الأنبا شنوده أسقف التعليم 1962م

🎬 مواد مرئية من السيرة
كيف تمت رسامة الراهب أنطونيوس السرياني أسقفًا
كيف تمت رسامة الراهب أنطونيوس السرياني أسقفًا
أمجاد الماضي ستعود
جاء في مقال "أمجاد الماضي ستعود" الذي نشرته مجلة (مدارس الأحد) عدد أكتوبر ونوفمبر 1962م:
"كل مَن شاهد أو سمع عن الرسامات الجديدة أيقن في إیمان وتفاؤل أن أمجاد الماضي ستعود.
مَن كان يظن أن ثلاثة من أكفأ الرهبان وأتقاهم، يُسامون في ظرف أسبوعين أساقفة؟؟
مَن كان يظن أنه سيُسام أسقف على الخدمات العامة والاجتماعية، ليرعى هذه الشئون التي تمس حياة الكنيسة في صميمها؟
مَن كان يظن أنه سيُسام على الكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية ومدارس الأحد أسقف ليقود الجانب التعليمي في الكنيسة، بل ويصيغ القادة والمعلمين؟
الذي يُطالع العدد الخامس من السنة الأولى للمجلة، أي منذ أكثر من خمس عشرة سنة يجد تحت عنوان "هلم نحلم قليلاً؟" كيف جال بخاطر الكاتب أن صار للإكليريكية عميد بدرجة أسقف!! كانت آمال وها قد تمت، إننا في عصر تحققت فيه الأحلام!
تعال نری کیف صار هذا...".
قصة الرسامة أسقفًا
قرار المنع
في عام 1962م كان قداسة البابا كيرلس السادس ولظروف خاصة بالأديرة قد أصدر قرارًا يُسمى بـ "قرار المنع" وهو عدم استقبال الأديرة للرحلات والأفواج إلا بتصريح خاص.
يقول قداسة البابا شنوده الثالث: "في يوم من الأيام جاء مجموعة من السياح الألمان للآثار المصرية، وأرادوا أن يزوروا الأديرة، وقداسة البابا كيرلس بعث جواب يطلب منا إننا نستقبلهم في الدير، وكنا مانعين بأمر من البابا؛ فأنبا ثاؤفيلوس جاب ليَّ الجواب وقال لي: السُياح بره الباب نعمل إيه؟ أنا أصبحت بين أمرين أحلاهما مر كما يقول المثل؛ إما إن إحنا نكسر مبادئنا وندخل الناس دول، وبعدين يجيلنا ناس من كل مكان، وإما إن إحنا نعصي أمر البابا وهذا لا يليق.. قلت للأنبا ثاؤفيلوس: مين الموجودين؟ قال لي فيه اثنين أساتذة ومصور وحوالي أربعين طالبًا، جايين يدرسوا الأديرة، قلت له: شوف إحنا نقبل الاثنين الأساتذة والمصور ويخشوا يشوفوا الدير كله، ونشرح لهم وينبسطوا، ويأخذوا الصور، والأربعين تلميذ يكونوا بره نبعت لهم علبة شيكولاتة.. علشان الناس الموجودين في المعسكر يشوفوا السُيّاح موجودين بره الدير، فيعرفوا أن إحنا لم نكسر الأمر، والناس انبسطوا جدًا وشکرونا على الرغم من قرار المنع.. قابلناهم وخرجوا وقد أدوا مهمتهم.
كانت فيه جريدة بتطلع كل يوم اسمها جريدة "مصر" كتبت في إعلان كبير إن البعثة دي بتاعة الآثار استقبلوها في كل مكان ما عدا دير السريان- طبقًا لقرار المنع المعروف- وإذا بتلغراف يصل إلى وادي النطرون: يحضر القس أنطونيوس السریاني لمقابلتي فورًا، ده كلام إيه ده يا ربي أنا مالیش دعوة بالبرقية دي، جه أنبا ثاؤفيلوس فات عليّ الساعة 4 الصبح بعد جرس نصف الليل وقال لي: قداسة البابا زعلان جدًا من حكاية الناس دول اللي مدخلوش الدير، وقال لي: هات لي أبونا أنطونيوس، قلت له: يا سيدنا أنا عندي حل كويس يرضي البابا ويرضيني ويرضيك، قال لي إيه؟ قلت له: إنت تقول للبابا هذا الإنسان اللي مرضيش يقبل الزوار كما قيل لك إحنا رفدناه من الربيتة.. ورجع للجبل.. ودي تُعتبر عقوبة عند الناس القُدام ويبقى أنا انبسطت ورجعت للجبل، والبابا انبسط إني وُقَّعت عليَّ العقوبة، ونيافتك انبسطت إنك مازعلتش البابا، ونبقى خلصنا، قال لي: لا ده هو مرضيش يسلم عليَّ وقال لي: مش هاسلم عليك غير لما تروح تجيب أبونا أنطونيوس وتیجي.. أنا بحب الأنبا ثاؤفيلوس والراجل ماشي معانا كويس طول عمره، فيعني مفيش داعي أزعله.. فقلت له: بعدين أنا هاروح للبابا بقى يصب عليَّ جام غضبه ويقول لي: ليه مارحتش وماعملتش، قال لي: أعدك إنك ترجع للدير على طول.. وخرجت وأنا معايا مفاتيح الدير".
مقابلة البابا كيرلس 25 سبتمبر 1962م
مقابلة البابا كيرلس 25 سبتمبر 1962م
"رحنا من الساعة 4 وصلنا تقريبًا حوالي الساعة 6 دخلنا البطرخانة، قداسة البابا كيرلس كان بيصلي قداس كل يوم، فكان موجود في الكنيسة، وإحنا طلعنا لم نجد أحدًا كنا لوحدنا.. البطرخانة فاضية على الآخر، وانتظرنا لغاية ما جه البابا فبصلي كده وقال لي: دي جلابية تیجي تقابلني بيها، جلابية بقى مليانة تراب معفرة من الشغل، قلت له: يا سيدنا معنديش أحسن منها دي أفضل ملابسي، قال لي: وکمان جاي لى بطاقية مش بعمة، قلت له: العمة بتاعتي أخذها أنبا أثناسيوس نزل بيها، قال لي: ليه هي عمة أسقف؟
وبعدين يا رب.. دي مقابلة وحشة قوي، مد إيده وسلم على الأنبا ثاؤفیلس، ومشي وأنا بسلم عليه، سلم عليَّ من وراء ظهره كده، قلت يا رب عدي اليوم ده على خير، ولما قعدنا قال لي: ليه ماقابلتوش الناس السواح؟ قلت له: قابلناهم یا سيدنا قابلنا الأساتذة والمصور، وبقية التلامذة إديناهم شيكولاتة بره، لكن هم دخلوا واتفرجوا على الدير، وشافوا اللي هما عايزينه وخرجوا مبسوطين وشكرونا إن إحنا قابلناهم على الرغم من قرار المنع المعروف، قال: یعني انبسطوا، قلت له: أيوه، استريح لكن أنا متضايق، فإدانی كوباية ميه قصادي علشان أشربها، قلت له: اتفضل ارشمها، رشمها فشربتها، قال لي: إنت مبتشتغلش معايا ليه؟ قلت له: سيدنا أنا أحب الرهبنة، وأحب أقعد في الرهبنة، وأستمر راهب على طول، قال لي: لا إنت نضجت في الرهبنة وأخذت حظك، وكفاية عليك كده، قلت له: أنا لسه مترهبنتش، أنا لسه عايز أترهبن، قال لي: إيه رأيك نوديك المهجر؟ أسقف للمهجر؟، قلت له: لا الدير أحسن، قال لي: طب نعملك أسقف للإكليريكية، قلت له: دي الإكليريكية المدرسين فيها أكثر من التلامذة، كانوا ساعتها قليلين قوي، قال لي: يحتاجوا أحد يقودهم، قلت له: أنا اللي أقودهم، دا أنا عايز حد يقودني، عندهم أبونا إبراهيم عطية، عندهم أبونا مکاري السرياني اللي هو أنبا صموئيل".
"أنا نازل من الدير وكل ما في ذهني هو أن البابا غاضب وإني ربما أنال عقوبة. ماكنش في بالي أبدًا إن البابا كيرلس متفق مع الأنبا ثاؤفيلوس على أمر وإني هاترسم أسقف ومارجعش الدير تاني".
ولكن هكذا قطع الأب العابد المتوحد وحدته ونزل إلى العالم مُرتديًا ملابس الرهبنة نفسها: الثوب القديم (والطاقية القماش)!! وإذ كان مُكلفًا بأمانة الدير كان يحمل معه مفاتيح الدير الذي ظن أنه سيعود إليه بعد ساعات قليلة.. وبدأت المقابلة مع غبطة البابا، ولم يدر بخلد أحد، ولا حتى نيافة أسقف الدير هذا الاستدعاء العجيب.
ماذا قال مار إسحاق والشيخ الروحاني
يقول البابا شنوده الثالث: "لما لقي مفيش فائدة، دخل في موضوع ثاني، قال لي: إنت قریت مار إسحاق، قلت له: قريته أربع مرات ونسخته، قال لي: طب مار إسحاق قال إيه عن التواضع؟، قلت له: قال "أريد أن أتكلم عن التواضع لكن خائف كمن يتكلم عن الله، فالتواضع هو الحُلة التي لبسها اللاهوت حينما ظهر لنا، لذلك الشياطين حينما ترى إنسانًا متواضعًا تذكر ذلك الذي هزمها" اللي هو ربنا..
طيب وقال إيه الشيخ الروحاني؟، ودخلنا في مواضيع ثانية بقي.. بعدها قال للأنبا ثاؤفيلوس: ليه أنت أولادك مش مخليهم ييجوا يشتغلوا معایا؟ مش قادر تستغنى عنهم ولا إيه؟!، قال له: أنا مستغناش عن التراب اللي بيدوسوه بأرجلهم، الحكاية بقى ما جابتش نتیجة، أنبا ثاؤفيلوس قال له: يا سيدنا إنت خارج من القداس، تلاقيك عايز تشرب فنجان قهوة ولا حاجة، إحنا نستأذن".
وفي تعليق للبابا شنوده حول سؤال التواضع وما قاله مار إسحاق السرياني، قال قداسته "كنت أعرف أن البابا "كيرلس" يحب هذه العبارة بالذات لأنه نشرها من قبل حينما كانت كنيسة مار مينا بمصر القديمة - التي كان يُقيم بها وهو راهب متوحد - تنشر نشرة غير دورية عنوانها "ميناء الخلاص". فسُر بهذه الإجابة. وسألني عن الشيخ الروحاني، وظللنا نتداول في أخبار القديسين وقصصهم مدة. إلى أن اختفى الموضوع الخاص بالرسامة".
وضع اليد
وضع اليد
فقال له قداسة البابا كيرلس "طيب تعالى يا ابني لما أصليلك"، وركع أمامه القس أنطونيوس فأمسك قداسة البابا كيرلس برأسه شديدًا، ودعاه أسقفًا للتعليم والمعاهد الدينية باسم الأنبا شنوده. وقال له: "مالكش حل من الروح القدس تغادر الكاتدرائية لحد ما تتم السيامة".
يقول البابا شنوده "كان معروفًا أنه لا توجد إيبارشية ليرسمني عليها.. وبعد أن أنهى حديثه معي وكنا سنغادر، كان من عادته أن كل واحد يسلم عليه، يصلي على رأسه قبل أن يخرج.. فأنا جاء يصلي على رأسي، مسك رأسي ومعاه الأنبا ثاؤفيلوس وقال: أنبا شنوده أسقف على المعاهد الدينية والتربية الكنسية والكلية الإكليريكية، وعمل الثلاث رشومات، ويد البابا ساعتها كانت يد جامدة، يعني الواحد كان في يده مثل العصفورة.. وما كانش ممكن، أحاول أتخلص، ما فيش فايدة..
وبعد ما عمل الرشومات ووضع اليد قال لي: "مالكش حِل من الروح القدس ومن الثالوث الأقدس أنك تترك البطرخانة فوجدت نفسي حبيس البطرخانة.. لا عارف أنا راهب ولا أنا أُسقف.. حاجة عجيبة".
وكنت أول أُسقف يُرسم على مسئولية مُعينة وليس على إيبارشية محددة المعالم الجغرافية والحدود.. وكان لقبي في ذلك الحين، أُسقف المعاهد الدينية والتربية الكنسية ومن ضمن هذه المعاهد الكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية، وباقي المعاهد الأُخرى والوعظ والتعليم.. وكانوا يعرفونني باختصار باسم أُسقف التعليم الديني".
"لكن في اليوم الذي وُضعت عليَّ اليد فيه كنت أعرف تمامًا أن رسامة الأسقف ما هي إلا وضع يد ونطق، وتم وضع اليد والنطق، وكان ذلك في يوم الثلاثاء 25 سبتمبر1962م، أما يوم 30 سبتمبر فكانت الرسامة الاحتفالية التي لبست فيها الإسكيم، وصُليت عليَّ صلوات، ولبست الملابس الكهنوتية الخاصة بالأسقف، وأُعطيَّ لي تقليد الأسقف.
في ذلك اليوم لم تكن أمامي غير تلك الآية التي وُجدت في سفر إرميا: "عَرَفْتُ يَا رَبُّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ طَرِيقُهُ. لَيْسَ لإِنْسَانٍ يَمْشِي أَنْ يَهْدِيَ خَطَوَاتِهِ" (إر10: 23).
