المصالحـــــــــــــــــة مع الله

المصالحة في الكتاب المقدس، هي مصالحة مع الله، ومصالحة مع الناس، ومصالحة مع النفس البشرية.
إن اصطلحت مع نفسك، ستصطلح مع الله ومع كل أحد. ولنتكلم اليوم عن:
المصالحـــــــــــــــــة مع الله
الخطية خصومة مع الله:
عندما تخطئ تفقد عشرة الله، وتدخل في خصومة معه.
أخطر ما في الخطية، هو أنك تدخل في خصومة مع الله.
إن الخطية لها نتيجتان، هلاك نفس الإنسان، وإغضاب الله. لذلك فقد كانت الذبائح في العهد القديم، تعبر عن هذين الغرضين كليهما، كما نقرأ في سفر اللاويين.
كان الغرض من (المحرقة) هو المصالحة مع الله، وإرضاء عدله، لذلك قيل عنها أكثر من مرة إنها “رائحة سرور للرب” (لا1).
ولأجل هذا ذكرت كأولي الذبائح في سفر اللاويين، ولم يكن أحد يتناول منها لأنها خاصة بالله وحده… تظل النار تشتعل فيها حتى تتحول إلي رماد، رمزًا إلي استيفاء حق الله منها.
وكانت ذبيحتا الخطية والإثم، ترمزان إلي خلاص الإنسان من الموت الذي هو عقوبة خطيته، وهكذا كان خروف الفصح.
والسيد المسيح على الصليب، قام بالعملين: كمحرقة، صالح الله مع الناس. وكذبيحة خطية حمل خطايا الناس وفداهم وخلصم.
إن أهم ما ينبغي أن يشغل قلبك هو الصلح مع الله. لا تكن كالعبد الذى لا يهمه سوى الخلاص من العقوبة، وإنما كن كالابن الذي يهتم قبل كل شئ بإرضاء أبيه.
قل له المهم عندى يارب، هو رضاك وبركتك: أريد أن اصطلح معك، واستعيد سكناك فى قلبى. ليست النجاة من العقوبة هى التي تشغلني، بل محبتك وعشرتك.
لا تهمنى ذاتي، أهلك أم أخلص، إنما تهمنى محبتك. إننى أسمى إلى مصالحتك، وأفعل بى بعد ذلك ما تشاء.
لا تظنوا أن كل خطية آدم هو الأكل من الشجرة، إنما قبل كل شئ إنه انفصل عن الله. أحب نفسه أكثر من الله، وأطاع زوجته أكثر من الله، ونفذ نصح الحية أكثر من الله. وبهذا انفصل عن الله قلبيًا وعمليًا.
ومظهر هذه الخصومة، اختفاء آدم من وجه الله، واختفاؤه خلف الشجرة لما سمع صوت الرب. وحلول الخوف في قلبه محل الحب، وهكذا بدأ يهرب من الله .
مشكلتك في خطيتك أنك تظن نفسك تخطئ ضد الناس، أو ضد نفسك، أو ضد المبادئ، بينما الحقيقة المرة أنك تخطئ إلي الله. ولهذا قال داود النبى.
“لك وحدك أخطأت ، والشر قدامك صنعت” (مز50)
إنه لم يخطئ إلي أوريا الحثي، أو إلي عفته الخاصة، إنما قبل كل شئ أخطأ إلي الله. وكانت خطيئته ضد الله هي التي تملأ فكره وتزعجه، حتي قال للرب “لك وحدك أخطأت”
الخطية موجهة أصلا إلي الله. وهكذا عندما عرضت الخطية أمام يوسف الصديق، قال “كيف أخطئ وأفعل هذا الشر العظيم أمام الله؟!” إن الخطية مخالفة لله، ومقاومة له، وتمرد عليه، وترك لمحبته لأنه قال “من يحبنى يحفظ وصاياي”.
