لست وحدك، إنك محاط بمعونة إلهية

لست وحدك، إنك محاط بمعونة إلهية
الناس يحبون باستمرار أن يسمعوا عن الرجاء، يريدون كلمة طيبة تعزي نفوسهم. يريدون أن يتأكدوا باستمرار إن الملكوت ليس صعبًا، وأن طريقة الوصول إليه سهلة.
لذلك إن سمعوا عن الكمال المسيحي ومتطلبات القداسة، قد يتعبون، وإن سمعوا عن الباب الضيق، وعن ضعف الإنسان وإمكانية سقوطه، يتعقدون!! فماذا نقول لهؤلاء؟
نقول إنك مطالب بالكمال والقداسة، وقد يبدو الطريق صعبًا ولكن المعونة الإلهية قادرة أن تمنحك كل شيء…
لست وحدك، إنك محاط بمعونة إلهية
الباب ضيق:
كان الرب صريحًا معنا. قال لنا “مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ، وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ! ” (متى7: 14).
وقال:”كونوا كاملين، كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل. كونوا قديسين كما أن أباكم الذي في السموات هو قدوس”.
إذن فنحن مطالبون بالكمال، ومطالبون “” الْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ، مطالبون بأن نكون صورة الله ومثاله..
بل أن الرب يقول لنا: ” مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ، ” (لو17: 10). لدرجة أنني قلت في إحدى العظات:
“إن درجة (عبيد بطالون) درجة كبيرة، لم نصل إليها بعد. ونحن لا نستطيع أن نجامل الناس على حساب الحق…
الخطية خاطئة جدًا، أقل سقطة ممكن أن تضيع الإنسان. وفي ذلك قال القديس باسيليوس:” ماذا أنتفع إن فعلت كل البر، وقلت لأخي يا أحمق، وأكون بها مستحقًا لنار جهنم، حسب قول الكتاب (متى5: 22)
ومع ذلك يقول يوحنا الرسول: “إن وصاياه ليست ثقيلة” (أيو5: 3). فكيف يمكننا أن نوفق بين الأمرين؟!
معونة إلهية:
أهم ما أقوله لكم أن الكمال المسيحي، إذا فصل عن المعونة الإلهية لا يمكن إدراكه. فنحن لا نجاهد بمفردنا، إنما معنا معونة إلهية يمكنها أن تعمل بنا كل شيء..
لو وضعنا أمامنا ضعف الطبيعة البشرية فقط، ما أخذنا صورة حقيقية عن عملنا الروحي، إنما إلى جوار ضعفنا توجد نعمة، قال بها بولس الرسول “أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني”.
معنا النعمة، ومحبة الله، وعمل الروح القدس…
أنها البركة التي تأخذونها في نهاية كل اجتماع “محبة الله الآب، ونعمة ابنه الوحيد، وشركة وموهبة الروح القدس، تكون مع جميعكم”. هذه هي المعونة الإلهية. الثاثون الأقدس كله معك. الآب بمحبتة، والابن بنعمته، والروح بمواهبه وشركته.
بركة الله معك، تبارك القليل الذي لك فيصير كثيرًا، تبارك إرادتك وقوتك… الرب يأخذك ترابًا من الأرض، ويجعلك صورة الله ومثاله. يقيم المسكين من التراب، ويجلسه مع رؤساء شعبه. المسكين هو طبيعتك المسكينة، يقيمها الله من الخطية، ويجلسها مع رؤساء شعبه من الملائكة والقديسين…
لا تقل أن الطريق طويل. قل أن الله سيسير معي في الطريق. لا تقل الوصية ثقيله، بل قل أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني. لا تذكر ضعفك، بل قوة الله…
هذه الوصايا سوف لا تنفذها ببشريتك، بل بروح الله الساكن فيك، المسيح الذي “يقودنا في موكب نصرته”.
لقد وعدنا بقوله “ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر”. وقال “لا أترككم يتامى” “لا أهملك ولا أتركك”.
