لسنا بمفردنا، بل الله يعمل معنا

لسنا بمفردنا، بل الله يعمل معنا
تكلمنا في العدد الماضي عن الله العامل مع الضعفاء. ونود أن نذكر اليوم، أن الله يعمل باستمرار. يعمل فينا، ويعمل من أجلنا. يعمل من أجل خلاص كل نفس. يعمل في الفرد، وفي الكنيسة، وفي المجتمع، وفي الأبدية. وإذ هو يعمل معنا، فإننا:
لسنا بمفردنا، بل الله يعمل معنا
لما خلقنا الله، لم يتركنا بمفردنا، بل ظل يعمل معنا. لذلك يخطئ من يظن أنه وحيد في هذا العالم.
شعورك أنك واقف وحدك، يجلب لك ألوانًا من التعب، ومن الضيق، ومن اليأس، ومن الخوف. أما شعورك بأن يد الله تعمل معك باستمرار، فإنه يهبك الشجاعة
والقوة، والرجاء والأمل.
وإذ تشعر أن الله يعمل معك، تثق أنك تستطيع أن تصل إليه وإلى أعماقه، به. فهو الهدف، وهو الطريق.
أما إن شعرت بأنك وحدك، فقد تخاف، وتحسب الطريق الروحي طويلًا وصعبًا، وأنك لست بقادر أن تكمل سيرك فيه.
يقول الرب: “أبى يعمل حتى الآن، وأنا أيضًا أعمل”
إنه يعمل باستمرار. هو الزارع الذي خرج ليزرع، وألقى بذاره في كل مكان، حتى على الأرض المحجرة، والأرض المملؤة شوكًا… في كل نفس، وفي كل طبع من الطباع…
والله أيضًا يعد لنا مكانًا… يا لها من عبارة معزية…
قال: “أنا ماض لأعد لكم مكانًا… وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا، آتي أيضًا وآخذكم إليّ، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا”.
إذن لست أنت الذي تعد المكان لنفسك. بل الله يعده.
بل إنه قال: “وأنا إن ارتفعت، أجذب إليّ الجميع”. وما دام الله هو الذي يجذب الناس إليه، إذن فهو يعمل فيهم ومن أجلهم…
أما إن شعرت أنك وحدك، فسترى أن الحمل ثقيل عليك، وأنك متعب في طريقك الروحي. حينئذ استمع إلى قول الرب:
“تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم”.
هو الذي يريحك. تلقي على الرب همك وهو يعولك. تترك له أمورك وهو يجرى. هو يتصرف. أنت في التفكير، وهو في التدبير… قل إذن كما قال السيد:
“… وأنا لست وحدي، لأن الآب معي”…
هو معك كل الأيام وإلى انقضاء الدهر… ليس فقط بروحه، ولكن بعمله أيضًا… يعمل معنا وفينا وبنا. هو الذي يقودنا في موكب نصرته. يمسك بأيدينا ويرشدنا. داود الذي جرب عمل الرب معه، قال: “الرب يرعاني فلا يعوزني شيء. في مراع خضر يربضني إلى ماء الراحة يوردني. يرد نفسي، يهديني إلى سبل البر”.
هو يرعاني، يرد نفسي، يهديني إلى سبل البر. لا تظن أنك واقف وحدك أمام تلال وجبال من الوصايا الصعبة، وأنك حائر أمامها ببشريتك الضعيفة. كلا، إنه يحملك على منكبيه فرحًا، ويطمئنك بقوله: “في بيت أبي منازل كثيرة”.
صفة جميلة من صفات الله، أنه ضابط الكل…
إنه يرى كل شيء، ويكتب أمامه سفر تذكرة. يضبط الكل، الصغير والكبير… حافظ الأطفال هو الرب… الرب يحكم للمظلومين. إنه جالس على الكاروبيم الممتلئين أعينًا…
من أكبر اعماله لأجلنا، انه يصد عنا الشيطان..
حقًا لو نال الشيطان حريته كاملة، لأهلك العالم كله. وعندما يفك من سجنه، سيقصر الله تلك الأيام، وإلا فلن يخلص أحد.
ثق في التجارب التي تحل عليك، إن هناك تجارب أخرى كثيرة منعها الله عنك قبل وصولها إليك.
إن الله واقف يدعو الكل إلى الخلاص، يريد أن الجميع يخلصون، يجول يفعل خيرًا كما كان في فترة تجسده، مازال يطوف المدن والقرى، يكرز ببشارة الملكوت، ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب. إنه ما يزال يتمشى في شوارعنا، ويدخل في بيوتنا.
نناديه في صلوات القداس: “اشترك في العمل مع عبيدك”.
كل عمل لا يشترك فيه الله معك، يفشل. لأنه قال: “بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً”
كل فكر صالح يجول في أذهاننا، يكون الله قد وضعه فينا… كل موهبة صالحة هي نازلة من فوق، من عند أبي الأنوار. كذلك كل المقدرات التي يعطيها للناس. وفي عمل الله معنا، يقول الكتاب عنا: إننا “شركاء الطبيعة الإلهية”. شركاء هذه الطبيعة في العمل، وليس في الجوهر.
إن داود الذي اختبر يد الله معه، يقول في ذلك:
“يمين الرب صنعت قوة، يمين الرب رفعتني”..
