القوة علامة للروحيين

القوة علامة للروحيين
أريد أن أكلمكم اليوم عن عمل الروح القدس في القلب. الروح القدس له عمل في الإنسان، وله ثمار وردت في (غل5: 22)، وله مواهب وردت في (1كو 14). وعندما يعمل الروح في القلب، يظهر عمله واضحًا بعلامات، لعل من أظهرها: القوة:
القوة علامة للروحيين
الإنسان الروحي شخص قوي. له قوة من فوق، من عند الله، لا يستطيع أحد أن يقاومها.
والدليل هو قول السيد المسيح (لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم. وحينئذ تكونون لى شهودًا)
إننى متعجب من أولاد الله الذين يحسبون الوداعة لونًا من الضعف، بينما يبدو أولاد العالم أقوياء، يستطيعون أن يصلوا إلى أغراضهم، ولهم شخصيات قوية.!
ينبغى أن يكون أولاد الله أقوى من أهل العالم، والخير أقوى من الشر، والحق أقوى من الباطل، والروحانية أقوى من العلمانية.
الشخص الذي يعمل فيه الروح القدس، يتحول إلى إنسان قوى: قوى في شخصيته، وفي فكره، وفي كلامه. قوي في صلواته، قوي في خدمته، وفي كل شيء.
ومن أمثلة هذه القوة، بولس الأسير أمام آسريه…
كان مقيداً بالسلاسل أمام فيلكس الوالى. ومع ذلك لما تكلم عن البر والدينونة والتعفف، إرتعب فيلكس الوالى. إرتعد صاحب السلطة والنفوذ أمام هذا الاسير القوى.
- والقياس مع الفارق، كان السيد المسيح أمام بيلاطس كان بيلاطس خائفًا من المسيح. جلال المسيح سيطر عليه، فتلمس كل حيلة لكي يطلقه، وقال (لست أجد علة في هذا البار). كان المسيح أقوى من صالبيه، وممن حكموا عليه.
- كذلك كان الشهداء أقوياء، حار فيهم الولاة والحكام.
- مار جرجس لم يقو عليه عدد من الملوك. وكثير من الشهداء ضعفت أمامهم كل وسائل التعذيب، وكل ألوان الإغراء. وأخيرًا قتلهم مضطهدوهم وهم يشعرون بالعجز وقلة الحيلة.
المسيحية العزلاء كانت أقوى من الامبراطورية الرومانية بكل أسلحتها:
وأخيرًا دانت الامبراطورية بالمسيحية، وسجد أباطرتها أمام الصليب الذي حاربوه، أريانوس الوالى الذي قتل آلافًا من المؤمنين، آمن أخيرًا. ولونجينوس الجندى الذي طعن المسيح بالحربة، صار شهيدًا مسيحيًا. والامبراطورية الرومانية الوثنية صارت الامبراطورية الرومانية المقدسة …
- والمسيحية التي كانت تبدو ديانة الصيادين الجهلة، استطاعت أن تنتصر على جميع الفلسفاتمامأأ
، والجهال أمكنهم أن يخزوا الحكماء.
للأسف هناك أشخاص يتدينون، ويخجلون من تدينهم، ويبدون ضعفاء أمام أهل العالم!! أما داود النبى فيقول: (تكلمت بشهاداتك قدام الملوك، ولم أخز).
لماذا تقف إذن ضعيفًا أمام الأشرار، يتهكمون عليك، ويسخرون بتدينك، ويتخذونك أضحوكة لهم؟!! تذكر أن من يحل فيه الروح القدس، ينال قوة من الأعالى…
هذه القوة هى التي قال عنها الرب لتلاميذه (لاتبرحوا أورشليم، حتى تلبسوا قوة من الأعالى). ولهذا قال إنه لا يمضي هذا الجيل حتى يكون ملكوت الله قد أتى بقوة…
لا أجد قوة أعظم من قوة العصر الرسولى العجيب…
قوة في التبشير، وفي الكلمة… وإذا بالمسيحية في مدى ثلاثين عامًا نراها قد انتشرت في فلسطين وفي سوريا، وانتقلت إلى آسيا الصغرى، وامتدت غربًا إلى اليونان وإيطاليا وإلى أسبانيا، وشرقًا إلى العرب والعراق والهند، وجنوبًا إلى مصر وإلى الحبشة… قوة عجيبة كانت من الروح القدس.
لم تكن قوة بشرية، وإنما قوة الله نفسه…
قوة في الكلام:
قال لهم “لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم”. الواحد منهم كان يتكلم. والروح ينطق. لذلك حسنًا قيل عن الروح القدس: “الناطق في الأنبياء”.
حقًا ما أجمل قول الرب لتلاميذه (أعطيكم فمًا وحكمة، لا يستطيع جميع أعدائكم أن يقاوموها) فمًا وحكمة من روح الله القدوس. لذلك كانت كلمة الرب قوية في أفواههم.
بطرس يلقى عظة، فيحول 3000 إلى الإيمان!! أنها كلمة من الروح. لذلك قيل (كلمة الله قوية وفعالة، كسيف ذى حدين).
إنسان روحى يقول لك كلمة، فتدخل إلى عقلك، وإلى قلبك، تحاول أن تقاومها فلا تستطيع. الكلمة تحاصرك. تتذكرها في صحوك، وتحلم بها في نومك. وتظل تطاردك، لاتستطيع أن تهرب منها. إنها قوة الكلمة.
