لا يعسر عليك أمر

لا يعسر عليك أمر
تكلمنا في الأسبوع الماضي عن طفولة موسى النبي… هذا الطفل المسكين الملقى في سفط في الماء، المحكوم عليه بالموت في عصر مظلم… من كان يظن أن هذا الطفل المسكين، سيصير من أعظم الأنبياء والقادة، وأنه سيصير القوة الجبارة التي يخافها فرعون، فيصرخ أمامه “أخطأت، صل من أجلي، ليرفع الرب عني هذه الضربة”…
هنا وتذكرت قول أيوب الصديق “قد علمت يا رب أنك تستطيع كل شيء، ولا يعسر عليك أمر” (أى42)
إننا ننظر إلى الحاضر الكئيب، فنستصعب الأمور. أما إذا نظرنا إلى يد الله العاملة، وإلى الصورة التي أعدها للمستقبل، لاطمأنت قلوبنا وقلنا: “علمت يا رب أنك تستطيع كل شيء”.
من كان يظن…؟!
من كان يظن أن الأرض الخربة الخاوية، المغمورة بالماء، المحاطة بالظلمة، كما وصفها سفر التكوين “ستصير أرضنا الجميلة، المزينة بالنجوم والكواكب، المملوءة بالحياة، السائرة بقوانين عجيبة.؟!
لو نظرنا إلى الطبيعة في اليوم الأول، ليئسنا. أما إن رأيناها في اليوم السادس، لقلنا “تستطيع يا رب كل شيء”…
من كان يظن أن شاول الطرسوسي مضطهد المسيحية الذي كان يجر رجالًا ونساء إلى السجن، وكان مخيفًا في اضطهاده، يتحول إلى بولس الرسول، الكارز العظيم…!
من كان يظن أن “جهال العالم” و”ضعفاء العالم”، جماعة الصيادين المساكين، يمكنهم أن يوصلوا المسيحية إلى أقصى الأرض حقًا يا رب إنك تستطيع كل شيء ولا يعسر عليك أمر.
حقًا إننا لا يجوز أن ننظر إلى الأمور مجردة من يد الله العاملة، والا بدت أمامنا مظلمة قاتمة… كل أمر صعب، ينبغي أن نضع إلى جواره قوة الله غير المحدودة. إننا لا نعترف بالفشل، فلا يوجد شيء بعيد عن يد الله القوية.
من كان يظن أن بطرس الضعيف، الذي خاف من جارية، وأنكر المسيح، يمكنه أن يقف أمام رؤساء الكهنة والشيوخ، ويستهين بالسجون والجلد، ويقول في صمود “ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس”…!
من كان يظن أن المسيحية تستطيع أن تقف أمام الدولة الرومانية بكل جبروتها، أمام نيرون ودقلديانوس، وأمام كل وسائل التعذيب المتوحشة، وكل وسائل الأغراء..”!
أمام انتصار المسيحية العزلاء في مقاساتها من أباطرة وولاة الرومان، نقول للرب “علمنا أنك يا رب تستطيع كل شيء”.
أريانوس والي انصنا، مثال القسوة والعنف، كيف أمكن أن يتحول إلى مسيحي ويستشهد، ولونجينوس الجندي الذي طعن المسيح بالحربة، كيف يتحول هو أيضًا إلى شهيد مسيحي؟! حقًا يا رب، إنه لا يعسر عليك أمر.
من كان يظن أن أريانوس ولونجينوس سيصيران شهيدين قديسين؟!
إن الله قادر أن يحول الظلمة إلى نور، والشر إلى خير. قادر أن يحول يغير جميع مجريات الأمور.
إن أعظم معجزة يعملها الرب، هي تغيير النفس البشرية، بأن يضع قلبًا جديدًا وروحًا جديدًا في داخلنا…
بالإيمان يمكنك أن تدرك أن الله قادر أن يغير كل شيء. والإيمان لا يعترف باليأس، إذ فيه رجاء باستمرار، وثقة بأن الله يعمل ويغير، وأنه يتدخل، ويدبر كل شيء…
والذي لا تستطيعه حكمة الناس، تقدر عليه حكمة الله. والذي لا يستطيعه الضعف البشرى، تقدر عليه قوة الله…
من كان يظن أن أوغسطينوس الفاسد الماجن، الذي بكت لأجله أمه زمنًا طويلًا، يصير قديسًا عظيمًا، ليس تائبًا فقط، وإنما سبب بركة لآخرين، وينبوع من التأملات الروحية لأجيال وأجيال…؟!