هكذا أراد الله أن تنتقل حياتي إلى شيء آخر، وكنت لا بد أن أكون أمينًا لهذا الوضع الجديد، فاشتغلت بالتعليم وبذلت كل ما أستطيع لانتشار هذا التعليم في الكنيسة".
حيرة الأنبا شنوده
حيرة الأنبا شنوده
ورسم أسقفًا في 30 سبتمبر 1962م.
يقول قداسته عن هذا "اليوم ده هو أكتر يوم بكيت فيه في حياتي. لا لشيء إلا لأن أسلوبي في الحياة قد تغير تمامًا من العكس، إلى العكس تمامًا، بعد أن كنت أعيش وحدي، تمر عليَّ الأسابيع لم أَرى فيها وجه إنسان، أَصبحتُ أعيش في زحام الناس. وبعد أن كنت أسكن الجبل والمغاير، أَصبحتُ الآن ممكن أن أركب الطائرات، وأجوب المحيطات والبحار والقارات، وأذهب إلى بلاد، كلها تقريبًا كان يُقال عليها بلاد أول مرة يزورها بابا قبطي.. ولم أكن أعرف هل أنا أسقف ولا كاهن؟ وجدت نفسي في حيرة ما الذي حدث؟ وماذا يمكن أن يحدث للخروج من هذا المأزق؟ هل أنا أسقف أم قس لست أعلم؟ معرفتي بالسيامة الكهنوتية، أنها نطق ووضع يد وهذا قد تم. أما ما بقى فهو.. وأخيرًا قررت أن أكون ما صرت فيه. فأنا لا أعرف أن أعيش منقسمًا على نفسي فقررت أن أقبل وضعي الجديد وأعمل كما أراد لي الله". ومكث أبونا أنطونيوس في الكاتدرائية المرقسية بكلوت بك حتى يوم السيامة.
مع القمص مكاري السرياني على المائدة
"دخلنا للمائدة وكان القمص مکاري السرياني- نيافة الأنبا صموئيل- معي، قلت له: اتفضل بارك، قال لي: لا يا سيدنا اتفضل أنت، یا سیدنا.. ما هذا الكلام؟ قال لي: لا أقدر في وجودك، الرجل أقدم مني کهنوت وأكبر مني سنًا وأقدم مني رهبنة، وجدت الجو مختلفًا..".
"يومها تناولت الغذاء مع أبونا مکاري وهو قمص وأقدم مني في الكهنوت وفي الرهبنة، فكان يعاملني كأسقف ويرفض أن یُصلي علی الطعام، ولا بد أن أصلي وأقول البركة على الطعام. ماذا أفعل؟ لم يكن أمامي أن أفعل شيئًا".
الخبر في الجرائد
"ونُشر الخبر في جريدة (مصر): اختيار القس أنطونيوس السرياني ليكون أسقفًا للكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية والتربية الكنسية، وبعض الناس كانوا يسلمون عليَّ ويقولون يا أبونا، والبعض يقولون يا سيدنا..".
الأنبا شنوده الأسقف الخادم
"لما بقيت أسقف شعرت أن آمالي في الوحدة قد تحطمت، وبعدين لقيت إني مقدرش أنقسم على نفسي فبدأت في حياة البساطة مع الناس، وقلت لنفسي: إيه يعني أسقف؟! هو ربنا إدانا الرتب الدينية دي علشان إيه؟! علشان نخدم الناس.. المسيح نفسه بيقول: "ما جئت لأُخدم بل لأخدِم".. وبدأت أخدم على قدر طاقتي".
اختيار اسم شنوده
اختيار اسم شنوده
"أنا لم أختره وفوجئت به لأن ساعة رسامتي أُسقفًا.. ما كنت أدري أنني سأُرسم أسقفًا، ولم تكن هناك إيبارشية خالية لكي يُرسم فيها شخص.. أنا لم أختر هذا الاسم، وإنما البابا هو الذي اختاره، ففي رسامتي الأسقفية غيّر البابا اسمي من «أنطونيوس» إلى«شنــوده»، وشنــوده هو أحد مؤسسي الرهبنة في الكنيسة، وله دير يُسمى الدير الأبيض في بريّة سوهاج، ويُعتبر«شنــــوده» في التاريخ كأب للأدب القبطي، وكان قديسًا ذائع الصيت، أما ديره فيفتح نهار كل أحد للشعب، ويؤمه حوالي عشرة آلاف من المؤمنين، وفي كل الأحوال فإن الكنيسة هي التي تختار الأسماء من بين أسماء بعض القديسين القدامى".
مفهوم كرامة الأسقفية
مفهوم كرامة الأسقفية
"بعد رسامتي أسقفًا، تغيرت حياتي كلية، وفي تلك الليلة مر عليَّ أحد الآباء المطارنة القدامى، وقال لي جملتين: جملة منهم "مسيرك تعمل مثل مار إسحاق وتسبب الأسقفية وتمشي"، وجملة ثانية قالها لي: "أوعَ تضيع كرامة الأسقفية وتدخل فصل تدرس فيه.. أوعى تضيع هيبة الأسقفية وتمسك طباشيرة وتقعد تشرح على السبورة". لكن أنا الآن قد صرت أسقفًا، لا أستطيع أن أعيش مُنقسمًا على ذاتي، لا أحيا حياة الرهبنة ولا أحيا حياة الأسقفية..".
فما هي إلا أيام قليلة وكان نيافة الأنبا شنوده يشرح لتلاميذه الإكليريكيين بكل الطرق المُتاحة.
يقول قداسة البابا شنوده: "طبعًا كان يُرى أن كرامة الأسقفية، أن الأسقف يجلس على كرسي عالٍ يمنح البركات وصالح الدعوات، ولكن لا يمكن أن ينزل إلى مستوى المدرس الذي يقف أمام السبورة.. وبعدها بأسبوعين، كنت أقف أمام السبورة وأشرح درسًا، وكنت أول أسقف يمسك الطباشير في يده".
ما هذا العمل الذي يجعلك تترك مغارتك؟
ما هذا العمل الذي يجعلك تترك مغارتك؟
"حدث هذا ما بين يومي 25 و30 سبتمبر 1962م، وبعد أن أصبحت أسقفًا أرسل إليَّ أحد المحبين خطابًا يتساءل فيه، هل هذا هو أبونا أنطونيوس المتوحد؟ ما هو هذا العمل الذي يجعله يترك مغارته وتوحده لينزل ويعمل، تعبت جدًا من هذا الكلام وأحسست بالضغط الشديد، وأحسست أن آمالي في الحياة التي كنت أريدها قد تحطمت وأرسلت لصديقي هذا شارحًا له الموقف وقلت له:
هذه آمالي التي ضيعتها |
| هذه أحلامي التي أنسيت |
عشية الرسامة 29 سبتمبر 1962م
عشية الرسامة 29 سبتمبر 1962م
"في عشية يوم السبت ۲۹ سبتمبر 1962م - ثالث يوم عيد الصليب - وفي الكاتدرائية المرقسية بالأزبكية، قام قداسة البابا كيرلس السادس بإلباس الإسكيم المقدس للراهب أنطونيوس السرياني استعدادًا لرسامته أسقفًا للتعليم، وللراهب مكاري السرياني استعدادًا لرسامته أسقفًا للخدمات العامة، وقد أقبل موکب الأسقفين المُختارين يتقدمها قداسة البابا كيرلس السادس ويحيط بهما الآباء المطارنة والأساقفة وتم إلباس الإسكيم والبرنس لنيافتهما"...
لم يأت في فكر أحد أن الأب القمص مكاري السرياني سوف يلبس الإسكيم في نفس الوقت.. لا أحد يعرف هذا سوى البابا نفسه، حتى القمص مكاري ذاته لم يكن يعلم، ففي الساعة الرابعة مساء كان القمص مكاري – كعادته - مُشتركًا في إحدى اللجان. يبحث ويناقش ويعمل في جد ونشاط، بهمة لا تعرف الكلل، إلى أن استدعاه البابا كيرلس وأعلمه بما قرره فكانت مفاجأة عجيبة - وبدأ يتنحى ويعتذر، ولكن هيهات..
وفوجئ الشعب والآباء بأن رأوا القمص مكاري يقف بجوار القس أنطونيوس في مواجهة الهيكل أثناء صلاة الإسكيم المقدس ولم يفهموا سوى من نص الصلوات ماذا يعنيه هذا الأمر..
والحقيقة أن الروح القدس قد أعطى غبطة البابا كيرلس السادس البصيرة الروحية والنظرة الثاقبة بل والأذن الحساسة التي تستطيع أن تسمع الصوت القائل: "أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ" (أع13: 2).
طقس السيامة أسقفًا 30 سبتمبر 1962م
طقس السيامة أسقفًا 30 سبتمبر 1962م
يقول قداسة البابا شنوده: "في يوم الرسامة أخذوا معي أبونا مكاري السرياني وأجلسوه على كرسي إلى جواري، لم أكن أعرف ما الذي يدور في دهاليز البطريركية، البعض ظن أن ده هايقعدوه جنب أبونا أنطونيوس لحسن أبونا أنطونيوس يهرب فيمسك فيه، لكن الحقيقة كانت أنه سيرسم أسقفًا لأن الإعلانات كلها كانت عن رسامة أبونا أنطونيوس، وكان هذا اليوم هو أكثر يوم في حياتي تعبت فيه وبكيت فيه، لأنه كان تغيير كامل لحياتي ورغباتي، ما كانت هذه رغبتي وما كان هذا هو اتجاهي في الحياة.. كان اتجاهي في الحياة أن أستمر في حياة الوحدة وأن أكمل ما قلته من قبل في قصيدة سائح..".
"وفي صباح الأحد تمت الرسامة في حفل رائع جمیل، حيث احتشدت بالكنيسة المرقسية الكبرى الجماهير الغفيرة التي جاءت مُبكرة لتشاهد هذا اليوم التاريخي الفريد، ولتبارك نهضة الكنيسة ووثبتها، ولتؤيد وتزکي کل عمل صالح مجید..
حضر هذا الحفل مندوبون عن الطوائف والهيئات، وسفير إثيوبيا ووکیل وأعضاء المجلس الملي وعدد كبير من الصحفيين.. كما اشترك مع قداسة البابا كيرلس في طقوس الرسامة والصلوات ووضع اليد أصحاب النيافة مطارنة أسيوط والشرقية والمنوفية والخرطوم والبلينا والجيزة والغربية وبني سويف وأساقفة دير السريان ودير الأنبا بولا.
كان الجميع في فرحة وابتهاج، وامتلكتهم نشوة روحية - ما خلا الراهبين التقيين اللذين نكسا رأسيهما في تواضع وشعور بثقل المسئولية وكانت الدموع تنهمر من عيونهما وخصوصًا أثناء التزكية، وكنت تشاهد منديلًا في يد الأب أنطونيوس ظل ممسکًا به طوال فترة الرسامة يجفف به الدموع المنهمرة من عينيه، كان حزينًا على شيء عزيز فقده: المغارة والخلوة.
وكانت لحظة رهيبة حين وضع الآباء المطارنة والأساقفة أياديهم اليمنى على هامة كل من الراهبين ملتمسين حلول الروح القدس، وأرهف الجميع آذانهم لسماع النطق البابوي: "ندعوك يا صموئيل أسقفًا على الخدمة العامة والاجتماعية للكنيسة المقدسة الجامعة الرسولية.. باسم الآب والابن والروح القدس إله واحد آمین"، ثم "ندعوك يا شنوده أسقفًا على الكلية الإكليريكية والكلية اللاهوتية ومعهد الدراسات القبطية والمعاهد الدينية والجمعيات القبطية القائمة بخدمة الوعظ ومدارس التربية الكنسية باسم الآب والابن والروح القدس إله واحد آمين"، ورددت فرق الشمامسة ألحان الرسامات والتطقيس، ووضعت عمامة الأسقفية على كل منهما، كما ألبس كل منهما الملابس الكهنوتية التي رشمها قداسة البابا وبينما الجميع في فرحتهم الغامرة كان الأنبا شنوده غارقًا في الدموع !
وبعد تلاوة الوصية.. بدأت خدمة القداس كالمُعتاد حيث صلى الأنبا صموئيل بصوت مؤثر أوشية الإنجيل، أما الأنبا شنوده صلى الأواشي الثلاث الكبيرة بصوته الحنون الروحاني واشترك الاثنان في صلاة المجمع.
وبعد انتهاء صلاة القداس الإلهي، وإتمام الطقوس الخاصة بتسليم كل منهما عصا الرعاية توجها ويحيط بهما لفيف من المطارنة والأساقفة والكهنة إلى المقر البابوي حيث تدفقت الجماهير تُعلن فرحتها وتقدم تهانيها وترفع شكرها للبابا المُلهم الذي لا يدخر جهدًا في خدمة الكنيسة ورفع رايتها، ودوت الهتافات ولم تكن كلمات ترددها الألسنة، بل خلجات تنبض بها القلوب المؤمنة والمتحمسة لنهضة الكنيسة وازدهارها.
