إله الضعفاء

كثيرون، في حياتهم الروحية، إذ يرون طريق الكمال طويلًا أمامهم وصعبًا، ييأسون من ضعفهم ولكنني أريد في هذه الليلة أن أكلمكم عن نقطة واحدة، وهي أن إلهنا المحب هو إله الضعفاء…
إله الضعفاء
إلهنا الحنون يقف إلى جوار كل ضعيف ليسنده… ألسنا نقول عنه في صلوات الكنيسة:
معين من ليس له معين، ورجاء من ليس له رجاء عزاء صغيري القلوب، ميناء الذين في العاصف…
أي أن الذي قلبه صغير، لا يحتمل متاعب الدنيا، ولا متاعب الخطية، ولا متاعب الناس، هذا يجد في الله عزاءه. وإن اضطربت سفينته وسط الأمواج العاصفة، يجد في الله ميناء السلام…
إن إلهنا هو إله الضعفاء والمساكين، يقف دائمًا إلى جوارهم. لما ثارت الأمواج على سفينة التلاميذ، رأوا المسيح ماشيًا على البحر، ينتهر الرياح، وينقذ السفينة من الأمواج…
الله دائمًا مع الضعفاء. وضد الأقوياء المعتزين بقوتهم..
ضد القساة، والمتغطرسين، والمتكبرين. ولذلك قال الكتاب “قبل الكسر الكبرياء”.. كان ضد فرعون المتعالي، مع موسى الوديع الهادئ.. وقف مع يعقوب المسكين الهارب من أخيه عيسو، وعزّاه بالرؤى وبالوعود وبالخيرات. لم يقف مع عيسو القاسي…
كان مع يوسف المسكين، الذي رموه في البئر، وبيع كعبد، وألقي في السجن ظلمًا ولم يدافع في كل ذلك عن نفسه.
وقف أيضًا إلى جوار المرأة المسكينة التي ضبطت في ذات الفعل، وقسا الناس عليها وفضحوها، وطلبوا لها الموت، فدافع عنها دون أن تطلب منه ذلك، ودون أن تستنجد به…
إنه يقول “إلى هذا أنظر إلى المسكين والمنسحق الروح والمرتعد من كلامي” (إش66: 2). وقال “روح الرب عليّ، لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأعصب المنكسري القلب، لأنادي للمسبيين بالعتق، وللمأسورين بالإطلاق” (إش16: 1).
لقد ذهب لينقذ المريض المسكين، الذي له 38 سنة في مرضه، وليس له إنسان يلقيه في البركة. ووقف إلى جوار المولود أعمى، عندما أخرجه رؤساء اليهود خارج المجمع.
من هاتين الآيتين يقف الرب إلى جوار المساكين، والمنسحقي الروح، والمنكسري القلب، والمسبيين، والمأسورين… حقا إنه إله الضعفاء…
“كان مع داود الضعيف” أمام شاول الملك، وجليات الجبار.
داود الذي كان يهرب من برية إلى برية، وضده شاول بكل سلطانه وجنده وقسوته، داود الطفل الذي وقف أمام جليات الجبار.
دافع عن المرأة الخاطئة التي بللت قدميه بدموعها ومن أجلها وبّخ سمعان الفريسي. وبالمثل فضل العشار المنسحق على الفريسي المنتفخ. وقف مع كل الضعفاء، دافع عن الأطفال، عن النساء، وعن الخطاة، وقبل الابن الضال.
حقًا إن “الرب يحكم للمظلومين” و “حافظ الأطفال هو الرب” لذلك إن كنت ضعيفًا، لا تخف من ضعفك، بل قل “حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ” (2كو12: 10). لماذا؟
لأن الله يقول “قوّتي في الضعف تكمل”. أليس هو الذي “اختار ضعفاء العالم ليخزي بهم الأقوياء”، وليس فقط الضعفاء، بل أيضًا المزدرى وغير الموجود.
كن إذًا ضعيفا والرب معك، ولا تكن قويا والرب مفارقك.