كلمة البشر هى مجرد كلمة تسمعها، أما كلام الله فتوجد قوة في داخلها، قوة على الإقناع والتأثير، وقوة على التنفيذ لذلك قيل عن كلمة الله أنها (لا ترجع فارغة).
إسطفانوس رئيس الشمامسة كان مملوءاً من الروح القدس والحكمة. ووقف أمام ثلاثة مجامع من الهراطقة، ولم يستطيعوا أن يقاوموا الروح ولا القوة التى كان يتكلم بها.
قوة في الصلاة وفي الحياة:
وصل الرسل فتزعزع المكان، وكانت الصلاة تقتدر كثيرًا في فعلها، كأنها مفاتيح للسماء، سريعة في استجابتها.
هناك غير قوة الكلمة، وغير قوة الصلاة، قوة الإنتصار على الخطية. الإنسان الروحى يقوده الرب في موكب نصرته.
أما الخاطئ فإنسان ضعيف، لا يقوى على الخطية.
- الإنسان الروحى هو أيضًا إنسان قوى في المجتمع الذي يعيش فيه. هو الذي يؤثر في المجتمع. وليس المجتمع الذي يؤثر عليه. يترك تأثيره على جيله، وربما على أجيال أخرى تتبعه.
هناك قديسون ما يزال تأثيرهم قويًا عبر الأجيال، إمتد إلينا خلال القرون في أقوالهم وتأثير سيرتهم الطاهرة.
الأنبا انطونيوس الذي وضع نظام الرهبنة، وانتشرت مبادؤه في العالم كله، كان قويًا. قويًا إذ آمن بفكرته آلاف وملايين. كان قويًا لأنه انتصر على العالم والمال والرغبات والشهوات، ولأنه انتصر على الشياطين، وإحتمل الوحدة والسكنى في القفر.
إذا كنت ضعيفًا، راجع نفسك: ربما الروح القدس لا يعمل فيك، أو أنك فقدت الروح القدس داخلك، لذلك صل وقل: اعطنى يارب قوة الروح وعمله في.
اعطنى يارب قوة من عندك، انتصر بها في الداخل وفي الخارج أيضًا. قوة لا للإفتخار، بل للثبات فيك… ولا تترك الرب، إلى أن تلبس قوة من الأعالى.
إنسان لايقدر على محاربة الأفكار، هو إنسان ضعيف. أما بولس الرسول فيقول (مستأسرين كل فكر لطاعة المسيح).
كل فكر يحاول أن يتمرد على طاعة الرب، نأسره، نأتي به أسيرًا مقيدًا بالسلاسل، خاضعًا لمشيئة الروح.
هناك اشخاص روحانيون، تخافهم الشياطين وتهرب منهم:
القديس أبا مقار نفي من الأريوسيين إلى جزيرة فيلا. فلما دخلها صرخت الشياطين منه. وإبنة كاهن الأوثان كان عليها شيطان فتركها وهرب. وآمنت الجزيرة كلها… والسيد المسيح كانت تصرخ عند لقياه الشياطين.
اثنا عشر رسولا تركهم المسيح، كانوا أقوي من آلاف وملايين…
كانوا جبابرة بأس، أقوى من بلاد وأقطار وقارات. جدعون لما ظهر له الملاك، قال له الرب معك يا جبار البأس، عجيب جدًا هذا التعبير عن القوة.
أولاد الله هم جبابرة بأس، جبابرة في الروح.
“تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار” هكذا قال المزمور “إستله وأنجح واملك”. “نبلك مسنونة في قلب أعداء الملك أيها الجبار”. وقيل عن تخت سليمان إن حوله 60 جبارًا. كلهم يحملون سيوفًا ومستعدون للحرب.
من جبروت هؤلاء الناس أن عصورهم كانت تتسمى بأسمائهم.
فنقول عصر اثناسيوس مثلا، لأنه كان عماد هذا العصر، ونقول عصر موسى وعصر إيليا.. هذه هي قوة الروح القدس التي كان يلبسها هؤلاء الأبرار، ويلبسونها لأجيالهم، فتتشكل بروحياتهم.
هناك فرق كبير بين القوة الروحية والقوة العلمانية:
قوة العالم للبطش، وللإساءة، للظلم، للحرب، لإذلال الآخرين، قوة غاشمة، قوة جاهلة، أما القوة الروحية، فهي قوة داخلية باطنية قبل كل شئ. قوة في الروح، في بناء الملكوت. إن أولاد الله أقوياء. ونحن لا نفرح بكثرة العدد، إنما بقوة الروح العاملة في الناس.
عندما نقول كنيسة روحية، إنما نقصد كنيسة قوية. وعندما نقول كنيسة قوية، فمعنى هذا أنها كنيسة روحية. داود الشاب الصغير، كان أقوى من شاول الملك، لأن روح الرب كان عليه. لذلك كانت تخافه الشياطين التي ترعب شاول الملك. وكان داود أقوى من جليات الذي خافه الجيش كله.
مزامير داود كانت أقوى من شياطين شاول، وحصاة داود كانت أقوى من سيف جليات. إنه يمثل قوة الله في الضعف البشرى. على الرغم من صغر سنه، كان أقوى من الكبار.
ما سبب ضعف الخدمة في كثير من الكنائس؟
سببه أن الخدام تقدموا للخدمة، قبل أن ينالوا قوة من الروح..
لذلك صلي قبل أن تخدم. قل أعطني يارب كلمة، وأعط الكلمة قوة وتأثيرًا.
أعطنى يارب روحك أعمل به، ويعمل في. أعطنى هذه القوة التى بدونها لن أخدم.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد السادس والثلاثون) 3-9-1976م