ووردت للدار البطريركية مئات البرقيات التي تحمل التهنئة بهذه الرسامات الموفقة والتي تحوي الشكر العميق والتأييد الكبير لقداسة البابا وهكذا تمت الرسامة المباركة، ووضع كل من الراهبين في المكان الملائم والمناسب لروحه ونشاطه، الأب مكاري (الأنبا صموئيل) يُعرف بمدى تفاعله بالأمور الخارجية والاتصالات الأجنبية، والكنيسة قد ربحت مركزًا ساميًا بين العالم بفضل نشاط قداسته، أما من ناحية الخدمة الاجتماعية فهو الكفء لها. وإننا نذكر هنا أن قداسته كان رئيسًا لقسم الدراسات الاجتماعية بمعهد الدراسات القبطية..".
هكذا "تمت سيامته أسقفًا للمعاهد الدينية والتربية الكنسية، وبهذا يكون أول أسقف للتعليم في كنيستنا القبطية وسيامة نيافة الأنبا صموئيل المتنيح أسقفًا للخدمات العامة والاجتماعية في يوم 30 سبتمبر 1962م".
في مجلة مدارس الأحد
في مجلة مدارس الأحد
جاء في مجلة (مدارس الأحد): "اختار البابا البطريرك الأنبا كيرلس السادس بإرشاد الروح القدس أساقفة مملوئين من الروح القدس وحكمة ووضع عليهم الأيدي للقيام على رعاية المؤمنين وخدمة بيعة الله الخالدة مُتعاونين مع باقي أساقفة الكنيسة في مختلف الإيبارشيات والكور.
وإن كان بابانا المعظم الأنبا كيرلس قد نفذ إرادة الروح القدس فوضع أسس النهضة فأنشأ أسقفية للخدمات العامة والاجتماعية، وأسقفية للتعليم والمعاهد الدينية، واختار لهذين المركزين الساميين الأنبا صموئيل والأنبا شنوده، فأوكل إليهما أطهر الواجبات وأسمى رسالة للتصرف إزاءها بحسب نعمة الله المُعطاة لكل منهما. وإن كان الشعب رعاة ورعية قد تقبل هذه الخطوة المباركة بالارتياح وغمرته سعادة روحية وعزاء سماوي أنساه آلامه وأحزانه، وصار يرقب بأمل روح الإصلاح وهي تسري في جميع نواحي الكنيسة من روحية وعلمية واجتماعية وتبشيرية، فإن من الواجب أن يتضافر الجميع كل في دائرته مع أبينا الطوباوي البابا المعظم ليشترك الكل في بناء صرح النهضة لتستعيد الكنيسة مجدها الخالد وتسترد زعامتها الروحية للعالم".
حفل تسليم التقليد 5 أكتوبر 1962م
حفل تسليم التقليد 5 أكتوبر 1962م
تم الاحتفال بتسليم كل من الأسقفين الجديدين الأنبا صموئيل والأنبا شنوده التقليد الخاص، وذلك في صباح الجمعة الموافق 5 أكتوبر 1962م بالقاعة المرقسية مبنى الأنبا رويس بالقاهرة.
بدأ الحفل بصلاة الشكر بكنيسة السيدة العذراء بالأنبا رويس، في حوالي الساعة الحادية عشر صباحًا ثم انتقل الأسقفان إلى قاعة الاحتفالات يتقدمها فريق كبير من الشمامسة الذي كان يردد الألحان الكنسية.. وأحاط بالأسقفين حشد كبير من أبناء الكنيسة المتهللين.
وأخذ الأسقفان مكانيهما فوق المنصة بين مطراني الخرطوم والجيزة اللذين أنابهما غبطة البابا عنه كما جلس على المنصة أيضًا القمص إبراهيم عطية مدير الكلية الإكليريكية، ثم القمص ميخائيل عبد المسيح الوكيل العام للبطريركية، والدكتور مراد كامل مدير معهد الدراسات القبطية بالنيابة.
وقد امتلأت مقاعد القاعة كلها بجمهور الشعب الذي جاء ليحتفل بهذه المناسبة الطيبة.. كان الكل فرحين مبتهجين بتحقيق هذه الوثبة العظيمة للكنيسة، مُستبشرين خير على يدي هذين الأسقفين العالمين البارین.. وقف الدكتور مراد کامل وقدم للحفل بكلمة موجزة - ثم تلا بعد ذلك الأنبا يوأنس مطران الخرطوم تقليد الأنبا صموئيل، وتلا الأنبا يوأنس مطران الجيزة تقليد الأنبا شنوده - ثم تسلم كل من الأسقفين التقليد الخاص به، وأمسك الأنبا شنوده التقليد بيد بينما كان يمسك بالأخرى منديلًا لم يفارق يده، كان يجفف به الدموع السخية التي كان يزرفها.
ثم ألقى الأب القمص إبراهيم عطية مدير الكلية الإكليريكية كلمة بليغة بطريقته الحماسية المعهودة قال فيها:
"في هذا العصر الذي يتميز بالانطلاق، وفي هذه الآونة التي يطلع فيها العالم إلى الجهود الجبارة التي تشغل الدنيا، وفي الوقت الذي يتحدث فيه الناس عن مظاهر الانطلاق في الجو وطبقاته العليا.. في هذا الوقت تتجلى مظاهر الانطلاق في كنيستنا المقدسة التي علمت العالم سُبل الإقدام والبذل... وإذا كان الانطلاق يتطلب مراحل لا بد منها كما تقرأون وتسمعون فإننا في الواقع نلاحظ هذه المراحل التي مر فيها أقمار الكنيسة!! إن الدوائر التي مروا بها والهيئات التي ترعرعوا في أحضانها كانت بيئات رائعة، تتحدث صحائف إيمانهم وجليل أعمالهم وثباتهم على مبادئهم عنها. ترعرعوا في بيئات طاهرة ورضعوا الألبان النقية، ثم انتقلوا من أحضان الآباء والأمهات إلى ميدان مدارس الأحد الرهيب العظيم واندمجت أرواحهم مع الأرواح الطاهرة في مدارس الأحد وظهروا لامعين حتى انتقلوا إلى المرحلة الأخرى فبدأوا يدرسون العلوم والمعارف في المدارس والجامعات ليتهيأوا للحرب والنضال إذ لا بد من الاستعداد العالمي لأننا نُحاط الآن بهجمات كثيرة من أعداء الدين الملحدين ثم بعد ذلك جاءوا إلى هذا المعهد الجليل جاءوا إلى الكلية الإكليريكية وانضموا إلى صفوفها طلبة ثم مدرسين، وكان لا بد أن تأتي الخطوة الأخرى كي يخرجوا منها ملائكة راکعین، فذهبوا إلى البراري وسكنوا الأديرة ومنها للجهاد.
خرجوا من ههنا أساتذة وزملاء ثم رجعوا إلينا أساقفة ورؤساء!! دائمًا كنا نرى التشريعات المتواصلة التي لا ننساها من حضرات الآباء المطارنة والأساقفة والمجمع المقدس والمجلس الملي العام والهيئات الدينية المختلفة والتي كانوا يؤيدونا فيها ويقولون برسامة الكهنة من الكلية الإكليريكية ولكن شاء الله ألا نقف عند هذا الحد، بل شاء أن يؤخذ منها الأساقفة...".
ثم ألقى بعد ذلك نيافة الأنبا يوأنس مطران الجيزة كلمة قيمة قال فيها:
"تحية طيبة وبركة رسولية مُرسلة إليكم جميعًا من قداسة البابا كيرلس الذي حمّلنا والأخ الحبيب الأنبا يوأنس مطران الخرطوم هذه الرسالة لتبليغها إلى أبنائنا المُباركين.. ويا لها من فرصة طيبة تلك التي جمعتنا وإياكم.
في هذا اليوم نعتبره يومًا سعيدًا بل يومًا مجيدًا في تاريخ الكنيسة الذي فيه نقدم إلى أبنائنا المباركين الشعب القبطي الغيور، إلى الهيئات، إلى المُدرسين إلى الأساتذة إلى الكلية الإكليريكية حبرين انضما إلى صفوف الأحبار ولكنها في الحقيقة لهم رسالة لا تقل شأنًا عن رعاية النفوس، رسالة جميلة، وجليلة، رسالة ويا لها من رسالة، رسالة رب الكنيسة الفادی يسوع المسيح الذي جاء وهو الغني- جاء فقيرًا وديعًا متواضعًا ليغني الآخرين فكان الأب الحنون الذي يعطف على المسكين والفقير والذي يبحث عن الضال ويفتقد من كان في حاجة... ويشبع الجميع لا شبعًا جسديًا فقط بل شبعًا روحيًا أيضًا، وكما كان هو الأب والراعي الذي يرعی كان المُعلم الذي يعلم، كان مصدر الحكمة للجميع والنعمة والبركة للخلق أجمع.
جاءت الساعة التي فيها وقع اختيار البابا على ابنه المبارك القمص مكاري السرياني ليكون أسقفًا للخدمات الاجتماعية والخدمات العامة. وإذ كانت رسالة التعليم رسالة سامية والكلية الإكليريكية في مجدها الخالد كانت مركز إشعاع ونور العالم أجمع، أراد قداسة البابا أن يعيد إليها وإلى الكنيسة هذا المجد فبحث وفتش إلى أن أرشده الروح القدس إلى ابنه المبارك القمص أنطونيوس السرياني فسامه أسقفًا على الكلية الإكليريكية باسم الأنبا شنوده، والقمص مكاري باسم الأنبا صموئيل، أسماء مباركة...
والقديس الأنبا شنوده كان (سريع الندهة) معروف عنه وأيضًا متوحد متعبد، وإن كنت أهنئ سميَّه اليوم نيابة عن إخوتي الآباء المطارنة وباسمكم جميعًا تهنئة عامة من كل الشعب القبطي ليس فقط في القاهرة بل في كل مكان، أطلب إليه أن يخرج من وحدة الدير وينتهر ويعظ ولا يستهن أحد بحداثته. أما الأنبا صموئيل فستكون مسؤليته كبيرة جدًا، لأنه سيتعامل مع الأغنياء والفقراء في وقت واحد بين مد وجزر.. كان الفقراء يلجأون إلى غبطة البابا ولكن هذه الخدمة تحولت إليه وسيضطر إلى فتح قلبه وبابه وجيبه، يلزم لذلك عملية تنظيم كبير، وهو يعتمد في هذا على نعمة الله الذي قال: "تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ" (2كو12: 9).
ثم ختم الحفل بكلمة للأنبا صموئيل.
أسقف التعليم يشرح بالطباشير
أسقف التعليم يشرح بالطباشير
يقول البابا شنوده: "بعدها بأسبوعين كنت أول أسقف في تاريخ الكنيسة يقف أمام السبورة وفي يده قطعة من الطباشير ويشرح درسًا، لم أكن قد جهزت دروسًا أو منهجًا، وما كان عندي حل أن أرجع إلى الدير لأجمع أوراقي، فكان تدريسي هو في الأول أقوال الآباء وبدأت أتكلم عن أقوال الآباء في حياة السكون، حياة السكون هو أول درس درسته في الإكليريكية، وبعدين مسكت أقوال الآباء في الغضب والوداعة إلى آخره".
استمرار ارتباطه برهبنته
استمرار ارتباطه برهبنته
"ظلت محبة الوحدة في قلبي حتى بعد أن صرت أسقفًا، وكنت أول أسقف يقضي نصف الأسبوع في القاهرة ويقضي النصف الآخر في الدير، وظلت معي حتى الآن على الرغم من مسئوليات البطريركية، إلا لو كنت في الإسكندرية، أمر على الدير أيضًا ثم أذهب إلى الإسكندرية".
كيف بدأ التغيير أو التجديد من داخل الكنيسة، وكيف تم ذلك على يدي قداسة البابا كيرلس؟
كيف بدأ التغيير أو التجديد من داخل الكنيسة، وكيف تم ذلك على يدي قداسة البابا كيرلس؟
في حوار أجراه الدكتور غالي شكري مع قداسة البابا شنوده، سأل د. غالي قداسة البابا كيرلس: "كيف بدأ التغيير أو التجديد من داخل الكنيسة، وكيف تم ذلك على يدي البابا كيرلس؟
قداسة البابا شنوده: كان البابا كيرلس يعمل حسابًا قبل أي قرار يتخذه للمطارنة والأساقفة الذين يرفضون التجديد، لأنهم هم الذين عزلوا البابا يوساب قبله. ولكن في سبتمبر 1962م تغير هذا الموقف من جانب الأنبا كيرلس الذي لم يكن قد رسم أساقفة من أبنائه (تلامذته) بعد، فأقدم على رسامة ثلاثة، أحدهم لإيبارشية بني سويف، والثاني للخدمات، وكنت الثالث للتعليم. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يرسم فيها أساقفة بلا إيبارشيات (الإيبارشية قد تطابق إدرايًا للمحافظة، وقد تكون المحافظة كبيرة فتشمل إيبارشيتين، وقد تكون صغيرة فتشمل الإيبارشية الواحدة أكثر من محافظة). كانت رسامة أساقفة عموميين متفرغين للخدمات والتعليم أمرًا جديدًا، وهم بمثابة سكرتارية للبابا بدرجة أسقف. ولا شك أن رسامة أساقفة عموميين مبدأ ناجح، وكذلك تقسيم الإيبارشيات مبدأ ناجح أيضًا.
د. غالي: كيف تفسر هذا النجاح من بطريرك تقلیدي؟
البابا شنوده: البابا كيرلس كان يمثل الرهبان القدماء وقد احتضن فكرًا حديثًا، وعاش بين الفكرين القديم والحديث. كان يساعد على نشر الأفكار الجديدة، وكان يبقي على بعض الأوضاع القديمة.
