تواضع الله

تواضع الله
الله هو الوحيد الذي يمكن أن يتواضع بحق، لأنه العالي الذي يتنازل من علوه.
أما الإنسان الذي هو تراب ورماد، الإنسان الذي كله خطية وإثم، فما معنى التواضع بالنسبة إليه؟ ليس هو في علو لسيما ينزل منه، وليس في كمال حتى يخفيه. إنما التواضع بالنسبة إليه، هو أن يدرك ضعفه، ويعرف حقيقة حقارة منزلته. وكما قال أحد القديسين:
+تواضع الإنسان، هو معرفة الإنسان لنفسه…
أما الله، فهو الكامل في عظمته، الكامل في قداسته، غير المحدود في كماله. لذلك فهو الكائن الوحيد الذي تليق به صفة التواضع. فكيف ظهرت صفة التواضع في الله:
+كان متواضعًا في عملية الخلق، اذ لم يشأ أن ينفرد وحده بصفه الوجود. فمنح الوجود لغيره…
كان وحده منذ الأزل. ولم يرد أن يظل وحده، فأشرك معه في الوجود ما لم يكن…
كثير من الناس، إن وجد أحد منهم في عظمة أو في منصب، يجمع كل السلطة في يده، ولا يشرك معه أحدًا في عمل أو في تصرف…!
أما الله فلم يفعل هكذا، ولم يشأ أن ينفرد، ومنح العدم وجوداً، وأعطاه حياة، وأشركه معه!
+ومن تواضع الله، أن الكائنات التي تمردت عليه، ما يزال يبقيها حتى الآن ويسمح أن يكون لها سلطان وقدرة!
خذوا مثالًا لذلك، الشيطان: تمرد على الله، وكان بإمكان الله أن يفنيه. ولكن من تواضع الله أنه لم يقض على هذا العدو المقاوم، بل استبقاه. كلما اتأمل كيف أن فى العالم أناسًا يشتمون الله ويجدفون عليه ليل نهار، وأناسًا ينكرون وجود الله ولا يعترفون به، وأناسًا يعصون الله ويحرضون على عصيانه، ومع ذلك يحتمل الله كل هذا السب والتجديف والعصيان، دون أن يفنى مقاوميه… أدرك في أعماق مقدار التواضع العجيب الذي يتصف به الله!!
+من تواضع الله، أنه احتمل ظلم الأشرار
ليس فقط أثناء الصلب، أو خلال فترة تجسده على الارض، إنما في كل حين وفي كل عصر. احتمل ولم ينتقم لذاته، بل احتمل وأحسن إلى المسيئين، في صمت، ودون أن يدافع عن نفسه.
+ومن تواضع الله، انه يبعد عن مظاهر العظمة التي تجلب المديح، وتبهر الناس. مثال ذلك موقفه عن المعجزات.
بإمكان الله أن يبهر الناس كل يوم وكل ساعة وكل لحظة بالمعجزات والآيات والعجائب، وبالرؤى والاستعلانات والظهورات المقدسة، فيجعلهم يلهجون بمجده، ويسجدون أمام قدرته. ولكنه مع ذلك لا يفعل.
ويقصر اجتراح المعجزات على الضرورات النادرة… يريد أن يجذب الناس إليه بالحب والاقتناع، وليس بالعجائب والمعجزات.
+الله في تواضعه، يسمح لأقل الناس أن يخاطبه.
عجيب أن يجد التراب والرماد فرصته ليتحدث مع الله، الله الذي تقف أمامه الملائكة ورؤساء الملائكة، والشاروبيم والسارافيم، وكل الجمع غير المحصى الذي للقوات السمائية…!
قد يجد الإنسان صعوبة في كثير من الأحيان، أن يتحدث مع تراب مثله، إن كان ذلك التراب له منصب عال أو مركز كبير.
