بارًا في عيني نفسه” (أي32: 1). أما الله فلم يكف، بل ظل يسعى لخلاص أيوب، حتى قال: “ها أنا حقير، فماذا أجاوبك. وضعت يدي على فمي” “لذلك أرفض، وأندم في التراب والرماد” (أي40: 4، 42: 6).
ظهر حب الله لنا- في قصة الميلاد- من جهة أنه أعاد لنا الصورة الإلهية التي فقدناها بالخطية…أعاد إلينا صورة البار الذي بلا خطية وحده، الذي شابهنا في كل شيء ما عدا الخطية… قدم لنا الصورة المثالية. ولم يقدمها لنا فقط، وإنما أخذ طبيعتنا وقدسها فيه. أخذ هذا الجسد، وقدسه بحلوله.
أخذ الطبيعة البشرية، واتحد بها، وصار مجربًا في كل شيء مثلنا بلا خطية. وأعطانا الصورة والنموذج والمثال. حتى كما سلك هو، نسلك نحن أيضًا.
وبهذا عاش الله معنا في حياة الشركة. في بدء قصة الخلق أشركنا معه في صورته ومثاله فخلقنا كشبهه. وفي التجسد اشترك هو معنا في طبيعتنا.
هكذا أحب الله العالم: قدم له الحياة، وقدم له المثال، وقدم له القوة التي يحارب بها، عندما أرسل إلينا الروح القدس، وقال: “ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم”.
أحب الله العالم، محبة عملية. إنها المحبة التي تبذل وتعطي، والتي تتواضع وتأخذ شكل العبد. المحبة التي تجول وتصنع خيرًا، مع كل أحد، وفي كل موضع.
هكذا أحب الله العالم، له المجد الدائم إلى الأبد أمين.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الخمسون) 10-12-1976م