وقال أيضًا “ستنالون قوة متى حل روح القدس عليكم” “ستلبسون قوة من الأعالي” أنتم الذين “لبستم المسيح”.
لم يتركنا الرب، بل وعدنا بأنه سيعطينا روحًا جديدة، وسيضع قلبًا جديدًا في داخلنا. نحن نصلي إليه ونقول:
قلبًا نقيًا أخلق في يا الله، وروحًا مستقيمًا جدده في أحشائي”. أليس هذا الخلق عملًا إلهيًا فينا، لخلاصنا؟!
إنك تعيش بشركة الروح القدس. روح الله يشترك معك في كل عمل صالح. نحن نقول في الأواشي: إشترك في العمل مع عبيدك. الله هو الممسك بأيدينا، يسير معنا في الطريق. لسنا نسير بمفردنا، بل نقول “أمسك يدي وقدني”..
حتى في التفاصيل، في مجرد الكلام، يقول لنا الرب:
“لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم” “أنا أعطيكم فمًا وحكمة لا يستطيع جميع أعدائكم أن يقاوموها…”.
ما أجمل كلمة الرب لإرميا النبي “قد جعلت كلامي في فمك، بل ما أجمل قول داود أيضًا “افتح ياربي شفتي، فيخبر فمي بتسبحتك” هو يعطي كلمة للمبشرين. وكما قال بولس “لكي أعطى كلمة عند افتتاح فمي”..
أنت مطالب بالكمال، ولكن لا تنظر إلى الكمال، منفصلًا عن عمل النعمة، أو منفصلًا عن الله العامل فيك.
إنك تنال معونة من الله، ومن ملائكتة أيضًا، الذين قيل عنهم:
“أليسوا جميعهم أرواحًا خادمة، مرسلة للخدمة، لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” لذلك تحيط بخائفيه وتنجيهم..
ملاكان أمسكا لوطًا وأسرته، وأخرجوهم من أرض سدوم. كانا يدفعانهم دفعًا للخروج. ولو ترك لوط لنفسه، ربما ما كان سيخرج قبل الحريق، ولكنها المعونة الإلهية التي أخرجته، دون أن يطلب، كما وصلته معونة أخرى من شفاعة إبراهيم.
هناك قوات خفية كثيرة، تعمل من اجل خلاصك، وأنت لا تدري… أرواح القديسين، والملائكة، ونعمة الرب.
لا تظن أنك وحيد في الطريق، بل قل “لست وحدي، لأن الآب معي. والروح أيضًا يشفع فينا بأنات لا ينطق بها صدقوني”.
إن المعونات الإلهية التي تأتينا دون أن نطلبها، أكثر بكثير جدًا من المعونات التي تأتينا بالطلب.
وبالمثل فإن التجارب التي نقاومها، أقل بكثير من التجارب التي كان ممكنًا أن تحل بنا، لولا أن الله منعها عنا قبل وصولها. مخاطر كثيرة أبعدها الرب عنا، ونحن لا نشعر.
وأنت حامل صليبك في طريق الجلجثة، يرسل الله قيروانيا يحمله عنك، دون أن تطلب..
إن وصية الله ليست ثقيلة، لأنها تحمل قوة تساعد على تنفيذها. إن العمل الذي تعمله، لست تعمله وحدك، بل الله يعمله فيك، ومعك
مهما بدا الطريق مظلمًا أو صعبًا أمامك، ومهما بدت قوة الشيطان مخيفة ثق أن الذين معنا أكثر من الذين علينا.
قل له: أنت يا رب معي، لن تتركني مهما تركتك. ولن تعاملني حسب طفولية أو صبيانية أعمالي. أنا ضعيف، ولكنك اخترت ضعفاء العالم، وأخزيت بهم الأقوياء الذين هم الشياطين…
إننا نطلب من الله في صلواتنا أن يقوم هو بتطهيرنا وتقديسنا. فنقول “طهر نفوسنا وأجسادنا وأرواحلنا” “انضح على بزوفاك فأطهر. واغسلني فأبيض أكثر من الثلج”.