من كان يظن أن اسحق الذي حمل الحطب وسيق إلى الموت، يصير نسله كنجوم السماء ورمل البحر، وتتبارك بنسله جميع قبائل الأرض. حقًا يا رب أنك تستطيع كل شيء ولا يعسر عليك أمر.
من كان يظن أن داود الطفل يقدر على جليات الجبار… الذي عجز أمامه كل الجيش، ووقفوا خائفين منه…؟!
من كان يظن أن مرقس الرسول يمكنه أن يقف أمام كل أوثان مصر، أمام العبادات الفرعونية التي فيها، والعبادات اليونانية والرومانية واليهودية والشرقية، ويقف أمام كل فلسفاتها ومكتبتها الشهيرة التي ظلت النار تحرق مخطوطاتها ستة أشهر!! ومدرستها المعروفة.
وفي سنوات قليلة تتحول مصر إلى بلاد مسيحية؟! من كان يظن؟
إن الذي يسير في طريق الرب، يشعر أن كل شيء سهل أمامه. يعجبني في ذلك، الوعد الإلهي الذي يقول:
من أنت أيها الجيل العظيم؟ أمام زربابل تصير سهلًا (زك4)
الإيمان يستطيع أن يشق طريقًا في البحر، يستطيع أن يضرب الصخرة فتتفجر ماءًا. يستطيع أن يحول شاول إلى بولس، وأريانوس إلى شهيد. إنه القوة الجبارة التي لا تعترف بالمستحيل… يعجبني في ذلك أيضًا قول بولس الرسول:
“أستطيع كل شيء، في المسيح الذي يقويني”. نحن نؤمن أن الله يستطيع كل شيء. أما ان بشرًا يستطيع، فهذا عجيب…
طبعًا يستطيع كل شيء، لا ببشريته، ولكن بقوة المسيح… الإيمان يقوي الإنسان، أما الشيطان فيحاول إضعافه بكل الحيل.
الشيطان يدفع الإنسان إلى اليأس، وإلى الخوف، يشعره بالعجز وبالضعف، وبأن الدنيا مسدودة أمامه، يشعره بضيق الباب وكرب الطريق، وبثقل الصليب، وبأنه لن يتقدم خطوة واحدة…!
أما الإيمان فيعطيك الثقة أنك تستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويك. الذي حول شاول يحولك، والذي توب أوغسطينوس يتوبك، والذي شدد داود أمام جليات، هو يشددك…
الخوف:
لا تخف، فالخوف ضد الإيمان. وكما قال الحكيم “الذي يرقب الريح لا يزرع” وأيضًا “قال الكسلان: الأسد في الطريق”.
ازرع ولا تخش الريح. الله هو الذي ينمي. سر في الطريق، ولا تخش الأسود. الله يرسل ملاكه فيسد أفواهها.
إن أولاد الله الذين خافوا الفشل، لم يقبل الرب خوفهم، وعالجهم منه، كما فعل مع موسى وأرميا وآخرين.
موسى خاف من الفشل في إرساليته إلى فرعون، لأنه كان “ثقيل الفم واللسان” “وليس صاحب كلام”. فلم يقبل الله منه هذا الخوف، وأرسل له لسانًا، وصار كليم الله…
وإرميا قال “لا أعرف أن اتكلم لأني ولد”. فلم يقبل الله منه هذا الخوف من الفشل. بل قال له “لا تقل إني ولد، لأني إلى كل من أرسلك إليه تذهب، وتتكلم بكل ما آمرك به. لا تخف من وجوههم لأني أنا معك”. ولمس الرب فمه وقال له “ها قد جعلت كلامي في فمك” (أر1).
