تأملاتنا في سفر نشيد الأناشيد – تعالَ يا حبيبي لنخرج إلى الحقل

تأملاتنا في سفر نشيد الأناشيد
تعالَ يا حبيبي، لنخرج إلى الحقل
موضوعنا هذه الليلة في قول النشيد: “أنا لحبيبي، وإليّ اشتياقه. تعال يا حبيبي لنخرج إلى الحقل، ولنبت في القرى. لنبكرن إلى الكروم، لننظر هل أزهر الكرم، هل تفتح القعال، هل نوّر الرمان؟ هناك أعطيك حبي” (نش7: 10- 12)
أنا لحبيبي:
لست للعالم، ولست للمادة، ولست لأي شيء آخر، بل أكثر من هذا أنا لست لذاتي، أنا لحبيبي…
إنه لون من تخصيص النفس لله، تكريسها له..
وهي عبارة تكررت كثيرًا من سفر النشيد: “أنا لحبيبي وحبيبي لي” لقد وهبته الحياة كلها، لأنه صاحبها، قد اشتراها بدمه، فلم تعد لي، وإنما له. وقبل شرائها بدمه، هو صاحبها، لأنه خالقها من العدم. فلتكن مكرسة له…
الله هو الذي أعطاك هذا الوجود والكيان، وهذه الحياة، فأصبحت له. تذكر باستمرار أنك لحبيبك الذي خلقك وافتداك. وهو الذي سيبقى معك إلى الأبد، أما العالم فسيبيد وشهوته معه.
وإن لم تستطع أن تكرس حياتك كلها للرب، فعلى الأقل يمكنك أن تكرس محبتك وقلبك.
“أنا لحبيبي، وإليّ اشتياقه”، إنه يشتاق إليك، إلى نفسك. ينظر إلى قلبك، ويقول في شوق: “ها هو موضع راحتي إلى أبد الأبد ههنا أسكن لأني اشتهيته”. الله مسرته في بني البشر شوقه أن يسكن وسط شعبه…
الحب لله على نوعين: أحدهما مظهره الجلوس مع الله، في حب، في عبادة، في صلاة، في تأمل، في شركة جسده ودمه.
والنوع الثاني هو أن تظهر محبتك لله بالخدمة: تحب ملكوته وكنيسته وأولاده. وتظهر محبتك بأن تدعو الناس إلى محبته…
سمعنا في إنجيل اليوم أن الرب قال لسمعان بطرس: “أتحبني؟ ارع غنمي، ارع خرافي”. إن كنت تحبني حقًا، إشترك معي في بناء الملكوت “وفي جذب الناس إليه.
هل يوجد حب أعظم من حب الملائكة لله. هؤلاء الملائكة قيل عنهم إنهم: “أرواح خادمة، مرسلة للخدمة، لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب1: 14)، وإنها حالّة حول خائفيه وتنجيهم. أنت أيضًا ملاك، أرسلك الله للخدمة، لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص.
صدقوني، إن الدعوة للخدمة هي دليل على تواضع الله…
الله يستطيع أن يقوم ببناء الملكوت وحده. ليس هو محتاجًا إلى مواهب الإنسان أو إلى مجهوده، فمواهب الإنسان ومجهوده هما أيضًا عطية من الله. إن الله من تواضعه يشركنا معه في العمل، ويقول “تعال ياحبيبي، لنخرج إلى الحقل”.
وهو أيضًا يرفع معنوياتنا باشراكنا معه في العمل..
أنا يا إبني أستطيع أن أعمل العمل كله وحدي، ولكني أريد أن أشعرك بأنك تستطيع أن تعمل شيئًا، أريد أن أفرحك بعمل النعمة فيك، أريد أن تفرح معي بنجاح أخوتك وخلاصهم، وتكون شريكًا لي في هذا العمل الروحي. تعال يا حبيبي، لنخرج إلى الحقل
والحقل يرمز باستمرار إلى الكنيسة، إلى مكان عمل الله..
يقول الكتاب عن الرب: “خرج الزارع ليزرع”، خرج إلى الحقل، يلقي بذار النعمة. فتعال نخرج معًا إلى الحقل.
إنها تعزية كبيرة أن نخرج مع الله، ولا نخرج بمفردنا.
لو كنا نعمل وحدنا، لكان العمل يبدو صعبًا علينا. ولكننا هنا ندخل في شركة الروح القدس. يعجبني أن أتأمل منظر كل خادم، كل واعظ وكل كاهن، سائرًا في طريق الخدمة إلى جوار الله، يده في يده، يعملان معًا. كما قال بولس عن نفسه وعن سيلا: “نحن عاملان مع الله” (1كو3: 9). فتعال يا حبيبي، لنخرج إلى الحقول، ونبيت في القرى.
جميل أن نلحظ اهتمام الرب بالقرى. المدينة مزدحمة بالخدمة وتستهوي الناس بامكانياتها. أما القرية فمحتاجة إلى الخدمة…
لذلك قيل عن السيد المسيح إنه كان “يطوف المدن والقرى، يكرز ببشارة الملكوت…”. وعندما أقول القرى، لا أقصد مجرد الريف. ففي مدينة عظيمة كالقاهرة، توجد أحياء لها طابع القرى، فقيرة، وأحياء عمال وصناع، وأحياء شعبية… محتاجة.
يعجبني في قصة الخليقة، أن الله بعد أن خلق الجنة، وضع فيها آدم، لكي يعمل فيها ويحفظها (تك2: 15).