د. غالي: أي أنك في طليعة التجديد الذي أخذ به البابا كيرلس عمليًا؟
البابا شنوده: لقد بدأ التجديد من قبل أن أصبح أسقفًا، ولكنه حين رسم بعض أبنائه (تلامذته) أساقفة كان قد انتصر فعليًا على التقليديين.
الكلية الإكليريكية وتطويرها على يد الأنبا شنوده
الكلية الإكليريكية وتطويرها على يد الأنبا شنوده
شعبية الكلية الإكليريكية
يقول البابا شنوده: "من ضمن الأشياء التي دخلت على الإكليريكية بشكل واسع، لا يمكن تحديده، هو شعبية الكلية الإكليريكية.. فأنا فتحت الباب أمام الشعب أن يحضر بعض المحاضرات في الكلية، ومن ضمنها محاضرات اللاهوت الروحي.. كنت أُلقي محاضرات في اللاهوت الروحي في مدرج في الكلية، وسمحت للناس أن يدخلوا، وامتلأ المدرج ولم يتسع، وكانت توضع كراسي خارج المدرج، وسماعة، وبعد ذلك انتقلنا من المدرج إلى القاعة الموجودة في نفس مبنى الأنبا رويس، فكنا عبارة عن ركن في القاعة، وبدأت القاعة تمتلئ وتمتلئ، حتى لم تعد تتسع، ووضعنا سماعات في الغرف خارج القاعة، وبعد ذلك انتقلنا إلى الكاتدرائية الكبرى سنة 1969م، وكنا في ركن منها، ثم بدأت الكاتدرائية أيضًا تمتليء، كل ذلك من أجل محاضرة واحدة اسمها محاضرة اللاهوت الروحي.
الأمر الثاني هو السماح للفتيات بالالتحاق بالكلية الإكليريكية.. وتخرجت كثير من الفتيات.. وكان قصدنا بهذا:
أولًا: أن تُعطى الفتاة فرصة للتعليم الديني واللاهوتي.
والثاني: من أجل خادمات التربية الكنسية لكي تكون لهن كفاءة في التدريس بالتخرج في الكلية الإكليريكية.
ثالثًا: بالنسبة للفتيات والسيدات المدرسات في مدارس الحكومة وغيرها. أن تكون عندهن الكفاءة لتدريس الدين المسيحي.
رابعًا: للثقافة العامة الأسرية والاجتماعية.. ويمكن أن الفتاة خريجة الكلية الإكليريكية تستطيع أن تدرس في اجتماعات الشابات وفي أمانة الخدمة، واجتماعات مدرسات التربية الكنسية.. إلخ.
وزادوا لدرجة أنه حاليًا توجد بعض من مدرسات الكلية الإكليريكية من الفتيات.
النقطة التالية في الكلية هي ازدياد فروع الكلية الإكليريكية، فبعد أن كانت الكلية الإكليريكية في القاهرة أصبحت لها فروع في الإسكندرية، في الوجة البحري في شبين الكوم.. وفي طنطا.. وفي الوجه القبلي في المنيا، وفي الدير المحرق، وفي البلينا.. وأصبحت هناك فروع للإكليريكية خارج القُطر.. وعندنا طلبات مُقدمة للمجلس الأعلى للإكليريكية لإدخال المعهد المُقام في البِحيرة والمعهد المُقام في شبرا الخيمة، ضمن فروع الكلية الإكليريكية.
الأمر الذي جَد أكثر من هذا أيضًا عدد الطلاب.. أتذكر أنني في السنتين الأولين من وجودي كأسقف للإكليريكية، يعني الطلبة الذين كانوا في سنة ثانية وثالثة بعدما صرت أُسقفًا كان دفعة فيها 3 طلاب فقط في القسم الليلي ودفعة فيها طالب واحد.. الدفعتين: دفعة كمال حبيب - الأنبا بيمن فيما بعد ودفعة إميل ماهر إسحاق - الدكتور إميل ماهر حاليًا.
حاليًا أصبح طلبة القسم الليلي حوالي 500 أو أكثر، عندما يجتمعون معًا لا تصلح لهم فصول الدراسة، فيجتمعون معًا في القاعة عندي، لكن في فصول الإكليريكية يجلسون في مدرجات. فكثر عدد الطلبة جدًا.
ثم إن طلبة الإكليريكية أصبح غالبيتهم من الخدام وأُمناء الخدمة والأمناء المساعدين، ومنهم أصبح كثير من الكهنة".
"لمّا وجدت نفسي قد أصبحت أسقفًا عزمت على أن أؤدي واجبي كاملًا كأسقف، وشرعت في العمل، كنت في ذلك الحين أسقفًا لكلية اللاهوت وأسقفًا لمعهد الدراسات القبطية، وأسقفًا للتربية الكنيسة أي لمدارس الأحد وللتعليم بصورة عامة. بدأت أولًا كمُعلّم، ولأول مرة رأى الطلاب أسقفًا داخل فصل دراسي يمسك بيده إصبعًا من الطبشور ويكتب على السبورة ويلقي الدورس، وقد كنت قبل الرهبنة مُدرسًا في الكلية الإكليريكية، ثم إني أذنت لمن يريد من الشعب حضور هذه الدروس، أن يجلس كمستمع، كان الطلبة يستمعون ويُمتحنون، أما أفــراد الشعب فكانوا يحضرون ويستمعون، ولكن من دون أي امتحان، كنت ألقي الدروس في أحد مدرجات الكلية، ولكن المدرج غضّ بالحضور، فكنا نضع كراسي إضافية في خارجه، غير أن المدرج لم يعد كافيًا فانتقلنا إلى قاعة واسعة، كنا نشغل في البداية ركنًا بسيطًا منها ثم ما لبثت القاعة أن امتلأت عن آخرها، فوضعنا كراسي إضافية وسمّاعات في جهات كثيرة، ولكن ذلك لم يعد كافيًا، فانتقلنا إلى قاعة مفتوحة، وتوسّع الاجتماع إلى أن انتهينا إلى وضعنا الحاضر...
وهكذا تحولتُ آنذاك إلى واعظ شعبي أكثر من كوني أسقفًا، فكنت أُدعى من قبل الآباء الأساقفة إلى إيبارشياتهم للوعظ فيها، وكنت أحيانًا أمضي أسبوعًا كاملًا عندهم من أجل إحياء نهضة روحية للوعظ وكنت في الوقت نفسه مُثابرًا على عملي اللاهوتي في التدريس.
وفي الوقت ذاته في طبع الكتب التي كانت تضم محاضراتي، وعندها جاءت ترشيحات البطريركية لم يكن من الممكن أن يتجاهلوا اسمي لمعرفتهم بما أقوم به، وفي ذلك الحين قمت بإصدار "مجلة الكرازة" عام 1965م، وما تزال مستمرة في الصدور حتى الآن، وأصبح كل أملي التدريس في كلية اللاهوت والوعظ في الإيبارشيات وتحرير المجلة وإصدار الكتب...
في العظات التي كنت ألقيها وضعت نظامًا ثابتًا يتمثل في الإجابة عن أسئلة الحاضرين قبل بدء المحاضرة، وصار ذلك الترتيب تقليدًا متبعًا لدى العديد من الآباء، حيث الإجابة على أسئلة الجمهور، ثم يلي ذلك إلقاء المحاضرة.
هكذا "نهض نيافته بالإكليريكية والمعاهد الدينية والتربية الكنسية، في أنحاء الجمهورية، وكان يؤمن بدور الإكليريكية في بناء الوعي الروحي واللاهوتي. تضاعف عدد الطلاب بالإكليريكية من مائة طالب حتى وصل مئتين وسبعين طالبًا في سنوات الدراسة النهارية، وفي القسم الليلي بعد أن كان لا يتخطى العشرين طالبًا، وصل إلى ثلاثمائة طالب، كما سمح للفتيات بالالتحاق بالقسم المسائي بالإكليريكية، لإيمانه بدور المرأة في المجتمع، فهي الأم والزوجة، وهي نواة البيت الصالح، وأن معرفتها بالأمور اللاهوتيه قد تنعكس على فكرها الروحي، وسلوكها بالبر والتقوى".
الأنبا شنوده وأُسلوبه الجديد في الوعظ
الأنبا شنوده وأُسلوبه الجديد في الوعظ
مهاجمة مجلس الكنائس العالمي
يقول البابا شنوده: "منهج أقوال الآباء كان يجذب الناس، وكان لغة جديدة لأنه في ذلك الحين كانوا قد أقاموا الدنيا ولم يقعدوها ضد الأنبا صموئيل، ومهاجمة لمجلس الكنائس العالمي وأصدروا منشورات عنوانها "مجلس الكنائس يغري الكنائس أو يقودها إلى أنها تنفصل عن أوطانها أو تخون أوطانها" كانت الدنيا مكركبة، لدرجة أن البعض قالوا للبابا: ماينفعش غير إن الأنبا شنوده يمر على الكنائس يتكلم فيها كلامًا روحيًا ويهبط هذه الشعلة من الاحتجاجات ومن الثورة".
التبسيط في أسلوب الوعظ
"في منهج التعليم أتذكر أني عندما دخلت الكلية الإكليريكية، وجدت أمرًا يلتزم به الجميع، وهو أن الواعظ لا بد أن يحفظ العظة ويتكلم باللغة العربية الفصحى.. أنا كسرت حاجز اللغة العربية الفصحى، وأصبحت أتكلم بالأسلوب العادي كما أكلمكم الآن، ليس بالعامية المكشوفة جدًا ولا هي بالعربية الفصحى، إنما هي باللغة العربية السهلة، وما كانوا يشكون فيَّ من هذه الناحية على اعتبار أن الذي يتكلم بهذا الأسلوب، هو رجل شاعر ومعروف بقصائده الشعرية.. فغير معقول أن يقولوا إن هذا لا يفهم عربي، فمرت بهذا الشكل.
وكل ما كنت أريده، وما وضعته كمنهج لي في الوعظ، هو أنه معنى روحي أُريد أن أنقله إلى الناس، فأنقله بأي لغة وبأي أسلوب، المهم أن هذه المعاني الروحية تصل إليهم.. ليس الأمر افتخارًا بلغة ولا افتخارًا ببلاغة أو فصاحة، إنما توصيل معنى روحي للناس.
طبعًا هذا الأمر، كان البعض لا يستريحون إليه، لكن حاليًا كثير من الذين كانوا يعارضون تمامًا تمامًا ويتمسكون بالعربية الفصحى، أصبحوا يعظون أيضًا بالعامية، بل ويؤلفون كتبًا بالعامية.
هناك نقطة أخرى في الوعظ، غير بساطة الأسلوب المفهوم، إني اعتدت أن أعظ ولا مانع من أن تكون إلى جِوارِي بعض كارتات أكتب فيها النقاط الرئيسية، وإذا كانت بعض اقتباسات من أقوال الآباء أكتبها أيضًا.. قبل ذلك كان الواعظ يحاول أن يُحضر ورقة ويخفيها إخفاء داخل إنجيل أو غيره، كما لو كان من العار، أن تظهر له ورقة لئلا يُقال عليه أنه يُحَضِر من ورقة.. أنا ما عادت هذه الأمور تُهمُنِي في كثير أو قليل، فكنت أمام الناس أجلس على مائدة أو على منبر وأمامي كارتات للنقاط الرئيسية في الموضوع لئلا أنسى منها شيئًا.
أنا ما يهمني هو أن يصل الموضوع إلى الناس وليس أن يُقال قد حَضَرَ ورقة أو لم يُحَّضِر، بل أنا أقول في معهد الرعاية، وهو من المعاهد المتخصصة التي أُضيفت إلى الكلية الإكليريكية، أنه ينبغي تحضير الموضوع، ونقول هذا بالنسبة للخدام في التربية الكنسية.
أيضًا نقطة أخرى إني اعتدت في الوعظ أن يقدم الناس أسئلتهم في أية موضوعات سواء كانت أسئلة شخصية أو أسئلة روحية، أو أسئلة عائلية.. أسئلة عقائدية.. لاهوتية.. أسئلة في التاريخ.. في أي شيء.. أسئلة حتى عن سياستي في الكنيسة، وأجيب على كل هذا، وقد بَرْهَنَتْ فكرة الأسئلة على نجاحها لأنها توجد رابطة بين المتكلم وبين السامع، ولاحظت أن بعض الآباء الأساقفة في إيبارشياتهم، أصبحوا يسلكون بهذا المنهج تمامًا.
الوعظ مفروض أنه وعظ روحي. أفتكر أنني لما بدأت أدرس في الكلية الإكليريكية في سنة 1962م كان هناك ثلاثة يدرسون الوعظ، القمص إبراهيم عطية- الذي كان هو مدير الكلية الإكليريكية قبلي مباشرةً، والأستاذ عياد عياد، والأستاذ فؤاد باسيلي- حاليًا القمص بولس باسيلي، وكان لكل واحد طريقته، فأنا أردت أن أُوحد الأمر فقلت للطلبة بدلًا من أن تتوهوا وسط ثلاثة أساليب للوعظ، سأقول لكم الطريقة التي تعظون بها، فضحك أحد الطلبة وقال لي: تقصد أن تقول لنا الأسلوب الرابع في الوعظ..
وعلى أي الحالات هذا الأسلوب استطاع أن يسير في الكلية الإكليريكية.
