وتبتهج روحي بالله مخلصي

وتبتهج روحي بالله مخلصي
بمناسبة عيد السيدة العذراء، وتكملة لشرح تسبحة العذراء التي كانت موضوع حديثنا في الأسبوع الماضي، نتابع تأملاتنا في هذه التسبحة، وبخاصة في قول العذراء: “وتبتهج روحي بالله مخلصي، لأن القدير صنع بي عجائب، واسمه قدوس، ورحمته من جيل إلى جيل” (لو1: 46، 47).
وتبتهج روحي بالله مخلصي
الإنسان الروحي يعيش في فرح دائم، سببه سلام في القلب لا ينقطع، وإيمان برعاية الله له. وحتى إن لم يكن حاضره يفرحه، فإن له رجاء في أن الله سيدبر كل شيء لصالحه.
الإنسان الروحي يملك عليه الفرح. حتى إن حزن، حزنه يتحول إلى فرح. هو في بشاشة دائمة، ملامحه مملؤة سلامًا، وفي ذهنه قول الرسول:
“افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا افرحوا”،
الكآبة يقدمها الآباء القديسون كحرب من حروب عدو الخير.
هكذا نقرأ في كتابات مار أوغريس، ويوحنا كاسيان، وكل الكتب النسكية. الكآبة من الثمانية أفكار المحاربة للنفس.
الشيطان يلقي الكآبة في قلب الإنسان، ليحوله إلى اليأس. ومن ثم يبعده عن الله، ويشعره أن الله لا يهتم به.
فتجد هذا الإنسان باستمرار كئيبًا، مضطربًا، حزينًا، حائرًا، غير واثق بمعونة الرب. وفي يأسه يمكن أن يستسلم لأي وضع. أما ابن الله المؤمن، فإنه يتغنى دائمًا بقول العذراء “تبتهج روحي بالله مخلصي“.
الفرح الزائف:
وعندما نتكلم عن الفرح، إنما نقصد الفرح الروحي، لأن هناك أنواعًا من الفرح الزائف، الفرح العالمي الخاطئ، أو الفرح الصبياني.
من أمثلة الفرح الصبياني: يونان الذي فرح باليقطينة، أو الابن الأكبر الذي اشتهى “جديًا يفرح به مع أصدقائه”. وفرح سليمان بتعبه الذي قال عنه فيما بعد إنه باطل وقبض الريح. ومنه أيضًا قول الكتاب: “قلب الجهال في بيت الفرح“.
ومن أنواع الفرح الخاطئ، الفرح بالمواهب الروحانية…
لقد فرح التلاميذ بأن الشياطين تخضع لهم، فقال لهم الرب لا تفرحوا بهذا، بل افرحوا بالحري أن أسماءكم قد كتبت في ملكوت السموات”. وهكذا ردهم من فرح خاطئ، إلى فرح روحي.
من أمثلة هذا أيضًا، فرحة التكلم بألسنة واشتهاء ذلك، والفرحة بالدموع في الصلاة وليس بعشرة الرب ومذاقته!
ومع أن بولس الرسول كان يتكلم بألسنة أكثر من الكل، لكنه حارب هذه الشهوة الباطلة، وفضل عليها أن ينطق خمس كلمات بفهم. ولما كثرت مواهب بولس الروحية، فلكي لا يرتفع من فرط الاستعلانات، أعطاه الرب شوكة في الجسد.
من الفرحة الخاطئة أيضًا الفرح بالماديات وأمور العالم الزائل… شهوة العين، وشهوة الجسد، وتعظم المعيشة. إنها فرحة الحواس، فرحة بالعالم الذي يبيد وشهوته معه…
على أن أسوأ أنواع الفرح الخاطئ، فرح الإنسان بسقطة عدوه.. فرحته بهلاك أعدائه وضياعهم.
لذلك يقول الكتاب” لا تفرح بسقوط عدوك، و لايبتهج قلبك إذا عثر، لئلا يرى الرب ويسوء ذلك في عينيه” (أم24: 17). ويقول أيضًا: “المحبة لاتفرح بالإثم” (1كو13).
الفرح الروحي:
مثل فرح التلاميذ عندما رأوا الرب، وفرح المجوس عندما رأوا النجم، وفرح الذين ذاقوا ونظروا ما أطيب الرب.
من أمثلة الفرح بالخلاص “امنحني بهجة خلاصك” “تبتهج روحي بالله مخلصي”. إنه فرح بالرب الذي يقودك في موكب نصرته.
خلاص من أعدائنا ومن جميع مقاومينا، تغنى به داود في المزامير:
“دَفُعت لأسقط والرب عضدني قوتي وتسبحتي هو الرب، وقد صار لي خلاصًا” “هلموا وأنظروا خلاص الرب” “الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون”. “لولا أن الرب كان معنا، حين قام الناس علينا، لابتلعونا ونحن أحياء. مبارك هو الرب الذي لم يسلمنا فريسة لأسنانهم. الفخ انكسر ونحن نجونا”.