أما الله فيمكنك أن تكلمه وتتفاهم معه، بل من الجائز أن تكلمه، وقد كسرت وصاياه منذ دقائق أو لحظات.
+من تواضع الله أنه يرفع من شأن أولاده، وقد يختفي هو أحيانًا، ليظهروا هم.. يمجدهم بأعماله هو..
مثال ذلك: بدلًا من أن يصنع معجزة مباشرة، يصنعها على يد أحد قديسيه، فيتمجد هذا القديس، ويفرح الله بذلك، ويقول “من يكرمكم يكرمني”. ويعطى أولاده هؤلاء، أن تبنى كنائسه ومذابحه بأسمائهم، وأن توقد أمامهم الشموع، وترتل لهم المدائح والذكصولوجيات.
الشريعة هى شريعة الله، ومع ذلك يسميها شريعة موسى، أو ناموس موسى يقول: “من أجل قساوة قلوبكم، صرح لكم موسى بالطلاق” بينما الله هو الذي صرح. ولكن لا مانع من أن ينسب الأمر إلى موسى.
فقال “عندهم موسى والانبياء”، بينما الذي عندهم هو الوحي الالهي!
+والله من تواضعه كان يأخذ موقف من يستشير أولاده!
قبل أن يحرق سدوم، يقول “هل أخفى عن عبدي ابراهيم ما أنا فاعله؟!” ويعرض الله الأمر على ابراهيم، ويعطيه الفرصة أن يناقشه ويفحص معه الموضوع، ويأخذ برأيه.
وعندما أراد أن يفني بني إسرائيل، لم يشأ أن يفعل هذا الأمر مباشرة، وإنما كلم موسى في الموضوع، واحتج موسى على ذلك، وقال له “ارجع يارب عن حمو غضبك، واندم على الشر”. والعجيب أن الله المتواضع، نفذ كلمة موسى، ورجع عن حمو غضبه، وندم على الشر.
+من تواضع الله، أن يسمح لنا أن ننقاشه، بل يطلب ذلك: “هلم نتحاجج، يقول الرب”.
هناك أناس لا يقبلون أن يناقشهم أحد فيما يصدرونه من أوامر ومن قرارات. يعتبرون ذلك كبرياءً ممن يناقشهم، وإقلالًا من سلطانهم. أما الله، فإنه يقبل الجدال.
أيوب الصديق يقول له “فهمني يارب خطيتي. ستذنبني لكي تتبرر أنت”؟!
وإرميا النبي يقول له:
“أبر أنت يا رب من أن اخاصمك. ولكنى أكلمك من جهة أحكامك. لماذا تنجح طريق الاشرار…؟”
وداود يناقش الرب ويعاتبه “يارب لماذا؟ ” ” لماذا تقف يارب بعيدًا؟
لماذا تختفي في أزمنة الضيق؟” (مز10)
الله يسمح أن نناقشه، ولا يغضب، بل في تواضع كامل يستمع، وينفذ ما يراه صالحًا.
بل في المناقشة قد يسمح بالفاظ تبدو شديدة…
يقول له إبراهيم من جهه سدوم “أديان الأرض كلها لا يصنع عدلًا؟! أتهلك البار مع الأثيم؟! حاشا يارب…” ويستمع الرب في تواضع دون أن يتضايق من هذه الألفاظ، ويرضى إبراهيم في وداعة…
+لقد ظهر تواضع الرب في التجسد، في إخلائه لذاته:
نزل من السماء، وأخذ شكل العبد، وصار في الهيئة كإنسان، وولد في مزود بقر. واعتدى خليقته عليه، شتم أما هو فلم يشتم عوضًا. بذل خديه للطم، ووجهه لم يمنعه عن خزى البصاق “كشاة تساق إلى الذبح، كنعجة صامتة أمام جازيها “هكذا لم يفتح فاه…
+فى معاملته للشياطين كان متواضعًا، وفى معاملته للبشر كان متواضعًا. وفى تواضعه سمح ان يتكلم مع أشر الخطاة!