كانت الكنيسة عزلاء ضعيفة أمام كل قوة الدولة الرومانية وبطشها وأسلحتها، ولكنها انتصرت عليها، لأن قوة الرب كانت معها.
إذا وجدت خادمًا صار جبارًا، قل له “قربت نهايتك”.
منسّى يقول للرب “في أنا الضعيف، تظهر قوتك”… إن كنت ترحم إبراهيم واسحق ويعقوب، فهؤلاء قديسون. ولكن في خاطئ مثلي تظهر رحمتك”.
لقد قال “ما جئت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة”.
لا تقف أمام الله وتعد وعودًا، كمن هو واثق بقدرته على التنفيذ، وإنما قف كضعيف يطلب معونة…
قل له: ساعدني، لأترك هذه الخطية. لأني كلما أتركها، أعود إليها مرة أخرى… اعترف بضعفك، وقل له.
“أنت يارب تعرف يقظة أعدائي، وضعف طبيعتي أنت تعرفه ياخالقي” هكذا نقول للرب في صلاة الستار.
في حروبك الروحية تغلب بضعفك لا بقوتك. لأنك في اعترافك بضعفك، إنما تغلب بقوة الله التي فيك..
نقول في صلوات الأجبية “الأعزاء قاموا عليّ، والأقوياء طلبوا نفسي، لم يسبقوا أن يجعلوك أمامهم”. هؤلاء الأقوياء المعتزون بقوتهم، “في الطريق التي أسلك أخفوا لي فخًا” “ضاع المهرب منّي، وليس من يسأل عن نفسي”. ونقف أمام الله كضعفاء ونقول “إلى متى أردد هذه المشورات في نفسي، وهذه الأوجاع في قلبي النهار كله” “إلى متى يرتفع عدوي عليّ”.
الإنسان الذي يقف أمام الله كضعيف، هو الذي يأخذ قوة من الله” يستطيع أن ينتصر بها على الكل.
القديس أنطونيوس الذي قال للشيطان “أنا أضعف من أن أقاتل أصغركم” هو الذي استطاع أن يقهر أعظم الشياطين…
إن وقفت أمام الله كقوي، تكون معتمدًا على ذراعك البشري، وحينئذ تتخلّى عنك النعمة لكي تشعر بضعفك، فتتضع…
تكلم مع الله بصراحة، واشرح له ضعفك. قل له: إنني ضعيف أمام الخطية الفلانية. إن كان ملكوتك يا رب لا يدخله إلا الأقوياء، فهل سأهلك أنا الضعيف.؟
وإن كنت ضعيفًا، فمن سيقويني، إلا أنت يا رب؟!
أنا يا رب- كضعيف- أطلب قوتك، وكعاجز أطلب معونتك. وكفاشل أمام الشياطين، أطلب أن تحاربها عني بأسلحتك، إن الله دائمًا يشفق على الضعفاء، المقيدين، العاجزين. وما أجمل قول بولس الرسول في الإشفاق على الضعفاء:
“اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ” (عب13: 3).
مشكلة الفريسيين أنهم كانوا يثقون بأنفسهم وبقوتهم، ولذلك كانوا يحتقرون الخطاة والضعفاء. لذلك وبخ الرب مشاعرهم.
إذا احتقرت ضعيفًا ساقطًا، فاعرف أنك معرض للسقوط مثله.
إن كان الله يطلب إلينا أن نحتمل ضعف الضعفاء، فلا بد أنه- تبارك اسمه- يحتمل ضعف الضعفاء بما لا يُحد من طول أناته. صارع مع الله. قف أمامه ضعيفًا لتأخذ منه قوة، وخاليًا لتأخذ منه ملئًا، وجاهلًا ليعطيك من معرفته.
إذا وثقت أنك ضعيف ستتعلم الصلاة، وستنال الاتضاع.
لأن الأقوياء نادرًا ما يصلّون، وصعب عليهم أن يتضعوا..
وإذا وقفت أمام الله كضعيف، سيسكب عليك المواهب…
لما قال إشعياء:”وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ” استحق أن يتقدم واحد من السارافيم بجمرة من على المذبح، ويمسح شفتيه فيطهر.
