الجدية في الحياة الروحية

الجدية في الحياة الروحية[1]
أود أن أحدثكم اليوم عن الجدية في الحياة الروحية:
ما هي هذه الجدية؟ وما علاماتها؟ وما نتائجها بالنسبة للشخص الروحي، وبالنسبة للذين يفقدونها…
الجدية في الحياة الروحية
الإنسان الذي يسلك بجدية في أي عمل وفي أي مشروع يمكنه النجاح أكثر من الذي يأخذ الأمر باستهانة. لأن الجدية تعطيه حرارة ومثابرة، وتدفعه إلى إتقان العمل.
وهكذا فإن الذين يسلكون بالجدية، يضعون أمامهم الكمال والمثالية.
إنسان يسير في حياته الروحية بجدية، يضع أمامه الآية التي تقول: “فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ” (مت5: 48)، وأيضًا: “كونوا قديسين كما أن أباكم الذي في السموات هو قدوس”. ويسعى نحو هذا الكمال بكل قوته، ويجاهد لكي يحصل على القداسة التي بدونها لا يعاين أحد الرب.
وهكذا فإن الشخص الذي يسلك بجدية، يتقدم كل يوم خطوة.
إنه في نمو دائم، لأنه سائر في طريق الرب بكل قوته، بكل ما وهبه الله من نعمة ومن إمكانيات. كل يوم يزداد معرفة بالرب، ويزداد التصاقًا به، وكل يوم يزداد عمقًا، ويكتسب فضائل جديدة، ويقترب من الله أكثر..
وهكذا عاش القديسون، في جدية، وفي نمو مستمر:
خذوا مثالًا، قديسي التوبة، الذين كانوا جادين في توبتهم. وليس أنهم فقط لم يرجعوا إلى الخطية مرة أخرى، بل بالأكثر نموا في النعمة، حتى وصلوا إلى النقاوة، وإلى القداسة، وسعوا نحو الكمال، وصاروا قادة في الروحيات. فـ أغسطينوس صار ينبوعًا من التأملات الروحية، وموسى الأسود صار من آباء الرهبنة ومرشديها، مريم القبطية صارت من السواح، وباركت القديس زوسيما…
هؤلاء الجادون وضعوا أمامهم قول بولس الرسول: “ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا” (1كو9: 24). وهكذا ساروا بسرعة في طريق الرب.
وهكذا نجد أن القديسين – بجديتهم – وصلوا بسرعة…
أنظروا إلى القديس تادرس تلميذ الأنبا باخوميوس، أو إلى القديس يوحنا القصير. لقد صار كل منهما مرشدًا لكثيرين، وهو بعد شاب صغير، حدث في الرهبنة. وفاق الشيوخ في أيامه.
القديس الأنبا شنوده دخل في القداسة وهو طفل في التاسعة من عمره، وكان يرفع يديه فتضيء أصابعه كأنها شموع. وهكذا ظهرت قداسة القديس مرقس المتوحد في طفولته، وكذلك القديس تكلا هيمانوت، ومكسيموس ودوماديوس، لأنهما أخذا الحياة الروحية بجدية، دخلا في العمق وهما في سن الشباب. والقديس ميصائيل السائح وصل إلى درجة السياحة وهو في السابعة عشر من عمره. والقديس يوحنا المعمدان أعد الطريق للرب – بجديته – في حوالي السنة…
إن الإنسان الجاد، لا يعرف التراخي ولا النوم..
لا ينام متكلًا على عمل النعمة، أو متكلًا على المعونة الإلهية، لأنه مكتوب: “مَلْعُونٌ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الرَّبِّ بِرِخَاءٍ” (إر48: 10)، الإنسان الجاد لا يعرف معنى التهاون مطلقًا، لأن التهاون لا يتفق مع الجدية. إنما الجاد يُتعب نفسه إلى أقصى ما يستطيع، وكما قال الرسول: “كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ” (1كو3: 8). هكذا قال الرب لملاك كنيسة أفسس: “أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ” (رؤ2: 2)، “قَدِ احْتَمَلْتَ… مِنْ أَجْلِ اسْمِي وَلَمْ تَكِلَّ” (رؤ2: 3).