عجيب أن الله اختار أولادًا صغارًا، وحارب بهم وغلب…
اختار داود الصغير وهزم به جليات، واختار صموئيل الطفل وبكت به عالي الكاهن، واختار أرميا الولد، وقال له “هأنذا قد جعلتك اليوم مدينة حصينة، وعمود حديد، وأسوار نحاس… فيحاربونك ولا يقدرون عليك، لأني أنا معك… لأنقذك”… صحيح يا رب أنك تستطيع كل شيء، ولا يعسر عليك أمر”…
الله حارب خوف يشوع، وقال له “تشدد وتشجع. لا ترهب، ولا ترتعب” “لا يقف إنسان في وجهك كل أيام حياتك. كما كنت مع موسى أكون معك. لا أهملك ولا أتركك” (يش1).
أولاد الله يتميزون بالقلب الجسور، الذي لا يعرف معنى للخوف ولا لليأس. ما أجمل وما أقوى الوعد الإلهي القائل:
“كل شيء مستطاع للمؤمن”. صدقوني لو اختفى الكتاب المقدس كله، ولم تبقى لنا سوى هذه الآية، لكانت تكفينا…
كل شيء – بلا استثناء – مستطاع. ماذا نريد أكثر من هذا؟! من الأناشيد الرائعة في الكتاب، نشيد العاقر في سفر أشعياء… “ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد” (أش54). “أوسعي مكان خيمتك. أطيلي أطنابك… لأنك تمتدين إلى اليمين وإلى اليسار، ويرث نسلك أممًا، ويعمر مدنًا خربة” حقًا يا رب أنك تستطيع كل شيء، ولا يعسر عليك أمر..
لا يوجد شيء صعب أمام الله، ولا أمامك أنت، لأن كل شيء مستطاع للمؤمن. المهم أن تؤمن بعمل الله معك.
هناك عبارة مذهلة قرأتها في الكتاب، فوقفت أمام الرب في خجل، أقول له: هذا كثير علينا جدًا يا رب، لا نقوى على سماعه. هذه العبارة هي قول الرب لتلاميذه:
الأعمال التي أعملها تعملونها، وتعملون أعظم منها…
أعظم منها؟! هذا الكلام صعب يا رب. إننا لو عملنا أعمالك، لكان هذا كثيرًا علينا! فكيف بالأعظم منها.!
إن هذه العبارة لا تحتاج إلى فهم، بل إلى انسحاق.
علمت يا رب أنك تستطيع كل شيء ولا يعسر عليك أمر, حقًا إن الحرب للرب وهو يغلب بالكثير وبالقليل. يغلب بجيش يشوع، كما بحصاة داود. يغلب بقوة شمشون وبضعف يعقوب.
إن اليأس هو من مخاوف الشيطان: يخوفنا بطول الطريق وبصعوبته وحروبه وضعف الطبيعة البشرية، ويذكرنا بسقطات القديسين..
لكننا نذكر أن قوة الله التي عملت في القديم، تعمل الآن أيضًا. الله لا يتغير، هو هو الأمس واليوم وإلى الأبد.
قوة الله التي عمرت مدنًا خربة، قادرة أن تعمر الآن.
من كان يظن أن الثلاثة فتية يلقون في النار ولا يحترقون؟ أو أن دانيال يلقى في جب الأسود، فتسد الملائكة أفواههم؟
فإن وقفت أمامك خطية أو شهوة أو مشكلة، قل: الحرب للرب، والرب قادر أن يغلب بالقليل وبالكثير، ويستطيع كل شيء
ما أجمل ما قاله بولس الرسول عن رجال الإيمان (عب11) إنهم بالإيمان قهروا ممالك، صنعوا برًا… تقووا من ضعف، صاروا أشداء في الحرب…”. لقد كانوا حقًا جبابرة، جبابرة بأس.
الله في سفر العدد لم يحص إلا القادرين على الحرب…
لذلك ما أرهب الآية التي ذكرت في سفر الرؤيا عن الخائفين: “وأما الخائفون، وغير المؤمنين، والرجسون، والقاتلون، والزناة، والسحرة، وعبدة الأوثان، وجميع الكذبة، فمصيرهم البحيرة المتقدة بنار وكبريت” (رؤ21: 8).
وهكذا جعل الخائفين قبل الزناة وعبدة الأوثان. ما أبشع الخوف إذن!
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الأربعون) 1-10-1976م