والخطية أخطر من كونها مخالفة لله. إنها عداوة لله وهكذا يقول الرسول “محبة العالم عداوة لله”… هي انفصال عن الله:
لأنه أية شركة للنور مع الظلمة، ولا للمسيح مع بليعال…
إنك عندما تخطئ تفقد الشركة مع الله. لا تستطيع أن تقول إنك في شركة مع الروح القدس أو مع الطبيعة الإلهية، وأنت في حالة الخطية لذلك قيل عن الابن الضال إنه ترك بيت أبيه…
إنها فقدان للدالة مع الله، وفقد العشرة الإلهية والحب الإلهي “عندى عليك أنك تركت محبتك الأولي”.
المصالحة هى عمل المسيح ورسله :
كان العمل الأساسى للسيد المسيح هو مصالحة البشر مع الله.
ولهذا نقول له في صلاة الصلح “وصالحت السمائيين مع الأرضيين” لقد عمل المسيح صلحًا بدم صليبه، وصنع سلامًا مع الله. ولهذا “نقض الحائط المتوسط” قاتلًا العداوة (أف2: 14- 16)
وقد كانت “خدمة المصالحة” هى عمل الآباء الرسل القديسين
كما كانت عمل خلفائهم من الرعاة وكل رتب الكهنوت.
وفي هذا يقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى كورنثوس: “صالحنا لنفسه بيسوع المسيح، وأعطانا خدمة المصالحة. أي أن الله كان في المسيح مصالحًا العالم لنفسه. غير حاسب لهم خطاياهم، وواضعًا فينا كلمة المصالحة” (2كو5: 17- 20) ويكمل : “إذن نسعى كسفراء للمسيح ، كأن الله يعظ بنا . نطلب عن المسيح: تصالحوا مع الله” (2كو5: 20).
نعم إن عمل المصالحة، أو خدمة المصالحة، أو كلمة المصالحة، هى عمل الكنيسة، التي تعطى للناس من بركات الصلح الذي صنعه المسيح بدمه. خدمة المصالحة تظهر في جميع الأسرار الكنسية…
أنه دفع دمه ثمنًا لها. ولكننا بعد أن صولحنا مع الله ، رجعنا نخطئ.
إن عبارة “صالحت السمائيين مع الأرضيين” تعطينا معنى آخر: إن الخطية ليست خصومة مع الله فقط، بل مع جميع السمائيين.
إننا في الخطية نغضب الله وكل جنده وكل أرواح القديسين. أنظروا ماذا يقول الرب عن الملائكة؟ “ملائكة الرب حالة حول خائفيه وتنجيهم” وماذا عن غير خائفيه؟ إنه يقول أيضًا عنهم “أليسوا جميعهم أرواحًا خادمة، مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب 1). وماذا عن الذين لا يرثون الخلاص.
إن الخطية بشعة لا يحتمل الملائكة منظرها. الملائكة يدافعون عن الإنسان حتى لا يقبل الخطية. فإذا قبلها وانغمس في النجاسة، لا يحتمل الملائكة المنظر فيتركونه للشياطين أصحابه !!!
فإذا تاب الإنسان، ورجع قلبه إلى الله، حينئذ يصطلح مع الله وملائكته “ويكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب”.
إن خدمة المصالحة قام بها الرب. وكانت هامة لديه جدًا، لدرجة أنه دفع دمه ثمنًا لها. ولكننا بعد أن صولحنا مع الله، رجعنا نخطئ إليه مرة أخرى، ونرجع إلى الخصومة. فأرسل إلينا خدامه بكل درجاتهم ينادون “اصطلحوا مع الله”
خدمة المصالحة هذه هى عمل الأنبياء والرسل والرعاة. هى عمل الأساقفة والكهنة والشمامسة وكل الخدام. ليس لهم جميعًا سوى هذه الخدمة.
إن الله يسعى إليك لكى يصالحك. يقرع على أبواب نفسك قائلًا “افتحي لي يا أختي يا حبيبتي يا حمامتي يا كاملتي، فإن رأسي قد إمتلأ من الطل وقصصي من ندى الليل” ولكننا كثيرًا ما نتراخى، ونرفض عمل النعمة فينا، ونقاوم خدمة المصالحة هذه. ثم نندم بعد ذلك ونقول “حبيبي تحول وعبر، طلبته فما وجدته، دعونه فما أجابني” إنها مشاعر الخصومة مع الله.