حياة الجدية أدخلت القديسين في حياة الجهاد…
هذا الجهاد الذي يطلبه الكتاب، موبخًا إيانا بقوله: “لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ” (عب12: 4). وهكذا فإن الإنسان الجاد، يكون في عمله الروحي أمينًا حتى الموت. يدخل في الحياة الروحية بكل قوته، بكل إمكانياته.
والإنسان الجاد لا يتساهل أبدًا في الحياة الروحية، ولا يبحث عن الحلول الوسط، ولا يلتمس التبريرات…
إنه لا يتفاوض أبدًا مع الخطية. لا يأخذ معها ويُعطي، بل بكل حزم يتصرف. كما فعل يوسف الصديق وقال: “كَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟” (تك39: 9)، وبكل صلابة وحزم قاوم الخطية، وهرب من مكانها، واحتمل ما احتمل.
وهكذا نجد أن الذي يسلك بجدية، لا يتردد أبدًا.
إنما يتردد الشخص الذي لم يستقر بعد، الذي لم يتخذ قراره النهائي الحاسم. أما الشخص الجاد في روحياته، فإن هدفه ثابت أمامه. وقد ركز كل اهتمامه في هذا الهدف، بإرادة لا تتفاهم وإنما تنفذ.
خذوا مثالًا لذلك إبراهيم أبا الآباء، لما أمره الرب بأن يقدم ابنه الوحيد محرقة.
كيف أنه بكّر صباحًا جدًا، في تصميم، قبل أن تصحو سارة، وأخذ ابنه مع الحطب والسكين، وفي عزم بنى المذبح وربط ابنه فوق الحطب، ورفع السكين ليذبحه، دون تردد…
وبنفس الطريقة تصرف إبراهيم، لما أمره الرب أن يترك أهله وعشيرته، ويذهب إلى الجبل الذي يريه إياه. لقد أطاع بلا تردد، وخرج وهو لا يعلم إلى أين يذهب…
إن الجاد في روحياته، لا يعرج بين الفرقتين…
لقد وبخ إيليا النبي أهل زمانه قائلا لهم: “حَتَّى مَتَى تَعْرُجُونَ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْنِ؟ إِنْ كَانَ الرَّبُّ هُوَ اللهَ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْلُ فَاتَّبِعُوهُ” (1مل18: 21). لذلك فالمؤمن الجاد لا يعطي ساعة لربه وساعة لقلبه، لأن قلبه عند ربه، وربه في قلبه. وهو لا يعبد سيدين، ولا يخدم اثنين..
إنه ليس إنسان ينزل ويعلو، ويغطس ويطفو، كل وقت هو في حال. كلا، بل هو يعرف هدفه تمامًا ويسير فيه بجدية، إنه يحب الرب من كل قلبه، ومن كل فكره، ومن كل قوته، ولا يوجد في داخله أي منافس للرب..
حياة الجدية درّبته على الحل الحازم القاطع السريع…
إنه لا يفكر بطريقة مائعة، ولا يتحرك بطريقة زئبقية. وإنما هو ثابت راسخ، كما قال الرسول: “كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ” (1كو15: 58). حينما صمّم على الحياة مع الله، أحب الله من كل قلبه، ورفض العالم من كل قلبه. ولم يعد يزن الأمرين. لقد اجتاز مرحلة التفضيل، ودخل في ثبات التصميم الذي يقول “مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ” (يع4: 4)، “إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ” (1يو2: 15). هنا الحزم القاطع، وعدم المفاوضة مع الشر..
لذلك فالمؤمن الجاد، قلبه خالص للرب…
لا يوجد له هوى خاص، ولا متعة أخرى غير الرب. وليست له مشيئة خاصة غير مشيئة الرب. وإنما هو بكل قلبه يقول: “خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ” (في3: 8).
والمؤمن الجاد، لا ترضي ضميره الشكليات أو المظاهر…
إن جديته جعلته يلقي شباكه في العمق، ولا يمكن أن تريح ضميره أية شكليات في العبادة.
لا ترضيه كلمات يقولها في الصلاة بغير تأمل، بغير فهم، بغير خشوع، بغير إيمان.. ولا يستطيع في هذا أن يقول “لقد صليت”. هذه الشكليات لا تتفق مع جديته. وهو لا يخدع نفسه ويقول قرأت إصحاحًا في الكتاب، إن كانت قراءته بغير تركيز، وبغير فهم، وبغير تطبيق عملي في حياته…
الإنسان الجاد في روحياته، بعيد عن النكسات.