الوعظ وأنا جالس، كان الدافع إليه الضرورة، كنت أعظ وأنا واقف كباقي الناس، ولكن من سنة 1964م قاسيت من آلام في العمود الفقري، لبست معها حزامًا حديديًا سنة 1964م ثم تركت هذا الحزام الحديدي، وأخذت في علاجات لأمراض عديدة في العمود الفقري كانت تلجئني إلى الوعظ وأنا جالس، ما عدا الوعظ أثناء الجنازات، والوعظ أثناء القداسات، فإلى الآن لا أستطيع أن أعظ عظة في القداس وأنا جالس، ولا عظة جناز وأنا جالس.. عندما كنت أسقفًا كنت أعظ عظات جنازات كثيرة جدًا، للأسف لم تُسَجَلْ، وبعد ذلك أَصْبَحَتْ عادة عند الكثيرين، وكثير من الأساقفة يعظون عظاتهم الأسبوعية وهم جالسون.. وبذلك تحولت العظة إلى محاضرة.. وعظة القداس لا بد أن تكون على المنجلية".
الأنبا شنوده والتدريس بالإكليريكية
الأنبا شنوده والتدريس بالإكليريكية
بدأ نيافة الأنبا شنوده بتدريس مادة اللاهوت الروحي وأقوال الآباء، ثم مادة العهد القديم، وكان يستخدم لها الخرائط التوضيحية ووسائل إيضاح مبسطة ومساعدة للشرح، وكان دومًا يربط العهد القديم بالعهد الجديد حتى أصبح من أشهر مدرسي مادة العهد الجديد.
أما محاضراته في أقوال الآباء واللاهوت الروحي، وكانت جذابة للجميع، فبدأ يسمح لعموم الشعب حضور تلك المادة، وظلت أعداد الحضور تتزايد حتى لم تعد قاعة المحاضرات بالكلية تتسع لهم، فانتقلت للقاعة المرقسية، من هنا بدأ اجتماعه الأسبوعي الذي ظل حريصًا عليه حتى نياحته.
الأنبا شنوده المعلم ومبادئه
الأنبا شنوده المعلم ومبادئه
"اتخذ لنفسه مبادئ هامة في التعليم، وفي حفظه للإيمان ظلت معه بقية عمره. كان دارسًا جيدًا للكتاب المقدس، معتمدًا عليه قبل أي مرجع، في كافة النواحي اللاهوتية، وخاصة في الرد على أي بدعة أو تشكيك في الإيمان، وكان معروفًا بقوة حفاظه على الهوية الأرثوذكسية والإيمان المستقيم، فلم يتساهل في أي منها حتى نياحته.
فكان يؤمن بمبدأ "امحو الذنب بالتعليم"، فلم يكن يتحدث عن سلبيات إنما يركز في الجانب الإيجابي. فكان فكره أن انتشار الإيجابيات سيبعد السلبيات والأفكار الخاطئة بطبيعة الحال. وكان يقول "لو تفرغنا للسلبيات لما كنا وجدنا وقتًا للعمل الإيجابي".
وكذلك من مبادئه أننا لا نحارب شخصًا إنما نحارب فكرًا ومع ذلك كان يحافظ على توازنه العجيب بين الدفاع والتصدي للبدع وانتشار الطوائف وبين محبته للجميع. وكسب ود الكل. وكان يجول كنائس القاهرة والأقاليم في عظات عدة ولعل أكثرها أثرًا في نفسه. حين ذهب لكنيسته كنيسة الأنبا أنطونيوس شبرا. بعد سيامته أسقفًا وألقى فيها عظة بمناسبة عيد القديس الأنبا أنطونيوس في يناير 1963م.
وكان لعظاته عن الهرطقات والبدع الحديثة أثرها البالغ في نفوس أبنائه، وأصبح له سيط كبير بين كل الإخوة في الكنائس الأخرى بمصر وخارج مصر. انتشرت تعاليمه من خلال عظاته ومقالاته الروحية، سواء في مجلة مدارس الأحد أو بعد ذلك في مجلة الكرازة. وأصبح يطوف القطر المصري شرقًا وغربًا من الدلتا للصعيد، في عظات روحية ونهضات بدعوة له، من الآباء المطارنة والأساقفة الذين كانت تربطه بهم محبة عميقة. مثّل نيافة الأنبا شنوده الكنيسة القبطية في بعض المحافل الدولية.
يغسل ملابس أحد طلابه
ذات يوم أراد أحد أبنائه بمدينة طنطا، أن يقضي فترة الأربعين يومًا بعد سيامته كاهنًا بالإكليريكية، فوافق نيافة الأنبا شنوده وخصص له حجرة بالإكليريكية، وفي إحدى الليالي طرق باب الحجرة، ففتح ليجد أمامه الأنبا شنوده يحمل له العشاء قائلاً: "لا مؤاخذة يا أبونا الفراشيين نسيوا يجهزوا لك عشاء"، هكذا كان يتسم بمحبة للجميع طيلة عمره".
يغسل ملابس أحد طلابه
يحكي القمص أنسطاسي الصموئيلي: أن قداسة البابا شنوده كان أول أسقف للتعليم وهو يحب الهدوء وآخر عظة له لا يمكن أنساها عن الحزم والحنان، وفي مرة سمع هيصة في حمام الإكليريكية فطلع من غرفته ودخل لقى طلبة صوتهم عالي فكلمهم بحزم ووداعة، ففي طالب منهم قال له: أصل أنا يا سيدنا بغسل هدومي فمشاهم كلهم.. تصوروا بعد ما مشاهم، قداسة البابا شنوده غسل بنفسه هدوم هذا الطالب".
يمسح أرضية دورات المياه
يحكي القمص حبيب جرجس، عما سمعه أثناء دراسته بالكلية الإكليريكية كطالب في القسم النهاري ما بين سنة 1987م إلى 1991م، أنه عرف سرًا من أحد العاملين بالإكليريكية (عم ديمتري الفراش) وكان معاصرًا للأنبا شنوده أثناء أسقفيته للتعليم، أنه اكتشف مرة قيام الأنبا شنوده بمسح دورات مياه الطلبة في غياهب الليل.
أشهر خريجي مدرسة الرهبان والكلية الإكليريكية
أشهر خريجي مدرسة الرهبان والكلية الإكليريكية
يقول البابا شنوده: "مدرسة الرهبان أُنشئَت في عهد البابا يوأنس التاسع عشر، في حلوان، وعُيِنَ لها القمص ميخائيل مينا، صاحب كتاب علم اللاهوت، مُديرًا لها، وكان يُطلب من كل دير أن يُرسل اثنين أو ثلاثة للتعليم في مدرسة الرهبان.. ومن أشهر الناس الذين أعرفهم وقد تخرجوا من هذه المدرسة نيافة الأنبا ثاؤفيلوس، الذي كان رئيسًا لدير السريان.
بدأت هذه المدرسة تَضْعُف بعد نياحة القمص ميخائيل مينا، إلى أن انتهت، كما أن إنزال رهبان من الأديرة، لم يكن رؤساء الأديرة يهتمون بهذا الأمر كثيرًا، قليلون من محبي العلم، هم الذين نزلوا إليها مثل نيافة الأنبا ثاؤفيلوس وغيره، ولكن بعض الرهبان الذين كانوا يحبون الإقامة في القاهرة، أو الذين كان يتضايق منهم رؤساء أديرتهم، كانوا يرسلونهم إلى مدرسة الرهبان للتخلص منهم، ففشلت.
أتذكر من أحبائي الذين كانوا طلبة في مدرسة الرهبان وأخذوا مناصب في الكنيسة، نيافة الأنبا لوكاس أسقف منفلوط السابق، ونيافة الأنبا إسطفانوس مطران أم درمان وعطبرة السابق.
ومن الأشخاص الذين تخرجوا من الكلية الإكليريكية وأخذوا مناصب من أشهرهم في العصر السابق لنا: نيافة الأنبا ساويرس مطران المنيا السابق، ومن أشهرهم في عصرنا الحاضر نيافة الأنبا باسيليوس مطران القدس السابق، ونيافة الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي.. هؤلاء هم أشهر خريجي الكلية الإكليريكية..
ومن أشهر خريجيها أيضًا القمص إبراهيم عطية، الذي تولى إدارتها بعد الأستاذ حبيب جرجس، ونيافة الأنبا ديسقورس أسقف المنوفية السابق الذي كان اسمه الأستاذ إدوار يسطس وهو علماني، وحاليًا نيافة الأنبا أبرآم أسقف الفيوم، من خريجي الكلية الإكليريكية، ومنها بعض الوُعاظ المشهورين، وبعض الكهنة المشهورين، منهم القمص بولس باسيلي مثلًا، كان أستاذ الوعظ في الكلية الإكليريكية مدة طويلة، والأستاذ يسى عبد المسيح، الذي دَرَس فيها اللغة اليونانية مدة طويلة، والدكتور برمستر من مدرسيها الذين انتقلوا أيضًا، وكثيرين آخرين ومن الصعب أن أتذكر الجميع".
الرحلات العلمية في الكلية الإكليريكية
شارك الأستاذ شاكر في الرحلة العلميَّة التي قامت بها الكليَّة الإكليريكية إلى مناطق الأقصر وأسوان خلال الفترة من 9-11 فبراير 1962م، وكان يرافقه في نفس الرحلة كل من الأرشيدياكون وهيب عطا الله (المتنيح الأنبا غريغوريوس حيث كان يعمل وكيلًا للكليَّة الإكليريكية وقتها) والأستاذ فؤاد باسيلي (المتنيح القمص بولس باسيلي)، والقمص منقريوس عوض الله. كما شارك في الرحلة العلميَّة التي قام بها معهد الدراسات القبطيَّة إلى منطقة آثار المنيا خلال عام 1970م، وكان معه في نفس الرحلة مجموعة من أساتذة المعهد نذكر منهم: نيافة الأنبا غريغوريوس، د. راغب مفتاح الدكتور إيزاك فانوس، الأستاذة إيريس حبيب المصري.. إلخ.
الوعظ في الإيبارشيات
الوعظ في الإيبارشيات
يقول قداسة البابا شنوده: "ما زلت أسقفًا للكلية الإكليريكية فلم أجد لي أناس أعمل بينهم، من جهة التربية الكنسية، كان أغلب قادة التربية الكنسية في أيامي قد تغيروا، الذي تزوج وترك الخدمة، والذي سافر والذي تخرج وعُيّن في بلدة أخرى، والذي هاجر، ولم أجد الذين كانوا يعملون معي في أيامي إلا الندرة القليلة.
ووجدت مدارس الأحد منقسمة جزء يتبع القمص متى المسكين، وجزء يتبع مدارس الأحد بالجيزة أبونا صليب وأبونا مکاري، وجزء محتار بين هؤلاء وهؤلاء، والكلية الإكليريكية كانت ضعيفة جدًا، یعني أتذكر دفعة أنبا بيمن ودفعة الدكتور إميل ماهر إسحاق، دفعة كان الخريجون فيها واحد، والدفعة الثانية الخريجون ثلاثة، في القسم الليلي.
وبدأت أعمل، تركت السلبيات كلها وبدأت في العمل الإيجابي وظل العمل الإيجابي ينمو شيئًا فشيئًا حتى أصبح واقعًا يعترف به الكل، وحينئذ قامت الدنيا وهاجت ضدي مرة أخرى، ومشيرو السوء بدأوا يهيجون البابا كيرلس ضدي كما لو كنت أنا سأستولى على الكنيسة وأنا أسقف، وكنت أذهب إلى الإيبارشيات أعظ فيها وكان بيني وبين المطارنة حب كبير، ذهبت مرة إلى إيبارشية أبو تيج وكان نيافة الأنبا مرقس مطران أبو تيج من أكثر الناس محبة لي، فحضرت عنده أسبوع نهضة في أبو تيج وطهطا وطما، ويوم الجمعة سافرت إلى القاهرة لألقي عظتي الأسبوعية، ورجعت لألقي أسبوع نهضة آخر في منفلوط، وكان نيافة الأنبا لوكاس من تلاميذي في مدرسة الرهبان بحلوان، وهذا الأسبوع حضره نيافة الأنبا مرقس وسافر إلى منفلوط ليحضر أسبوع النهضة الثالث، طبعًا قلت كلام غير اللي قلته، وانتهى هذا الأسبوع، سافرت يوم الجمعة إلى القاهرة، وعدت لألقي أسبوع نهضة آخر في قنا، وسافر فيه أيضًا نيافة الأنبا مرقس ليحضره، وأيضًا نيافة الأنبا لوكاس وبعدها كان أسبوع في أخميم، ودخلنا مجموعة من الأساقفة كلهم جايين يحضروا أسبوع نهضة، وبدأوا يقولون للبابا: إن الأنبا شنوده بیجمع الأساقفة وبيعمل وبیسوي، وبدأت الدائرة تدور".
الأسر الجامعية
الأسر الجامعية
اعتاد نيافة الأنبا شنوده في إطار خدمته أن يلتقي بكل فئات الشعب، فهو كان ذا أسلوب سهل بسيط في الإقناع ولديه قدرة على جذب الآخرين. وفي هذا الإطار ومن منطلق إيمانه بدور الشباب في المجتمع. اعتاد اللقاء بشباب الأقباط في تجمعات متخصصة فمثلًا كانت له لقاءات دورية بطلبة كلية الطب وكان منهم شماس التقى به صار فيما بعد المطران منير حنا مطران الكنيسة الأسقفية بمصر، وصارت تجمعه بقداسة البابا شنوده علاقة حب وترابط منذ كان طالبًا وقد روى أنه في اجتماعات نيافة الأنبا شنوده كانت القاعة تزدحم بالشباب مسيحيين ومسلمين لعزوبة كلماته. ومنذ وقتها استمرت علاقتهما حتى نياحة قداسته.