لا تثق بنفسك أنك أقوى من الخطية. لأن شعورك بقوتك، يفقدك الاحتراس، ويفقدك التدقيق والحرص. ويوقعك في الغرور ويبعدك عن الصلاة، وهكذا تسقط… ألم يقل الكتاب عن الخطية: “لأَنَّهَا طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ” (أم7: 26)!
كل آبائنا عاشوا في حياة المسكنة، ولم يعتمدوا على قوتهم، فكل الذين اعتمدوا على قوتهم هلكوا…
قال الشيطان لله: أترك لي الأقوياء فإني كفيل بهم. أما الضعفاء فإذ ليست لهم قوة، يحاربونني بقوتك، فلا أقدر عليهم.
إن معونة الله للضعفاء، ولا تعني أن يكون جميع المسيحيين متصفين بالضعف. فعلى العكس المسيحية قوة. والمؤمن إنسان يستطيع كل شيء في المسيح فأمامنا قاعدة هامة وهي:
أشعر بأنك ضعيف بذاتك، قوي جدًا بالله العامل فيك ولذلك احرص على عمل القوة الإلهية فيك، باتضاعك الدائم.
وشعورك بأنك متمتع بقوة إلهية تعمل فيك، وليس بمجرد قوة بشرية، هذا يعطيك ثقة أكثر. لأن القوة البشرية يمكن أن تنهار. أما قوة الله فهي قادرة في كل حين على كل شيء.
من هنا يكون الإنسان المسيحي قويًا جدًا، ولكن ليس بقوته وشخصيته، وإنما بقوة الله العاملة فيه.
لذلك إن كنت ضعيفًا، لا تخف من ضعفك. وإن كنت مغلوب من خطية ما، فلا تيأس من انغلابك.
كان أًغسطينوس ضعيفًا أمام الخطية ومغلوبًا، وهكذا كان موسى الأسود، وبيلاجية، ومريم القبطية، وآخرون ولكن قوة الله التي تسند الضعفاء، قادتهم في موكب النصرة.. وكما قال الكتاب “ليقل الضعيف بطل أنا” (يؤ3: 10).
مشكلة المشكلات أن إنسانًا ضعيفًا يعتقد في نفسه القوة. إطرح ضعفك أمامه. وقل له: الإرادة حاضرة عندي، ولكن أن أفعل الحسنى لست أجد… الشر الذي لست أريده إياه أفعل” (رو7).
أنت يا رب تستطيع أن “يُعْطِي الْمُعْيِيَ قُدْرَةً”، وتنبت له “أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ” أنت تسند القصبة المرضوضة، وتنفخ في الفتيلة المدخنة. أنت قادر أن تعمل بي شيئًا..
غالبية الخطاة الذين استمروا في خطيتهم، لم يكونوا صرحاء مع الله، ولا مع أنفسهم. ولم يطرحوا ضعفهم أمام الله، ولم يصروا على نوال قوة منه… لم يطلبوا قلبًا جديدًا، وأسلحة روحية جديدة وحياة إلهية تعمل فيه.
لا تقل له: سأترك هذه الخطية، وإنما قل: أعطني قوة لأتركها.
إن لم تمسك يدي، فلن أتقدم خطوة واحدة. بدونك لا أستطيع شيئًا، كن كالمريض الذي يعرف مرضه، ويعرضه على الطبيب فيشفى. أما إن أنكر مرضه فسيبقى فيه…
أقوى الناس هم الذين يشعرون بضعفهم، ويأخذون من الله قوة أما الذين يظنون أنهم أقوياء، فهم ليسوا أقوى من الشيطان، الذي هو أكثر حيلة، وأكثر حكمة، وأكثر معرفة بالنفس البشرية، وأكثر خبرة بالحروب الروحية ولن تغلبه سوي قوة الله.
ضع قوة الله أمام حروب الشياطين. مهما كنت ضعيفًا، فإن الروح القدس الذي فيك، هو قادر أن يغلب وأن ينتصر…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الرابع والأربعون) 29-10-1976م