افرح بخلاص الرب، من التجارب، من الخطايا، خلاص لك، ولأحبائك وللكنيسة. فرح أيضًا بخلاص الخطاة، هنا، وفي السماء يكون فرح بخاطئ واحد يتوب. تفرح وتسر، لأن أخاك هذا كان ميتًا فعاش، وكان ضالًا فوجد…
إنه فرح بالخلاص. “يسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات وأما أنت فلا يقتربون إليك” “لا تضربك الشمس بالنهار، ولا القمر بالليل” “يحاربونك ولا يقدرون عليك، لأني أنا معك يقول الرب، لأخلصك” “أنا معك حيثما تذهب، وأردك إلى هذه الأرض”.
الفرح بالخلاص هو فرح مقدس. وبه بشر الملاك الرعاة “ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لكم ولجميع الشعب. ولد لكم اليوم مخلص”. والفرح بالخلاص يكون أكثر سعادة.
إن الذين سقطوا وخلصوا، كانوا أكثر سعادة من الذين لم يسقطوا. الذين حوربوا وانتصروا أكثر سعادة ممن لم يحاربوا.
أنا أشعر بيدك يارب وهي تسد أفواه الأسود، وهي تشق طريقًا في البحر، وتفجر ماءًا من الصخر. لذلك يدخلني هذا الفرح في حياة الاختبار، اختبار عمل الله في حياتنا.
والذي يفرح بخلاص الرب لا يتكبر، لأن الخلاص صنعه الرب. ولم يكن بسبب قوتنا أو تقوانا… القدير صنع بي عجائب.
حاول أن تجلس بينك وبين نفسك، وتتأمل خلاص الرب، في حياتك وحياة الناس. كم مرة انتشلك الرب كشعلة من النار، دون أن تحترق. إن خلاص الرب قصة طويلة… قصة داود مع جليات، قصة مريم المجدلية التي أخرج الرب منها سبعة شياطين، قصة مريم القبطية وبيلاجية وموسى الأسود وأغسطينوس…
“دفعت لأسقط والرب عضدني”، يده انتشلتني. صوته رن في أذني “مالك ههنا يا إيليا” “كفاكم قعودا بهذا الجبل”.
“كنت مدوسة بدمك، ورأيتك وإذا زمنك زمن الحب. فحممتك بماء، ودهنتك بزيت. وجملت وصلحت لمملكة” (حز17).
أنت يارب المقيم المسكين من التراب، والرافع البائس من المزبلة، ليجلس مع رؤساء شعبك. وعندما يجلس هذا المسكين مع قديسيك، لا يقول سوى” تبتهج روحي بالله مخلصي”.
ولعل أجمل أنواع الفرح الروحي، الفرح بالرب وعشرته.
أعمق الفرح هو الفرح بالرب ذاته، وليس بعطاياه، ولا بمواهبه. الفرح بلقياه وبعشرته والتمتع به، ومذاقته.
والذي يحب الرب، يفرح بكل ما يتعلق به، بكلامه، ببيته، بأولاده، بخدمته، بملكوته، بمقادسه، بتجاربه، بصليبه…
“فرحت بكلامك كمن وجد غنائم كثيرة” “وجدت كلامك كالشهد فأكلته” “فرحت بالقائلين لي إلى بيت الرب نذهب” “مساكنك محبوبة أيها الرب إله القوات، تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى ديار الرب”…
قد تفرح بكلمة من كلام الله، وتجد فيها كنزًا من التأملات، تراها نورًا لسبيلك، وحلوة لحلقك، وسببًا كبيرًا لعزائك..
إنسان يفرح بالرب: منذ عرفه، عرف طريق الفرح. هو فرحان بالكلمة، وبالصلاة، وبالخدمة، وبعمل الله فيه، وبشركته مع الروح القدس، وبيد الرب التي تشكل حياته.
الخطية باستمرار تجلب الكآبة، والحياة مع الرب تجلب الفرح. أمور العالم قد تبدو مفرحة، ونهايتها حزن. وأمور الرب قد تبدو محزنة ونهايتها فرح “كحزانى ونحن دائمًا فرحون”.
خطية واحدة يمكن أن تحول حياتك إلى جحيم، إذا استيقظ ضميرك، ومهما هربت منها تتابعك وتتعبك. أما الحزن من أجل الله فإنه يتحول إلى فرح، ولا يستطيع أحد أن ينزع فرحك منه، فرح لاينطق به ومجيد.
الخطية تنزع فرحك، حتى عندما تلتقي بالرب نفسه..
آدم لما أخطأ، لم يفرح بلقاء الرب، بل اختبأ منه. والخطاة في يوم مجيء الرب يقولون للجبال غطينا وللتلال أسقطي علينا. وفي مجيئه تنوح عليه جميع قبائل الأرض. لذلك قيل عن مجيئه الثاني إنه “مخوف ومملوء مجدًا” وقيل” مخيف هو الوقوع في يدي الله الحي”.
الذي يفرح بالرب هنا، سيفرح بالرب هناك. والذي يرضيه الآن سيفرح بمجيئه الثاني، ويرتفع معه على السحاب.
إن فرحت بالرب سيحسدك الشيطان، ويهيج عليك جنوده، وتجاربه. فلا تهتم، بل احسبوه كل فرح حينما تقعون في تجارب منوعة.
أولاد الله يفرحون بالتجارب وبالصليب” لذلك أسر بالضيقات”
عالمين أن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الرب.
ولعل أعظم فرح، هو الفرح الأخير، بلقاء الرب.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الخامس والثلاثون) 27-8-1976م



