فقدان المحبة الأولى

فقدان المحبة الأولى
كثيرون بدأوا حياتهم الروحية بحرارة قوية، وبصلة عميقة بالله، ولكنهم بمضي الوقت فقدوا هذه الحرارة وهذه الصلة، وأصبحوا يشتهون يومًا من أيام الماضي فلا يجدونه!! يشتهون أن يرجعوا إلى الوراء، إلى الأيام الحلوة القديمة، ولا يقدرون… فما هو السبب؟
لماذا يحدث أن يتعرف البعض على الله، ويلتقون به، ثم يفقدونه في الطريق؟! وينطبق عليهم قول الكتاب “عندي عليك أنك تركت محبتك الأولى” (أف2: 4)
أخطر ما قيل عن هؤلاء: “إن الذين استنيروا مرة، وذاقوا الموهبة السمائية، وصاروا شركاء الروح القدس، وذاقوا كلمة الله الصالحة وقوات الدهر الآتي، وسقطوا، لا يمكن تجديدهم للتوبة” (عب 6).
ما أعجب أن يصل اناس إلى هذا المستوى العالى، ثم يسقطون ويهلكون!! فما السبب؟ إنها أسباب متنوعة نذكر منها:
فقدان الانسحاق:
الإنسان الحديث العهد بالتوبة، هو إنسان منسحق القلب،
له صورة العشار الذي وقف من بعيد، ولم يجرؤ أن يرفع نظره إلى فوق، بل قرع صدره طالبًا الرحمة…
ولكن قد يحدث لمثل هذا الإنسان، بعد أن يصوم يومين في الإسبوع، ويعشر جميع أمواله، ولا يصير بعد من الظالمين الخاطفين الزناة… يحدث أن يرتفع قلبه، ويفقد انسحاقه.
وإذا فقد انسحاقه، يفقد روحياته، ويرجع إلى الوراء!
الإنسان القريب العهد بالتوبة، يقول للرب “لست مستحقًا أن أدعى لك ابنًا، إجعلنى كأحد أجرائك”.. ولكن قد يحدث لمثل هذا الإنسان، بعد أن يخدم أباه سنين هذا عددها، أن يتغير قلبه، ويقول لأبيه “قط لم تعطني جديًا لأفرح مع اصدقائي”…!
لقد تغير القلب. فقد انسحاقه القديم. فقد عبارة “لست مستحقًا” فقد الرهبة التي كانت تجعله يقف من بعيد. واذ ينسى خطاياه بطول الزمن، يرتفع قلبه، فتبعد عنه النعمة، فيسقط من جديد!
ليس أصعب من أن ينسى الإنسان خطيته، وتجف دموعه، ويضيع منه تذلـله، ويفقد الاتضاع، وإذ يبعد فترة عن السقوط يصير بارًا فى عيني نفسه.
قليل من الناس هم الذين قالوا مع داود “خطيتي أمامي في كل حين”، وصاحبهم شعور الانسحاق طول الطريق.
أكثر شئ يضيع الإنسان، ويرجعه إلى أخطاء الماضي، هو فقدان الانسحاق، وفقدان الشعور بعدم الاستحقاق، فقدان الدموع، وفقدان الإتضاع، وفقدان الشعور بالاحتياج إلى التوبة.
لذلك فإن الكنيسة المقدسة، التي تقدر قيمة الانسحاق في حياة المؤمن، جعلتنا نقرأ كل يوم فصل الإنجيل الخاص بالمرأة الخاطئة التي بللت قدمي المسيح بدموعها، فى الهجعة الثانية من صلاة نصف الليل، ونقول بعده:
“أعطني يا رب ينابيع دموع كثيرة، كما أعطيت في القديم للمرأة الخاطئة، واجعلنى مستحقًا أن أبل قدميك اللتين أعتقتاني من طريق الضلالة واقتني لي عمرًا نقيًا بالتوبة”.
يحاول البعض أن ينتقل بسرعة من حياة التوبة، إلى حياة الفرح، وإلى حياة الخدمة. وفي هذه العجالة يضيع ندمه وانسحاقه، وينشغل انشغالات تنسيه خطاياه.
إن أية خطية لا تستوفي حقها من التوبة والندم والمرارة والانسحاق، ممكن أن ترجع الإنسان إلى سقوطه القديم.
أحيانًا يساعد على هذا الأمر طيبة بعض آباء الإعتراف، الذين يتساهلون مع الخطايا، فيسمحون بالتناول مباشرة، بعد أية خطية أيًا كانت بشاعتها، دون عقوبة رادعة تشعر الخاطئ بفداحة خطيته ونجاستها، وجرحها لقلب الله.
الكنيسة كانت قديمًا في قمة القداسة وعمق الصلة بالله، حينما كان الخطاة يقفون في خورس الباكين، وخورس الراكعين، أو يقفون على الباب خارجًا يتضرعون إلى الداخلين أن يصلوا لأجلهم…
روتينية العبادة:
كثيرٍا ما تتحول حرارة العبادة إلى روتين وشكليات، ولا يشعر فيها الإنسان بأية صلة بالله.
يعتاد الشخص كل متطلبات العبادة، ويؤديها بلا روح. فهو يصلي، ويقرأ الكتاب، ويحضر الاجتماعات والقداسات، بل ويعترف ويتناول أيضًا، وكل هذا بلا روح.