يقول البابا شنوده: "كان من ضمن اهتماماتي كأسقف في ذلك الحين رعاية الأسر الجامعية. وقد تأسست الأسر الجامعية قبل أن أكون أسقفًا، وكان يشرف عليها أحد أساتذة كلية الطب الدكتور "شفيق عبد الملك"، وبصفتي أسقفًا للتعليم أصبحت مُشرفًا عليها، ليس من الناحية الإدارية، وإنما من الناحية التعليمية. كنت خلال الأسبوع ألقي محاضرتين أو ثلاثًا أمام هذه الأسر الجامعية التي يجتمع فيها الطلاب المسيحيون من كل الكليات ليشكلوا أسرة تجتمع في أقرب الكنائس.
وبعض هذه الأسر كان تجتمع في البطريركية، وفي كلية الطب في عين شمس، وفي كلية الهندسة، كنا نلقي عليهم محاضرات كل أسبوع، وقد انضم أغلبُ الطلاب المسيحيين إلى هذه الأسر، وكنت أُدعى إلى مجالس العزاء في بعض الجنائز فألقي ما يشبه محاضرات عزاء، إلا أن هذه المحاضرات هي الوحيدة التي لم تسجل لأن الناس لم يكونوا مُهتمين بتسجيل المحاضرة، بل بتأثير هذه المحاضرات على أحوالهم النفسية".
أين مدارس الأحد
أين مدارس الأحد
"أتذكر أنني نزلت إلى العالم كأسقف وجدت الدنيا ملخبطة، أين مدارس الأحد التي كانت موجودة في أيامنا.. أصبح بعض الناس ينتمون للحزب الفلاني، وبعض الناس ينتمون للحزب الآخر، وهم بعيدون عن الجو الروحي، الذي كنت أحبه.
فأول أبيات شِعر قلتها بعد أن أصبحت أُسقفًا سنة 1962م، كانت أبيات بسيطة قلت فيها:
دخلت البيت لا مرثا |
| بساحته ولا مريم |
لأنه لم تكن هناك مريم ولا مرثا، لا ناس يعيشون للحياة الروحية، ولا ناس يعيشون حياة عملية.. وبدأنا نسعى لتصحيح هذا الجو".
منهج الأسقفية لإعداد الخدام
يقول قداسته "أتذكر في بداية السنة الأولى لسيامتي أسقفًا للتعليم في يناير 1963م إنني اعتكفت أسبوعين في منطقة بياض بني سويف وأعددت منهجًا لمرحلة ابتدائي بالتربية الكنسية عُرف فيما بعد باسم منهج الأسقفية، ثم فيما بعد وُضع منهج للمرحلة الإعدادية وآخر للمرحلة الثانوية".
الأنبا شنوده في جناز الأنبا يوأنس
الأنبا شنوده في جناز الأنبا يوأنس
ترأس الصلاة على الأنبا يوأنس مطران الجيزة والقليوبية قداسة البابا كيرلس، وبعض الأساقفة منهم الأنبا شنوده، بالإضافة إلى كهنة الإيبارشية وبعض من كهنة القاهرة.
حضور رسامة الأسقفين الأنبا مكسيموس والأنبا دوماديوس 31 مارس 1963م
ذكرت جريدة (وطني) أنه: "احتفل بإلباس الإسكيم في الساعة الخامسة بعد ظهر أمس (30 مارس) للمطرانين الجديدين في الكاتدرائية المرقسية برئاسة قداسة البابا كيرلس وحضر معه أساقفة منهم الأنبا شنوده أسقف التعليم".
وقد "احتفل صباح الأحد 31 مارس في الكاتدرائية المرقسية برسامة الأنبا مكسيموس أسقفًا للقليوبية والأنبا دوماديوس أسقفًا للجيزة ورأس قداسة البابا كيرلس صلاة الرسامة وحضر معه أساقفة منهم الأنبا شنوده..".
وجاء في مجلة (مدارس الأحد): أنه "ارتجل الأنبا شنوده أسقف التعليم كلمة أظهر فيها خطورة هذه الوظيفة وجسامتها ومسؤلياتها، وكانت كلماته – رغم وداعة الروح التي قيلت بها – كانت قوية عنيفة هزت قلوب الجميع وخاصة قول نيافته: "مسكين ذلك الإنسان الذي يسمونه أسقفًا!!".
تقديم كتاب بستان الروح الجزء الثاني
قام الأنبا شنوده في مارس 1963م بتقديم الجزء الثاني من كتاب "بستان الروح" للقمص شنوده السرياني (الأنبا يوأنس أسقف الغربية لاحقًا) وكانت المقدمة بعنوان "في طريق كنعان" كما نُشرت في مجلة (مدارس الأحد).
الاحتفال بالعيد الرابع لجلوس قداسة البابا كيرلس
الاحتفال بالعيد الرابع لجلوس قداسة البابا كيرلس
في عام 1963م احتفل صباح الجمعة بالعيد الرابع لجلوس قداسة البابا كيرلس السادس على كرسي الكرازة المرقسية، وقد أدى قداسة البابا قداس العيد في دير مار مينا بصحراء مريوط. وقد حضر مطارنة وأساقفة منهم الأنبا شنوده أسقف التعليم.
الأنبا شنوده في وفد يمثل البابا كيرلس في زيارة الإمبراطور هيلاسلاسي
الأنبا شنوده في وفد يمثل البابا كيرلس في زيارة الإمبراطور هيلاسلاسي
جاء في جريدة (وطني) بتاريخ 19 مايو 1963م:
"وصل إلى القاهرة مساء الاثنين الماضي غبطة الأنبا باسيليوس بطريرك جاثليق إثيوبيا يصحبه نيافة الأنبا ثاؤفيلوس أسقف هرر قادمين من القدس بعد زيارتهما للسويد للعلاج، وقد أقاما في القاهرة يومين اتصل في خلالهما غبطة البطريرك الجاثليق بالمقر البابوي للسؤال عن قداسة البابا، ولما علم قداسة البابا بمرضه أناب عنه أصحاب النيافة الأنبا ثاؤفيلوس أسقف دير السريان والأنبا مينا مطران جرجا والأنبا صموئيل أسقف الخدمات العامة والأنبا شنوده أسقف المعاهد الدينية والأنبا دوماديوس أسقف الجيزة لزيارته والاستفسار عنه وإبلاغه تحيات ودعوات قداسة البابا.
اجتماع مجلس كنائس جميع إفريقيا
اجتمع قادة الكنائس الإفريقية في 20 إبريل 1963م بكمبالا– أوغندا، وأعلنوا تأسيس مجلس كنائس جميع إفريقيا واعتبروا هذا الاجتماع أول جمعية عمومية للمجلس.
وفي المدة من الثاني وحتى الثاني عشر من سبتمبر عام 1969م اجتمعت الجمعية العمومية الثانية في أبيدجان– ساحل العاج.
حضور حفل خريجي الكلية الإكليريكية
حضور حفل خريجي الكلية الإكليريكية
يُعتبر يوم 1 يونيو 1963م يومًا من الأيام الخالدة في تاريخ بيت ومجلة (مدارس الأحد)، إذ تفضل الحبران الجليلان الأنبا صموئيل والأنبا شنوده بتلبية دعوة البيت، لحضور الحفلة التي أُقيمت لخريجي القسمين العالي والمتوسط بالكلية الإكليريكية، بمناسبة انتهاء العام الدراسي مع بعض أعضاء هيئة التدريس والطلبة المُحتفى بهم. وكان في استقبالهم الأبوان الفاضلان القمص جرجس إبراهيم والقمص مرقس غالي مع أعضاء مجلس إدارة البيت والخادمات والخدام.
وكان ملخص كلمة الأنبا شنوده التي اختتم الحفل بها، كما جاء بالمجلة:
"لأول مرة منذ تسع سنوات تطأ قدماي هذا الشارع. وفي الحقيقة ما كنت أظن أبدًا عندما خرجت من هذا المكان للدير أن أرجع وتطأه قدماي مرة أخرى، رغم محبتي له وللساكنين فيه. ويوم رُسمت كانت أمامي نص الآية الواردة في سفر إرمیا، وأخيرًا "عَرَفْتُ يَا رَبُّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ طَرِيقُهُ. لَيْسَ لإِنْسَانٍ يَمْشِي أَنْ يَهْدِيَ خَطَوَاتِهِ" (إر10: 23)!
ثم أظهر ألمه بسبب الحفاوة التي استقبلوه بها فقال: لأن هذا ليس من طقسنا كرهبان وإذا أردت أن تكون معروفًا عند الله فلا تكن معروفًا عند الناس لأن الشخص إذا أصبح معروفًا عند أناس كثيرين لا يكون لديه الوقت الكافي لله.
وفي حديثه عن ذكرياته كرئيس مجلس إدارة البيت ومديره وكرئيس تحرير المجلة، أخذ يوجه نصائح المجرب المختبر للمسئولين، ذاکرًا کما يقول أخطاءه حتى لا يقع فيها القائمون على شئون الخدمة، ومضی يقول: كان فيه عداء تقلیدي بیني وبين أمناء الصندوق في البيت فقلت لأحدهم وكان من خريجي كلية التجارة: أنت درست الاقتصاد في الجامعة ويعوزك أن تعرف الاقتصاد في الكتاب المقدس. الاقتصاد في الكتاب المقدس هو أنك تجعل الصندوق دائمًا فارغًا لكي يملأه المسيح. وكنت أعتقد أن كل جمعية تحاول زيادة رصيدها إنما تدل على فشلها في تأدية الرسالة لأن النجاح المستمر يحتاج إلى الصرف.
ومضى يقول: وأعتقد أن إدارة بيت من هذا النوع لا يمكن أن توجد صفة لإدارته أكثر من صفة المحبة الكبيرة التي تُعطي الأولاد محبة من كل القلب. يشعر بها الولد أن عضو مجلس الإدارة عبارة عن أب له يفتح له قلبه ويقول له جميع خطاياه لا ليعاقب عليها وإنما لكي يجد حنانًا وعطفًا ومحبة مهما قال من خطايا.
ثم تحدث عن رئاسته لتحرير المجلة فعدد المتاعب التي كان يلاقيها في سبيل إخراج كل عدد من أعداد المجلة، وكان في سبيل ذلك يتعرض لنقد مرير بسبب عدم نشر بعض المقالات وبسبب تأخیر صدور المجلة.
وختم حديثه بقوله: "أنا أشكر ربنا من أجل إخوتنا ومن أجل كفاحهم في الخدمة كشخص عاش في هذا البيت أعرف تمامًا مقدار التعب، فتعب الأولاد ليس بهين. إن العمل الذي يقوم في هذه المؤسسة عمل كبير فليس قاصرًا على التربية فقط بل في كثير من الأحيان يكون وراء کل ولد مشكلة فتربيته حاجة وإنقاذه من مشكلته مسألة أخرى، وأخيرًا أسأل الرب أن يُعطي القائمين نعمة وقوة وإرشادًا".
أعمال أخرى للأنبا شنوده أسقف التعليم
في استقبال البابا كيرلس في القاهرة
"اُستقبل قداسة البابا كيرلس السادس عند عودته إلى القاهرة في الأسبوع الماضي استقبالاً حافلاً.. وكان في استقباله مطارنة وأساقفة منهم الأنبا شنوده أسقف التعليم".
الأنبا شنوده في جناز الأنبا بنيامين مطران المنوفية
ترأس البابا كيرلس صلاة الجناز على الأنبا بنيامين مطران المنوفية، وشارك في الصلاة الأنبا شنوده، كما حضر العقيد عبد المسيح غبور نائبًا عن الرئيس جمال عبد الناصر، والدكتور كمال رمزي استينو وزير التموين والدكتور نجيب إسكندر وزير الصحة السابق، وآخرون.
أول اجتماع للمجمع المقدس 1963م
في أول اجتماع للمجمع المقدس حضره نيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم في عام 1963م، اقترح نیافته أن ينضم إلى مجمع القديسين بالكنيسة القبطية القديس الأنبا أبرآم أسقف الفيوم والجيزة، والأنبا صرابامون أبو طرحة أسقف المنوفية، والقمص ميخائيل البحيري (تلميذ الأنبا أبرآم) وقد وافق المجمع المقدس برئاسة البابا كيرلس السادس على هذا الاقتراح".
عيد تأسيس الإكليريكية 1963م
"في عام 1963م وفي احتفال الكلية الإكليريكية بعيد تأسيسها، ألقى نيافة الأنبا شنوده كلمة عميقة أشاد فيها بضرورة التثقيف اللاهوتي لكل خدام الكنيسة وبدور الإكليريكية وأهميتها، ونسب كل الفضل فيها للقديس الأرشيدياكون حبيب جرجس فقال: حفر أستاذ حبيب جرجس حفرة، ووضع أساسًا وبنى حجرين، الأول هو الإكليريكية، والثاني هو مدارس الأحد".