من الأشياء اللطيفة جداً في طقس سيامة الأب البطريرك – لكي لا يشعر أي بطريرك في الدنيا – أنه يعمل، وإنما الله هو الذي يعمل معه… عندما يلبسونه الأكمام، يلبسونه الكم الأيمن وهم يصلون: “يمين الرب صنعت قوة، يمين الرب رفعتني”… لكي يشعر أن هذه ليست يمينه، وإنما يمين الرب. وأنه لا يعمل بيده، وإنما بيد الرب… وأنه إذا وضع يمينه على أسقف، تكون يمين الرب هي التي وضعت على هذا الأسقف…
وفي كل أعمال بطريركيته، يشعر أن يمين الرب صنعت قوة.
هكذا في كل انتصاراتك الروحية، على شهواتك، على أفكارك، على الشياطين، تأكد أنها يمين الرب، وأن الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون”. وأنك تقف وتنظر خلاص الرب. عليك أن تختبر عمل الله في حياتك. تتحسس يده وهي تعمل.
إننا لو استعرضنا أمامنا أسماء الله، لوجدناه كل شيء في حياتنا. هو الراعي الذي يبذل نفسه عن الخراف، وهو المعلم الصالح، وهو الطبيب الحقيقي الذي لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا، وهو البناء الحكيم، وهو الزارع، وهو النور، وهو الطريق. وهو الكل في الكل…
هو الصدر الحنون الذي نتكئ عليه، وهو الأب، وهو المعزي.
الله يعمل، لكن ليس كل إنسان يراه أو يشعر به. هناك أشخاص ليست لهم الحواس المدربة التي يدركون بها عمل الله…
لهم عيون ولكنها لا تبصر، وآذان ولكنها لا تسمع.
اليشع النبي كانت حواسه الروحية مدربة، لذلك استطاع أن يبصر جند الرب تحرس المدينة، فتعزى. أما تلميذه جحزى فكان على عكس ذلك. معونة الرب أمامه، وهو لا يبصرها. لذلك صلى من أجله اليشع قائلًا:
“افتح يا رب عيني الغلام، ليرى أن الذين معنا أكثر من الذين علينا”… حقًا إن الله يعمل معك، وأنت لا تراه، ويتكلم في عقلك وفي قلبك، وأنت لا تسمعه…
وهكذا صلى داود قائلًا: “اكشف يا رب عن عيني، فأرى عجائب من شريعتك”. هناك عيون وآذان غير مختونة…
أحيانًا لا نستطيع أن نبصر، لأن ذواتنا تحجب الطريق، أو لأن شكوكنا تحجبه، أو بسبب فلسفتنا وعقليتنا البشرية!!
حاول أن تتلمس يد الله في كل عمل، في كل مشكلة. حاول أن تبصر الرب، وأن تتغنى بقول داود:
“تأملت فرأيت الرب أمامي في كل حين، لأنه عن يميني فلا أتزعزع”… كانت حواس داود مدربة، يرى الله أمامه في كل حين. إن لم يكن بالعيان، فبالإيمان … ونحن نصلي ونقول: “الرب عن يمينك يا أبانا فلان”. إنه عن يمينه، أبصرنا أو لم نبصر. العيب في أعيننا.
إيليا النبي كان يقول: “حي هو رب الجنود الذي أنا واقف أمامه. كان يبصر الرب أمامه وهكذا كان يوسف الصديق الذي قال: “كيف أخطئ، وأفعل هذا الشر العظيم، أمام الله؟! ”
الشخص الذي يحيا في الإيمان، يشعر بعمل الله على الدوام…
في سفر الرؤيا، رأى يوحنا الحبيب رب المجد وهو يتمشى وسط السبع المنائر التي هي الكنائس السبع، وهو يمسك ملائكتها في يمينه…
حقًا إنه نقشهم في كفه. لا يستطيع أحد أن يخطفهم من يده. من يمسهم يمس حدقة عينه.
أشعر إذن أن الكنيسة في يد الله، وليست في يد العالم. وأن حياتك في يد الله. والله يحفظها في قوة…
إن لم تبصر الله، فعلى الأقل أبصر العمل. حقًا إنه ينقصنا الإيمان الحقيقي الذي فيه نبصر الله وعمله.
إن الله يعمل ونحن نيام، ويعمل ونحن في صحو. إنه ساهر علينا، لا ينعس ولا ينام.
والذي يؤمن بعمل الله، يملأ السلام قلبه، يعيش في فرح لا ينطق به ومجيد، حتى لو بدا كل شيء كئيبًا أمامه.
وسط الضيقات، يستمع إلى قول المزمور: “تقو، وليتشدد قلبك، وانتظر الرب”. إن الرب لابد سيجيئ، ولو في الهزيع الأخير… في الوقت الذي يراه مناسبًا.
إنه يعمل، في ملء الزمان. يختار الوقت المناسب حسب وفرة حكمته. وهو يعمل بطريقته الخاصة المملؤة عمقًا. وكثير من تدابير الرب نفهمها فيما بعد، وليس في حينها.
وأعمال الله فيها النوع الواضح، وفيها نوع خفي هادئ، قد لا يحس به أحد، ولكنه عمل قوى وجبار، في هدوء، في سكون، كالغذاء الذي يتخلل جذور النبات ولا تراه. المهم أن نثق بأن الله يعمل، ونطمئن إلى عمله.
ونحن أحيانًا نشترك معه في العمل. وأحيانًا لا نشترك، ومع ذلك فإنه لا يبطل عمله فينا بسبب تكاسلنا.
إن الله لو ترك أرواحنا لإهمالنا، أو لو ترك الكنيسة لإهمالنا، لضعنا وضاعت الكنيسة.
لذلك فهو يعمل معنا. وهو يعمل فينا، لكي نعمل…
مبارك هو في كل عمله، أبصرناه أو لم نبصره…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الخامس والأربعون) 5-11-1976م