يقرأ الكتاب المقدس، ولكن ليس كما كان من قبل يقرأ، وتتحول القراءة إلى علم وإلى فكر، أو إلى وعظ وتعليم، وإلى دراسة. وتتحول القراءة إلى مجرد معرفة!!
ثم تتحول الصلوات إلى واجب وإلى فرض. وتتحول الأصوام والمطانيات إلى لون من المسابقات الروحية تغذي المجد الباطل. وتسأل عن الروحيات في هذه العبادة، فلا تجدها…
والخدمة تتحول إلى لون من النشاط والحركة، إلى مجرد عمل، أو إلى نوع من الإدارة أو السيطرة أحيانًا. ويخدم الإنسان فى جو الكنيسة، وقد ينشغل بها عن روحياته، أو قد يفقد فيها روحياته، وهكذا يفقد الهدف في الطريق.
القراءة الروحية تفقد روحها، وتتحول إلى معرفة…
كان هذا العابد فى بدء توبته، يقرأ آية أو بضع آيات، فتفتح له مجالًا عميقًا للتأمل، ويجد أمامه كنزًا من الروحيات… أما الآن فإنه يقرأ إصحاحات كاملة، ولكن بدون عمق، وبدون فهم، وبدون روح، وبدون تفاعل داخل القلب مع كلمة الله.
قديمًا، كانت القراءة الروحية ترفع صاحبها إلى أجواء إلهيه وسمائية، ويجد في كل كلمة أعماقًا وأعماقًا، ربما بسببها يركع ويصلي، ويقول: أشكرك يا رب على هذه التعزية العميقة.
روتينية الحياة الروحية، تفقد الإنسان حرارته، وتفقده خشوعه وروحياته. وتصبح كل أعماله الروحية مجرد ممارسات بدون روح، وبدون الله نفسه. ويصبح الإنسان مجرد شبح يتمشى في الكنيسة، لا يتأثر بها، ولا يؤثر فيها…
ووسط هذا الروتين، يفقد الدموع، ويفقد الانسحاق، ويفقد التوبة، ويغطى على كل شعور بالندم، وقد تتحول حياة العابد إلى مجرد أصنام طقسية بلا حياة، ويحتار أين روحه، وأين شعوره بالله الساكن فيه.
أين الله الذى كنت أمسك به في الصلاة، وأثبت فيه وهو فيَّ، وأقول له “لا أتركك حتى تباركني”؟!
أين الله الذي كنت أكلمه فمًا لأذن، وأشعر بوجوده، أشعر بحرارة اللقاء معه، وبلذة العشرة والعلاقة، وصدق الحب الذي بيني وبينه؟ أين هو؟!
حاليًا، توجد معلومات دينية، ومعرفة، وخدمة وعبادة، وروتين، ولكن لا يوجد الله في الحياة ولا في العبادة…
ويحاول المؤمن أن يرجع إلى أول الطريق، ولا يستطيع… أين دموعه القديمة؟ لقد جفت.. أين خطاياه التي كان يبكي عليها، وينسحق بسببها؟ إنه لا يشعر بأن له خطايا، بل تغطي عليها ممارساته الدينية ونشاطه وخدماته! لا توجد سقطة ظاهرة تؤثر فيه؟ ولا هزة روحية تهزه…
أحيانًا يكون سبب ضياع الإنسان وفتوره الروحى، ليس هو فقدان الانسحاق، ولا الروتينية فى العبادة، وإنما المشغولية.
المشغولية:
إنسان يدخل إلى الكنيسة، ويرون فيه ذكاءًا أو نشاطًا، فيعهدون إليه بخدمات، وينشغل فى الخدمة، والوعظ، والتحضير، والافتقاد، والخدمة الاجتماعية، والجلسات الفردية…
ويبحث عن حياته وسط هذه المشغوليات، فلا يجدها.
كثيرون صاروا شعلة من النشاط، ولكن بلا حرارة. وشعلة من إنتاج، ولكن بلا روح. صاروا أشخاصًا يتحركون فى كل مكان، وروحياتهم ضائعة…
وآخرون انشغلوا بالبيت والأولاد، والعلاقات الاجتماعية، أو بالدراسات والشهادات والحياة العملية والمادية، وفقدوا روحياتهم.
ووسط المشغوليات، لا يجد الإنسان فرصة للجلوس مع نفسه، ليفحص ما فيها من مشاعر وأحاسيس، وما طرأ عليها من تغيرات ومن انحرافات.
وربما يجلس الإنسان إلى نفسه وتضيعه (التبريرات).
التبريرات والأعذار:
هذا شرك الأذكياء في الضياع الروحي، إذ يساعدهم عقلهم على خلق الأعذار، وتبرير كل سلوك وتصرف…
يستطيع أن يستخدم آيات الكتاب، وأقوال الآباء، للتغطية على أعماله، بتفسير خاص، وتأويل خاص. ويمكن أن تلبس خطاياه ثياب الحملان، وتتسمى بغير اسمائها: القسوة يسميها حزمًا، والإدانة يسميها غيرة.. وهكذا.
مساكين هؤلاء الأذكياء الذين يستخدمون ذكاءهم في تبرير ذواتهم، وحكماء هم الودعاء الذين يقبلون التبكيت في صمت.
لابد أن يهتم الإنسان بنفسه، ويفحصها في عدل وصدق، ويرى في أية الطرق هي سائرة. ويضع أمامه قول الرب…
(ماذا ينتفع الإنسان، لو ربح العالم كله وخسر نفسه).
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الحادي والأربعون) 7-10-1976م