إن تقدمه المستمر، لا يعطي فرصة للرجوع إلى الوراء. يقول أحد القديسين: “لا أتذكر أن الشياطين أطغوني في خطية واحدة مرتين”. ربما سقط في الخطية عن جهل، عن خديعة من الشيطان. ولكنه بعد أن عرف مكره، لا يسمح له بإسقاطه مرة أخرى. إنها جدية في التوبة..
لا شك أن امرأة لوط لم تكن جادة في خروجها من سدوم لذلك نظرت إلى الوراء، وهلكت.
أما الشخص الجاد، فمتى وضع يده على المحراث، لا ينظر مرة أخرى إلى الوراء، ولا يشتاق إلى الخطية..
وعلى هذا الأساس، نقول إن شعب إسرائيل لم يسلك في التوبة بجدية حينما خرج من أرض مصر. ولهذا نراه قد اشتاق إلى ما في مصر من سمك ولحم وثوم وكرات. إنه كامرأة لوط قد نظر إلى الوراء…
الشخص غير الجاد في روحياته، معرض للنكسات.
قد يبدأ بالروح، ويكمل بالجسد، لأنه لم يسلك بجدية. وهكذا يترك محبته الأولى، ويتعرض لفقد إكليله. إن شمشون لم يكن على مستوى الجدية مع الله أثناء علاقته مع دليلة، لذلك تعرض لنكسة خطيرة وسقط.
أما يفتاح الذي كان جادًا في نذره، فلم يسقط أبدًا، مع أن التجربة التي تعرض لها كانت فوق الطاقة.
يذكرنا هذا الأمر بكثيرون لا يكونوا جادين في نذورهم.
قد يبدو جادًا حينما ينذر. وحينما يهبه الله ما يريد، يبدأ في التفكير من جديد: هل يمكن استبدال النذر بآخر؟ هل يمكن تأجيل التنفيذ؟ هل يمكن التقسيط؟ والبعض قد لا يفي على الإطلاق، ويفقد جديته في نذره.
بل كثيرا ما نفقد هذه الجدية في وعود كثيرة مع الله.
كم من وعد وعدنا به الله ولم ننفذ! كم من تعهدات لنا لم نحترمها ولم نلتزم بها! بل كم من مسئوليات تحملناها رسميًا أمام الله، ولم نف بواجباتها بسبب عدم سلوكنا في الحياة الروحية بجدية.
أين تعهداتنا يوم جحدنا الشيطان في المعمودية، وجحدنا كل حيله وكل جنوده وكل أفكاره؟! ثم رجعنا..
أين تعهداتنا في كل مرة نعترف فيها ونتناول؟!
وبسبب عدم الجدية، كثيرًا ما يندم الإنسان على سيره في طريق الله، أو يتذمر أو يتضايق..
حينما يسير في الطريق الروحي، ويشعر بثقل الصليب على كتفه، أو يشعر بتعب من الطريق الكرب والباب الضيق، أو حينما تصيبه تجربة من الشيطان الذي يحسد روحياته… حينئذ قد يندم، أو يحسد الأشرار، أو يخطئ. كما خاف بطرس وفقد الجدية الخاصة بوعده “إن أنكرك الجميع فأنا لا أنكرك”، “وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ” (مت26: 33، 35).
الجدية في الحياة الروحية أيضًا، لا تقبل التأجيل…
كما قال الابن الضال: “أقوم الآن وأذهب إلى أبي”. وبالفعل قام في الحال وذهب إلى أبيه. أما أغريباس الملك الذي قال لبولس الرسول: “بِقَلِيل تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا” (أع26: 28)، لا شك أنه لم يكن جادًا وكذلك حينما قال فيلكس لبولس الرسول: “أَمَّا الآنَ فَاذْهَبْ، وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ أَسْتَدْعِيكَ” (أع24: 25). إن تأجيله دل على عدم جديته… وهكذا كل تأجيل سواء في التوبة، أو في الاستجابة لعمل النعمة، أو في قبول الخدمة، أو في القيام بأي عمل روحي..
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “الجدية في الحياة الروحية”، نُشر بمجلة الكرازة 14 يوليو 1978م