زيارة أديرة جبل أثوس 20 يونيو سنة 1963م
زيارة أديرة جبل أثوس 20 يونيو سنة 1963م
يقول قداسة البابا شنوده الثالث: "في فترة عملي كأسقف زرت في عام 1963م أديرة جبل "أثوس" بمناسبة العيد الألفي لتأسيسها على يد القديس "أثناسيوس" قديس الكنيسة الأرثوذكسية البيزنطية في اليونان، وتوجهت إلى بلاد اليونان، وهناك أبحرنا من ميناء بيريه في اليونان على متن باخرة لمدة ستة عشر ساعة حتى رست بنا عند أديرة جبل "أثوس".
وجاء في جريدة (وطني) يوم 16 يونيو 1963م: "على أثر الدعوة الموجهة من قداسة بطريرك القسطنطينية لقداسة البابا كيرلس السادس بمناسبة الذكرى الألفية لأديرة جبال أثوس باليونان يوم 20 يونيو سنة 1963م انتدب قداسة البابا نيافة الأنبا شنوده أسقف المعاهد الدينية والقمص قزمان البراموسي أمين دير البراموس والقمص بولس المحرقي سكرتير قداسة البابا لحضور الاحتفالات بهذه الذكرى وسيسافر هذا الوفد يوم ۲۰ الجاري لهذا الغرض".
وفي الأسبوع التالي كتبت جريدة (وطني): "سافر صباح الخميس الماضي إلى جينيف نيافة الأنبا صموئيل أسقف الخدمات العامة والاجتماعية لتمثيل الكنيسة القبطية في اجتماعات اللجنة المركزية واللجان الأخرى لمجلس الكنائس العالمي الذي يجتمع مرة كل عام، وقد سافر على نفس الطائرة إلى أثينا نيافة الأنبا شنوده أسقف المعاهد الدينية والقمص قزمان البراموسي أمين مكتبة دير البراموس والقمص بولس شحاته المحرقي سكرتير قداسة البابا لتمثيل الكنيسة القبطية في احتفالات العيد الألفي لأديرة جبل أثوس باليونان".
وكتبت جريدة (وطني) يوم 30 يونيو 1963م: "عاد إلى القاهرة مساء الخميس الماضي نيافة الأنبا شنوده أسقف المعاهد الدينية ورئيس وفد الكنيسة القبطية، الذي سافر في الأسبوع الماضي إلى اليونان، للاشتراك في احتفالات الذكرى الألفية لأديرة جبال أثوس باليونان، وعاد مع نيافته القمص قزمان البراموسي أمين مكتبة دير البراموس والقمص بولس المحرقي سكرتير قداسة البابا للشؤون القانونية، وعضوا وفد الكنيسة في هذا الاحتفال وقد قابل الوفد المصري غبطة البطريرك المسكوني، وجلالة ملك اليونان، والأستاذ عبد المنعم النجار سفير ج. م. ع. في اليونان، ورحبوا بهم ترحيبًا كبيرًا وقد حيت الصحف اليونانية مندوبي الكنيسة المصرية ونشرت صورة لهم عند وصولهم ويرى في الصورة الأولى الملك بول ملك اليونان وإلى يمينه البطريرك أثيناغوراس وإلى يساره القمص بولس المحرقي عضو الوفد القبطي، وفي الصورة الثانية نيافة الأنبا شنوده أسقف المعاهد الدينية ورئيس الوفد القبطي، وفي الصورة الثانية نيافة الأنبا شنوده أسقف المعاهد الدينية ورئيس الوفد القبطي".
مؤتمر أمناء الأفرع وواضعي مناهج التربية الكنسية 1963م
مؤتمر أمناء الأفرع وواضعي مناهج التربية الكنسية 1963م
عقد الأنبا شنوده مؤتمرًا في عام 1963م جمع فيه أمناء الأفرع وواضعي مناهج التربية الكنسية وعرض عليهم منهج الأسقفية وناقشهم، وتم الاتفاق على هذا المنهج الذي قوبل بالبحث والدراسة ثم الموافقة والترحاب، لأنه وُضع على أسس تربوية، وصدر المنهج في 1969م، وكان هذا المنهج يطبع سنويًا ويوزع على الخدام (منهج موحد).
حفل إعلان قداسة الأنبا أبرآم أسقف الفيوم
حفل إعلان قداسة الأنبا أبرآم أسقف الفيوم
جاء في جريدة (وطني) يوم 14 يونيو 1964م تحت عنوان "إحياء ذكرى الأنبا أبرآم ورفع اسمه إلى مرتبة القديسين": "احتفلت بطريركية الأقباط الأرثوذكس بإحياء ذكرى الأنبا أبرآم مطران الفيوم والجيزة الأسبق بمناسبة مرور خمسين عامًا على نياحته وذلك برعاية قداسة البابا للحفل في القاعة المرقسية بالأنبا رويس في الساعة السادسة والنصف من مساء يوم الأربعاء الماضي.
وقد امتلأت القاعة المرقسية بالشعب المحب للأنبا أبرآم والمتعطش لسماع ذكراه، مما برهن على وفاء الشعب المنقطع النظير لرعاته الأوفياء رغم مرور السنين.
وقد أناب قداسة البابا نيافة الأنبا لوكاس مطران منفلوط وأبنوب لرياسة الحفل وحضره أصحاب النيافة الأنبا أنطونيوس مطران سوهاج والأنبا صموئيل أسقف الخدمات العامة والاجتماعية والأنبا شنوده أسقف المعاهد الدينية والكلية الإكليريكية وفي مقدمتهم القمص ميخائيل عبد المسيح الوكيل العام للبطريركية كما حضر الحفل عدد كبير من الآباء الكهنة وممثلو الطوائف المسيحية..".
استقبال البابا كيرلس للأنبا شنوده وآخرين
استقبال البابا كيرلس للأنبا شنوده وآخرين
تحت عنوان (المقر البابوي) نشرت جريدة (وطني) يوم 5 يوليو 1964م الخبر التالي: "استقبل قداسة البابا بالمقر البابوي في الأسبوع الماضي أصحاب النيافة الأنبا يوأنس مطران الخرطوم، والأنبا أنطونيوس مطران سوهاج، والأنبا ثاؤفيلوس أسقف دير السريان، والأنبا شنوده أسقف المعاهد الدينية، والأنبا دوماديوس أسقف الجيزة، والأنبا إسطفانوس أسقف عطبرة، كما استقبل قداسته السادة المستشار فريد الفرعوني وكيل مجلس ملي الإسكندرية، والسفير السابق ديمتري رزق، والأستاذ راغب حنا سكرتير هيئة الأوقاف".
حفل يوم الإكليريكية والإكليريكيين 1964م
حفل يوم الإكليريكية والإكليريكيين 1964م
جاء في مجلة (مدارس الأحد): "كان اليوم الأول من ديسمبر سنة 1964م يومًا مشهودًا في تاريخ الإكليريكية إذ وافق مرور واحد وسبعين عامًا على هذا الصرح الشامخ منذ إنشائه. وللحقيقة لم يبدأ هذا الصرح في عظمته الحالية ولا في أهدافه الراهنة. فلم تصبح الإكليريكية تخرج معلمين فحسب بل معلمين روحانيين يدرکون ما عليهم من واجبات أكثر من إدراكهم ما لهم من حقوق، فليس لهم أهداف مادية بل أهدافهم تنحصر في كيف يكرزون وكيف يبشرون بذاك الذي دعاهم من الظلمة إلى نوره العجيب. وها هو اليوم للإكليريكيين أسقف يرعاهم بالأمانة والحق.
انصتوا أيها الجموع فها هو موكب الحفل يدخل القاعة المرقسية يتقدمه نيافة الحبر الجليل الأنبا أبرآم مطران الفيوم، والأنبا مكسيموس أسقف القليوبية، والأنبا شنوده أسقف التعليم، والأب القمص باخوم المحرقي وكيل أسقفية التعليم، والآباء الأجلاء والأساتذة مدرسو الكلية الإكليريكية - وها هي أصوات خورس الكلية.. لا بل صوت هذا الخورس فإن الإلحان التي تقال كأنها من شخص واحد.. ما أعمقه من "لحن إيفلوجيمينوس".
وما أن اصطف موكب الحفل على مسرح القاعة حتى عزف السلام الجمهوري إذ استمرت الألوف الحاضرة واقفة مع الآباء الروحيين حتى انتهى السلام ثم صلاة الشكر من حضرة صاحب النيافة الأنبا أبرآم مطران الفيوم.
وتلا ذلك نشيد الكلية: (معهد اللاهوت.. يا نور الهدى..)، ثم كلمة الافتتاح لحضرة صاحب النيافة الأنبا شنوده أسقف الكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية. ما أجمل روح التواضع.. لأسقف يعلن أنه تعلم ولا زال يتعلم على يد وكيل الأسقفية، أي روح هذه! ليسمعها عبّاد الذات، ونهاب الشهوات ليسمعها المنادون بكلمة أنا، ليسمعها كل مَن يقتله الغرور، وتسحقه الكبرياء. ليسمعها كل متعال يظن في نفسه أنه قد صار شيئًا. أليس هذا الصوت بعينه هو تكرار ذلك الصوت المنبعث من سير القديسين، إذا فعلتم كل البر فقولوا إننا عبيد بطالون. استعرض نيافة الأسقف تاريخ الإكليريكية مُشيدًا بمن عملوا بها.. وخاصة المتنيح الأستاذ حبيب جرجس.
ثم تلا ذلك خورس الكلية في لحن کنسي (إي أغابي)، وكلمة الخريجين للشماس صليب القس ديمتری جرجس ثم كلمة خريجي القسم الليلي باللغة القبطية للشماس الدكتور إميل ماهر يترجمها الشماس ناشد متى ترجمة فورية ثم أنشد خورس الكلية لحن (تين أويه أنسوك).
وبين تصفيق الألوف في القاعة المرقسية وقف الدكتور القمص باخوم المحرقي ليقدم تقرير الكلية وكان تقريرًا وافيًا شافيًا لإنسان عاصر الكلية منذ أمد بعيد وكانت له فرصة طويلة مع المتنيح الأستاذ حبيب جرجس.
ثم أنشد خورس الكلية لحن (بي ابنفما)، وتلا ذلك توزيع الشهادات للخريجين وما أعجب هذا الخليط العجيب من آباء كهنة - شامسة معيدين بالكلية الإكليريكية أطباء – مهندسون – محامون - مدرسون خريجي القسم الليلي.. ما أعجبك أيها الدم الجديد في كنيسة محتاجة لهذا التجديد. وإننا لفي انتظار اليوم الذي تحملون فيه المشعل لتضيئوا للجالسين في الظلمة مبتدأين من الكلية الإكليريكية منتهين لكل زاوية من زوايا الأرض في شتى أنحاء الكرازة الحصاد كثير والفعلة قليلون.
كلمة حضرة صاحب النيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم في حفل التخرج للإكليريكية
كلمة حضرة صاحب النيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم في حفل التخرج للإكليريكية
أجد نفسي سعيدًا أن أقف بينكم هذه الليلة أنا الصغير غير المستحق لشيء من محبتكم جميعًا. أقف لأكلمكم عن الإكليريكية التي كان لها فضل كبير عليَّ في تكويني وفي تعليمي وفي تنشئتي. أذكر أول ما أذكر كلمة قالها المرحوم الطيب الذكر بطرس باشا غالي قال: "اهتموا بالإكليريكية فإنه لو أغلقت جميع مدارسكم تجدون منها بديلًا في المدارس الأخرى أما إذا أغلقت الإكليريكية فلن تجدوا لها بديلاً على الإطلاق". هذه الإكليريكية بدأت ببدء الكرازة في مصر وكانت مصدر النور والقوة للكنيسة القبطية. المدرسة الإسكندرية الأولى التي وقفت ضد اليهودية وضد الفلسفة وضد الوثنية عمومًا وضد محاربات الرومان وصمدت تعطي من علمها ومن روحها للناس. ليست هذه الإكليريكية الأولى هي التي أريد أن نتكلم عنها اليوم. وإنما أقول إنه بعد عهد ديديموس الضرير في أواخر القرن الرابع الميلادي لم يظهر من أساتذة الإكليريكية غير أشخاص بسطاء مثل ريدون أو غيره. وظهر القرن الخامس وإذا بالإكليريكية قد وقفت حركتها أو ظهرت كذلك. ومر على ذلك أربعة عشر قرنًا من الزمان. في أثنائها جاهدت الكنيسة على قدر ما تستطيع، ثم جاء على الكنيسة عصر كان عصرًا مُظلمًا تمام الظلام ناح كثيرون وبكوا على ضعف الكنيسة في ذلك الزمان ولكن هؤلاء النائحين لم ينفع نوحهم شيئًا. هناك آخرون نادوا بالإصلاح لم يكونوا نائحين وإنما كانوا شتامين ظلوا يشتمون ويسبون في الأوضاع الخاطئة ما عن لهم ذلك وشتيمتهم وسبهم لم يُجدِ الكنيسة شيئًا. ظهرت جماعة أخرى من المتشاجرين كان بينهم وبين الإكليروس عراك طويل ولم يُجدِ عراكهم شيئًا، ولكن طائفة أخرى ظهرت في ذلك الحين كان لها الأثر الفعّال في حياة الكنيسة جميعًا - لم تكن طائفة النائحين ولا طائفة الشتّامين ولا طائفة المتشاجرين وإنما كانت طائفة البنائين. ظهر الأستاذ حبيب جرجس.