لم يكن آدم يعمل ليأكل، فالرزق كان وفيرًا، أكثر من احتياجه ولكنه كان يعمل لأن العمل مفيد له روحيًا وجسديًا.
الذي يعمل ربما يحاربه شيطان واحد. أما الذي لا يعمل فتحاربه شياطين كثيرة. لا يوجد أصعب من الفراغ، ولا أشد من حربه. “وعقل الكسلان معمل للشيطان” كما يقولون”.
الذي لا يعمل، تتعبه الأفكار، وتشغل ذهنه بما لا يليق.
فما دام العمل لازمًا. تعال اعمل معي، ولنخرج معًا إلى الحقل.
في هذا العمل الروحي، سيمتلئ عقلك بالأفكار الروحانية، ويمتليء قلبك بمحبة الله والناس. وستحيا في الروحيات، في جو نقي…
تأكد أنك سوف تستفيد من الخدمة أكثر مما تفيد غيرك.
لذلك نحن نعتبر الخدمة من الوسائط الروحية التي تنمّي حياة الإنسان. تأكد أنك ستأخذ بركة من الخدمة. إنها دعوة لكل إنسان أن يعمل في الملكوت.
لا يوجد أحد ليس له عمل في بناء الملكوت…
الكنيسة هي جسم المسيح، وأنت عضو فيه. تؤثر وتتأثر. تأكد أنك لو امتلأت بالمحبة، لوجدت ذاتك تخدم تلقائيًا.
العجيب في عبارة النشيد، أنها دعوة للخدمة (على الجاهز).
“لنبكرن إلى الكروم… لننظر هل أزهر الكرم؟ هل نور الرمان؟ إذًا هناك حقل، وكروم، ورمان. وأنت قد دعيت لتعمل في ما لم تتعب فيه.
في بدء تدريب التلاميذ على الخدمة. قال لهم الرب في قصة هداية السامرة: “الحقول ابيضت للحصاد. أنتم دخلتم على ما لم تتعبوا فيه” وهكذا الدعوة في النشيد…
آباؤنا الأول تعبوا، غرسوا وسقوا، وعملوا في أراض جرداء لم تكن فيها حقول ولا كروم. ذهبوا إلى بلاد لا إيمان فيها، ولا كنائس، بل فيها مقاومات للإيمان.
أما نحن، فالدعوة سهلة: تعال لنخرج إلى الحقل. النفوس المؤمنة موجودة، الأشجار نامية، ولكنها تحتاج إلى ري، إلى تسميد، إلى عناية، إلى افتقاد: لننظر هل أزهر الكرم، هل نور الرمان. فهل هذا القليل، لا نستطيعه أيضًا؟!
إن كل عمل تعمله، تسبقك النعمة إليه، فتعده لك.
تعد القلب والفكر لسماع الكلمة التي تقولها أنت، وتعمل في الإرادة لتتأثر بها، وحتى هذه الكلمة التي تقولها سأعطيك أنا إياها. ثم أخرج معك إلى الحقل لنرى هل أزهر الكرم…
تعال معي، لا تضيع وقتك في العالميات. كفاك صيدًا للسمك، أترك شباكك، وتعال لنصطاد الناس.
أي شرف أعظم من هذا، أن ترافق الله في رحلاته الرعوية، وتكون شريكًا للروح القدس في عمله؟!
تعال، لتعمل معي. سأتكلم على لسانك، سأعطيك الفكرة، سأعمل فيك وبك. ستكون مجرد متفرج تنظر كيف يزهر الكرم وكيف ينور الرمان.
هناك أشجار إن لم نروها ونسمدها، ستموت، فاقبل الدعوة واخدم “وإن سمعتم صوته، لا تقسوا قلوبكم”.
إنها دعوة للتكريس، دعوة للخدمة، دعوة للعمل لأجل أخوتك تعال لكي نبيت في القرى. نقضي النهار في العمل، والليل في الصلاة. “لنبكرن في الكروم”.
نبكرن إليها، قبل أن تلوحها الشمس، قبل أن تقفز عليها الثعالب الصغار المفسدة للكروم. لا يكفي أن نغرس الكروم وإنما يجب أن نفتقدها أيضًا.
هناك أعطيك حبي:
هناك في الخدمة، في التعب، في التبكير، في محبتك لأخوتك في بنائك للملكوت. هناك أعطيك حبي. أتريد حبي. أخرج معي. لن أعطيك حبي في جبل التجلي، بل في بستان جثسيماني وفي جبل الجلجثة. لن أعطيك حبي في مكان الجباية، ولا في سفينة الصيد، إنما هناك وأنت تتبعني.
إن الله يحدد أماكن لقياه، حيث يعطينا حبه. نحن لا نفرض عليه مكانًا ولا وضعًا، بل هو يحدد.
أعطى حبه ليوحنا في جزيرة بطمس، وأعطاه للثلاثة فتية في أتون النار، ولدانيال في جب الأسود.
هناك أشخاص يظنون أنهم لا ينالون محبة الله إلا في حياة الخلوة والتأمل. وهنا يدعونا الله إلى الحقول، وهناك يعطينا حبه.
جميل أن الله هو الذي يعطي هذا الحب، يسكبه فينا بالروح القدس. فلنصل أن نوهب هذا الحب، ولنلح في هذه الطلبة…
“أعطني يارب أن أحبك. املأ قلبي من محبتك”
سليمان طلب الحكمة، وهي من أعظم الطلبات، وأعطاه الله إياها.. “وسقط سليمان. ولكن المحبة لا تسقط أبدًا. مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئها. فاعطنا يا رب أن نحبك.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الواحد والثلاثون) 30-7-1976م