لست أنا الذي أغسل نفسي، وإنما أنت الذي تغسلني فأطهر. “قلبًا نقيًا أخلق في يا الله”. أنا لا أملك هذا القلب النقي، وأنت الذي ستخلقه، ستوجده من العدم. أنت تجدد في أحشائي روحًا مستقيما… “توبني يا رب فأتوب”…
من طبيعة الشيطان أن يغرس اليأس والخوف في القلوب.
ولكننا سوف لا نصدقه. هو يقول إن الطريق صعب، أما نحن فيكفينا أن الله في هذا الطريق. هو يقول إن الطبيعة البشرية ضعيفة، ونحن نؤمن أنها تستطيع كل شيء في المسيح.
طريقة الشيطان إن ينسينا عمل الروح والنعمة ويشعرنا بالوحدة أمامه، لكي ينفرد بنا، ونخاف نحن منه، فنستسلم.
جيحزي خاف من قوة العدو، ولم ير قوة الله المعينة، فصلى من أجله أليشع “افتح يا رب عيني الغلام، ليرى أن الذين معنا أكثر من الذين علينا. وأنت كلما تضعف في الطريق الروحي، تذكر هذه الصلاة،”
عندما قال أشعياء “ويل لي قد هلكت، لأني إنسان نجس الشفتين، هرع إليه بسرعة واحد من السارافيم، وأمسك جمرة من على المذبح، ومسح بها شفتي أشعياء فتطهر.
لم يحتمل الملاك إطلاقًا أن يسمع قول أشعياء “ويل لي قد هلكت”. مع أنه من ملائكة التسبيح وليس الخدمة، إلا أنه أسرع لخدمة أشعياء، دون أن يطلب منه المعونة لمجرد صرخته..
في سفر زكريا النبي نري يهوشع الكاهن العظيم، والشيطان قائم عن يمينه ليقاومه. وإذا بملاك يتقدم ويقول “لينتهرك الرب يا شيطان لينتهرك الرب. أليس هذا شعلة منتشلة من النار”.
قطعة من الخشب وقعت في النار واشتعلت، ولكن قبل أن تحترق أدركتها رحمة الرب، فانتشلها من النار، دون أن تطلب.
وهكذ نري الملاك أيضًا يأمر بأن تخلع عن يهوشع ملابسه القذرة، ويلبسه ملابس مزخرفة. والرجل مذهول يتأمل عمل الرب فيه!
هل تظنون إن كل أعمالنا ناتجة عن إرادتنا؟ كلا، فهناك أعمال يعملها الرب من أجلنا، دون أن نطلب ودون أن ندري. مثلما حدث وأخرج الرب لوطًا من أرض سدوم، وكما أرجع الخروف الضال، وكما أنقذ خطاة يحبون الخطية ولا يريدون تركها.
يقول الرب “أبي يعمل حتى الآن، وأنا أيضًا أعمل”. وماذا يعمل سوى رعايتنا وخلاصنا؟ إنه ليس فقط معنا، وإنما هو أيضًا فينا، ساكن في أعماقنا.
كلما يحاربك شيطان، قل له هل تعلم من أنا؟ أنا هيكل الله، والروح القدس يسكن في. أتستطيع أن تقف ضد الروح القدس وتقاومه”. وهكذا أعتز بسكنى الله فيك.
أما إن حاربك بالكبرياء، فقل له أنا مسكين وضعيف.
تذكر عمل الله من أجلك، تذكر قوله لإرميا النبي: “هأنذا قد جعلتك اليوم مدينة حصينة، وعمود حديد، وأسوار نحاس على كل الأرض… فيحاربونك ولا يقدرون عليك، لأني أنا معك – يقول الرب – لأنقذك” (إر1: 18).
حقًا إن الله لا يترك عصا الخطاة تستقر على نصيب الصديقين…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الثاني والأربعون) 15-10-1976م