إن الله يريد أن يصالحك، بكل وسائط النعمة، ولكن هناك شرطا يطلبه الرب وهو “يا ابني اعطني قلبك.. “
إن الصلح ليس مجرد ممارسات وعبادات شكلية، وصلوات وأصوام، وإنما هو اعطاء القلب لله… لقد قدم اليهود هذه العبادات بدون قلب، فرفضها الله, وقال في عتابه لهم:
“هذا الشعب يعبدني بشفتيه، أما قلبه فمبتعد عنى بعيدًا”
ولهذا قال لهم الرب “حين تبسطون أيديكم أستر وجهي عنكم، وإن أكثرتم الصلاة لا أسمع” (أش 1) لماذا يارب هذه الخصومة؟ لأنهم لم يعطوا القلب للرب.
وماذا إذا كان القلب مبتعدًا. يقول الرب “أعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعل روحًا جديدة فى داخلكم..” (حز36: 26)
لهذا نحن نصلي ونقول “قلبًا نقيًا اخلق في يا الله”.
وعبارة (اخلق) لها معنى عميق. فليس الأمر مجرد ترميم لقلب قديم، إنما هي علمية خلق من جديد..
أن الصلح يتم بداخل هذا القلب، وليس صلحًا من الظاهر…
تقول له، أصوم لك يومين فى الأسبوع، وأعشر كل أموالي “أعطيك العشور والبكور والنذور والبخور والستور، وأسلم جسدى حتى يحترق” يقول لك “يا ابنى اعطني قلبك”..
هل القلب إذن هو كل ما يطلبه الله في الصلح؟ كلا. أنه أيضًا يطلب الإرادة. لأن المحبة ليست بالكلام، بل بالعمل والحق.
إن الله لا يرغم أناسًا على محبته، لابد أن تتحرك إرادتهم، “كم مرة أردت … ولم تريدوا” وكما قال القديس أوغسطينوس:
“أن الله الذى خلقك بدونك، لا يشاء أن يخلصك بدونك”
هناك كلمة كان يقولها المسيح، لمن يتقدومون إليه للشفاء. وهي:
“أتريد أن تبرأ” “أتريد أن تطهر”…
إن أهمية الإرداة تظهر في قول الرب “إن فتح أحد لى، أدخل وأتعشي معه”. إن فتح إن تحركت إرادته…
لا يكفى أن، تحب الله وتشتهي مصالحته، بل قدم إرادتك…
هل هناك شرط ثالث غير القلب والإرادة، نعم: الإيمان.
قد يعجز قلبك عن الحب، وقد تعجز إرادتك، حينئذ يدخل إيمانك: إيمانك بأن الله قادر أن يخلصك، وأن يعمل فيك أن تشاء وأن تسعى. اسكب نفسك إذن قدام الله بكل تصميم، تصارع معه وقل له .
إن كنت أنا يارب لا أحبك، ولا أعطيك قلبي، فإنك قادر أن تسكب حبك فيّ بالروح القدس.
إن كان إيماني ضعيفًا، فأنت قادر أن تقوي ضعف إيماني. وإن كانت إرادتي ضعيفة، فقوتي هى من عندك.
إنك في المصالحة ستعطيني طبيعة جديدة “روحًا مستقيمًا جدده في أحشائي” “إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة”.
إن من نتائج المصالحة هو هذا التجديد، كما من نتائجها أيضًا التقديس والتبرير. ومن نتائجها أيضًا المغفرة.
الله في المصالحة يمحو خطايانا، لا يعود يذكرها. يقبل الذين يصالحهم “غير حاسب لهم خطاياهم”.
كما يقول أحد القديسين إن “التوبة تجعل الزناه بتوليين” أي كأنهم لم يخطئوا قط ولم يتنجسوا..
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد السابع والأربعون) 19-11-1976م