تنازل وتكلم مع قايين، أول قاتل على وجه الأرض، ولما قال له قايين “إنك قد طردتنى اليوم عن وجه الأرض… فيكون كل من وجدنى يقتلني”, أجابه في عدل وعطف “كل من قتل قايين، فسبعة أضعاف ينتقم منه” (تك4).
وتنازل الرب وأرسل ملاكًا فتكلم مع بلعام. وهذا الإنسان المضل، الذى أعثر الشعب كله وجعله يخطئ، سمح الله بتواضعه أن ينطق الروح القدس على فمه بنبوءات من أشهر النبوءات عن التجسد!! (عد 23, 24).
+ومن تواضع الرب أنه كان يجلس مع العشارين والخطاة..
ويحضر ولائمهم. بل أنه اختار واحدًا منهم (متى) ليكون له تلميذًا. ولما رأى رئيسهم زكا على الشجرة، وقف له، وكلمه، وتعشى في بيته، بكل تواضع..
ومن تواضعه أنه اتكأ في بيوت أعدائه الفريسيين، ومن تواضعه سماحه للمرأة الخاطئة أن تلمسه، وتمسح قدميه بشعرها، مما أثار عليه شك الفريسى. ومن تواضعه أنه ظهر أولًا لمريم المجدلية التي سبق أن أخرج منها سبعة شياطين…!
+ومن تواضع الرب أنه كان بسيطًا مع الكل…
كان يتكلم ببساطة مع الأطفال، ومع النساء، ومع عامة الشعب. يكلمهم ببساطة بلا تعال ولا ترفع، كواحد من بنى البشر… وكان يحلو له أن يدعو نفسه (ابن البشر) و (ابن الإنسان). وكان بسيطا فى معيشته (ليس له أين يسند رأسه).
+تواضع الله، ليس هو فقط تواضع الابن في تجسده، وإنما أيضًا تواضع الآب كما سبق وشرحنا! وتواضع الروح القدس
الروح القدس الذي يتصرف بتواضع عجيب: يحل في الماء في المعمودية، وفي الزيت في سر المسحة، ويعمل في صمت عجيب، وبقوة في باقى الأسرار. ويحل في الإنسان الترابي، ويتخذه هيكلاً له، ويتكلم على فمه. أليس هو (الناطق في الانبياء) و (لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم). نعم روح أبيكم الذي يعمل في اختفاء: يتكلم هو، وتنطقون أنتم…
+و من تواضع الروح، انه يحتملنا، ونحن نطفئ الروح، و نحزن الروح، و نرفض عمله، وهو يعمل لأجل خلاصنا.
لذلك كله قال عنه الكتاب (الروح الوديع الهادئ)، الروح الذي يمنحنا التواضع وانسحاق القلب.
+إن تواضع الله، كان منذ البدء، وما يزال حتى الآن وإلى آخر الأجيال، وهو يخاطبنا قائلاً:
“تعلموا مني، فأني وديع ومتواضع القلب”
إننا نأخذ درسًا لأنفسنا من تواضع الله: إن كان – وهو ملك الملوك، ورب الأرباب، وإله الآلهة – قد اخذ شكل العبد، فماذا علينا أن نفعل نحن العبيد؟
إن كان الله الكامل القدرة والسلطان، كثيرًا ما يمتنع عن استخدام سلطانه. إن كان وهو الكلى المعرفة “المخبأة فيه كل كنوز العلم والمعرفة ” يصمت، ولا يظهر هذا العلم، فماذا يجب أن نفعل نحن؟
فلنكن متواضعين، ان كنا نحب ان نكون صورة الله ومثاله، الله الذي ترك لنا مثالاً حينما انحنى وغسل أرجل تلاميذه، وانحنى وقبل المعمودية من عبده يوحنا.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الرابع والعشرون) 11-6-1976م