حبيب جرجس رجل البناء العظيم أستاذنا جميعًا أمسك بيديه حجرين کريمین وحفر أساسًا ووضع الحجرين: كان أحدهما هو الإكليريكية وكان الثاني هو مدارس الأحد. وضع حبيب جرجس من أمامه ذلك المثل الروحي الجميل الذي يقول: "بدلًا من أن تلعنوا الظلام أضيئوا شمعة". وضع الحجرين الأساسيين وظل يبني في صمت وفي هدوء وفي احتمال. وكان ينظر إلى هذا البناء وهو يرتفع مُرتلًا قول الكاهن: "وأما شعبك فليكن بالبركة ألوف ألوف ربوات ربوات يصنعون مشيئتك" ونمت الإكليريكية ونمت مدارس الأحد حتى آتت كل منهما ثمرها في حينه واجتنينا نحن هذا الثمر. آخرون تعبوا ونحن دخلنا على تعبهم.
ماذا كانت الإكليريكية التي بناها حبيب جرجس، يحلو لي أن اؤخر عقارب الساعة واحد وسبعين عامًا من الزمان وأتأمل ماذا كانت الحالة. أتذكر الآيات الأولى من سفر التكوين: "وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ. وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ" (تك1: 2، 3) وكانت الإكليريكية.
لم يكن في الكنيسة واعظ واحد في ذلك الحين كان هناك رجل واحد يعظ في الكنيسة من طولها إلى عرضها. رجل واحد فريد هو المتنيح الطيب الذكر الرجل العظيم الإيغومانوس فيلوثاؤس إبراهيم. لم یكن هناك وعاظ كانت الطوائف الكثيرة قد بنت بناءها على أساس الكنيسة القبطية. أتى كثيرون إلى مصر ليبشروا باسم المسيح وكان تقريبًا كل ما فعلوه أنهم لم يعطوا اسم المسيح لأشخاص لا يعرفونه بل أخذوا من جسم الكنيسة القبطية وضموا إلى أحضانهم. وظلت الكنيسة تتضاءل على حساب نمو هؤلاء. لم يكن هناك واعظ أو معلم أو مؤلف إلا القليل. كان الظلام ينشر لواءه في كل مكان ثم بذلت محاولات سنة 1893م لبناء الإكليريكية.
ثم شرح نیافته كيف بدأت الإكليريكية الأولى بخمسة عشر طالبًا لم يستمر منهم إلا حبيب جرجس الذي صار ناظرًا للاكليريكية فيما بعد، وإسحاق جرجس الذي صار واعظًا في أبنوب الحمام، وكيف أن الطلبة الذين جاءوا ليتخصصوا في الدين لم يجدوا بالمدرسة مُدرسًا للدين وأخيرًا اختاروا حبيب جرجس وهو طالب في السنة الثانية ليتولى تدريس الدين وأبلى بلاءً حسنًا وصار أستاذًا للاهوت والدين وسار من إيبارشية إلى إيبارشية أثناء الصيف يكرز ويبشر رسالة الملكوت، لا يتحدث عن أخطاء الناس ولا مشاكل الكنيسة ولا المتاعب التي توجد هنا وهناك، وإنما كان النور الذي يضيء كل مكان تغشاه الظلمة وظل يجاهد حتى صار له تلاميد كثيرون وبدأ الوعظ ينتشر في كل بلاد القطر.
ومضى نيافته/ قداسته يقول:
هذه هي الإكليريكية في مدى واحد وسبعين عامًا بدأت بسيطة لم يكن لها مسكن مثل هذا البناء الكبير الضخم ومثل تلك الأبنية الكبيرة المحيطة. كانت في بيت ضئيل في حي الفجالة ثم نُقلت إلى البطريركية ثم ذهبت إلى مهمشة ثم أُعيدت إلى البطريركية ثم رجعت مرة أخرى إلى مهمشة ثم جاءت إلى أنبا رويس. ظلت تنتقل من مكان إلى آخر لا تجد أين تضع رأسها حتى استقرت في هذا المكان. لم تكن لها ميزانية فظل حبيب جرجس يطوف البلاد من شرقها إلى غربها يطلب معونة من الناس ويطلب تبرعات حتى بنى الإكليريكية من مجهوده الخاص وما جمعه من تبرعات وبنى إلى جوارها مشروعات كنسية كثيرة مثل مدرسة الأقباط الصناعية ومثل 365 فدانًا اشتراها من تبرعاته. رجل واحد عمل عملاً كبيرًا نقف نحن لكي نجني من ثمار هذا العمل. لم يكن في الإكليريكية مدرسون فأعد المدرسين، لم يكن في الإكليريكية داخلية كان كل ما عندهم عبارة عن غرفتين فقط يزدحم فيهما جميع التلاميذ.
وظل حبيب جرجس نورًا للكنيسة المرقسية جمعاء وبعد أن آوى إلى ربه مُستريحًا ظل نوره يضيء حتى هذا الزمان ونحن جميعًا نسير على خطاه نسترشد بنوره العظيم ونقول: "كلنا أولاد حبيب جرجس". لا أستطيع أن أقف اليوم بدون أن أذكر هذا الرجل. كان رجلًا قويًا في روحه. كان طاقة روحية جبارة. كنت أعتاد كلما ذهبت إلى زيارته أن آخذ مفكرة بسيطة وفي كل زيارة أحصل على جملتين أو ثلاث جمل من العبارات الخالدة أسجلها منفعة لنفسي وبنيانًا لحياتي الروحية. كنت أجد فيه الوداعة مترسّمة والقوة الروحية والتسامح كنت أجده مثاليًا.
ثم ذكر نيافته أسماء بعض الأساتذة الكبار الذين خرجتهم الإكليريكية في مدى الواحد والسبعين عامًا والذين كانوا نورًا للكنيسة أمثال الرجل اللاهوتي العظيم المرحوم سمعان سليدس والرجل الطقسي الكبير المرحوم یسی عبد المسيح والعالمين الكبيرين في اللغة القبطية إقلاديوس لبيب والقمص تادرس تاوضروس واللحن الموسيقي الرائع في الكنيسة مع العلامة الكبير المعلم میخائیل جرجس.
ومضی نیافته يذكر بعض الأحياء منهم أمثال الأب الفاضل والإمام الكبير القمص إبرهيم عطية صاحب العقلية الوقادة وحسن الإدراك للعلوم اللاهوتية، وأستاذ الكتاب المقدس القمص ميخائیل متی. والقمص باخوميوس المحرقي الذي درس نیافته الكثير على يديه. والرجل الذي يرن اسمه في الصعيد وهو القمص عبد المسيح ثاؤفيلوس..
غير أن الإكليريكية ليست مجرد مصدر للعلم. الإكليريكية عبارة عن روح يودعها أساتذة في قلوب تلاميذهم. ليست الإكليريكية أبنية أو مؤسسات وإنما هي أستاذ مملوء من روح مقترن بالمعرفة والقدوة الصالحة. لذلك كان حرصنا كبيرًا على الأساتذة الذين يعملون فيها وكذلك أصبح هدفنا أن نهتم بالتلاميذ في حياتهم الروحية كما نهتم بهم في دراساتهم فنحن نهتم بالتلميذ في صلاته، في اعترافه، في تناوله، في قدوته الصالحة، في سلوكه حتى تخرجه شخصًا ممتازًا للكنيسة، والذي لا يصلح نخرجه من الإكليريكية قبل أن يخرج منها حتى نضمن إذا تخرج إنسان أن يكون شخصًا صالحًا ينفع الخدمة وينفع التعليم ولذلك نحن نشدد كثيرًا في اختبار الدخول.
ثم ذكر نيافته أن السنة الأولى كلها تعتبر سنة اختبارية للطالب وأنه من السهل أن يفصل الطالب وبينه وبين بكالوريوس الكلية ساعات معدودات إذا ظهر أنه غير صالح للخدمة الدينية.
هذه هي الكلية الإكليريكية التي أرجو من الجميع أن يشجعها بكل ما أوتي من قوة. کثیرون يخطئون التفكير ويقولون عندما تصل الإكليريكية إلى أعلى مستوی نطلبه لها عند ذلك نلتحق بها ونشجعها، كلا شجعوها الآن لتصل إلى هذا المستوى العالي الذي تريدونه. عندما دخلت إلى الإكليريكية كانت أقل منها حاليًا وعندما تخرجت منها كانت أفضل حالًا، وكنت أشعر أن كل عام يمر على الإكليريكية تخطو فيه خطوة إلى الأمام وتسير قدمًا نحو الهدف الذي نريده لها. نحن لم نصل للكمال، لنا أخطاء كثيرة، لنا سقطات كثيرة، لنا ضعفات کثيرة ولكن لنا نيات صالحة من جهة الله نرجو أن تنمو بصلواتكم وأن يعطيها الله قوة لكي تنفذ فشجعوا الإكليريكية في كل حال في ضعفها لكي تخرج من ضعفها، وفي قوتها لكي تزداد قوة على قوة. أنا أشكر باقي الأساقفة الأجلاء على تشجيعهم للكلية الإكليريكية، أشكرهم من كل قلبي وأطلب أن يستمروا في هذا التشجيع للطلبة لأنه إن شعر الطلبة أن لا مستقبل لهم من بعد التخرج لا يُقبلون على الكلية وبالتالي نفقد هذه الفائدة الكبيرة التي يتثقف بها الطلاب.
أنا لا أطلب جاهدًا أن يُرسم الإکليريكیون، الإكليريكية أن تكون عروس جميلة يشتهيها كل من يراها وطلبتها يتهافت عليهم الناس، فإذا وصل الطلبة إلى درجتهم العليا وإلى مثاليتهم التي نرجوها، سيتلقفهم الآباء الأساقفة من كل مكان ویبحثون عنهم فلا يجدونهم، عملنا هو أن نخرج أشخاصًا صالحين. وليس عملنا أن نرغم الناس على رسامتهم وإنما إذا خرجوا صالحين ستكون لهم رائحة زكية تملأ الأرجاء يشمها الناس من بعيد فيبحثون عنهم ويطلبونهم ويجاهدون في العثور عليهم. لذلك لا نخلي أنفسنا من المسئولية. أنا أكون سعيدًا بكل الملاحظات القيمة والاقتراحات الجميلة التي يقترحها علينا آباؤنا المطارنة والأساقفة. وقد سعدت اليوم ببعض توجيهات قوية حكيمة قالها لي صاحب النيافة الحبر الجليل الأنبا أبرآم أسقف الفيوم وأعده أمامكم بتنفيذها على قدر ما أوتيت من قوة بصلاته، أيضًا كل ملاحظة تصلني أحاول على قدر إمكاني أن أنقذها. اقترح عليَّ اقتراحًا جميلًا صاحب النيافة الأنبا مكسيموس أسقف القليوبية أن تعمل شهادة جميلة لكل من يرسم أغنسطس في الكنيسة، ثم لكل من يرسم إبدیاکون، ثم لكل من يرسم دیاکون، وكل من يرسم قسيسًا فيما بعد، والإخوة الذين رسموا أغنسطسيين سيأخذون شهادات جميلة يحتفظون بها تذكارًا لرسامتهم، وأيضًا كل من سيرسمون فيما بعد في رتب أخرى.
ونرجو أيضًا أن نتمتع بخبرة نيافة الأنبا مكسيموس في اللغة القبطية فيأتينا في الاختبارات الشفوية للغة القبطية إن أعطاه الرب وقتًا، وأطلب منه هذا أمامكم وأرجو أن يعطيه الرب وقتًا. كذلك لا أنسى التشجيع الكبير الذي لقيته الإكليريكية من صاحب النيافة الحبر الجليل الأنبا دوماديوس أسقف الجيزة، أول دفعة من الخريجين أقام لها الأنبا دوماديوس حفلة عنده، وقال لهم: "الجيزة هي بيتكم تأتون إليها في كل وقت، اعتبروا أنها جزء من الإكليريكية"، أنا أشكر التشجيعات الكبيرة التي تصل إلينا من الناس وأشكر أيضًا الأشخاص الذين ساهموا في الخدمة القروية، الطلبة الإكليريكيون يتمرنون على خدمة عملية قروية كل أسبوع وفي الأحياء الفقيرة المحيطة بالقاهرة والجيزة وبالقليوبية يعملون الآن في أكثر من خمسين قرية ويعلّمون آلاف الأولاد واجتماعات كثيرة للشعب رجالًا وسيدات ومدارس أحد حتى أنه يوجد فرع واحد يخدمون فيه ثلاثة أيام في الأسبوع هذه الخدمة يتبرع لها الكثيرون من أفراد الشعب وكان صاحب الفضل الأول فيها جناب الأب الحبيب القمص شنوده السرياني عافاه الله. أخيرًا أترك المجال لمن هم أقدر مني على الكلام ولله المجد دائمًا أبديًا آمين".
ماذا قال الأنبا شنوده عن شخصية عبد الناصر
ماذا قال الأنبا شنوده عن شخصية عبد الناصر؟
"عندما سُئل قداسة البابا شنوده الثالث: هل التقيت بالرئيس جمال عبد الناصر عندما كنت أسقفًا للتعليم وما هي رؤيتك له؟
أجاب قداسة البابا قائلًا: لم يكن موقعي يسمح لي أن أقابل عبد الناصر أو أن تعامل معه مباشرة.. وقد رأيته مرة واحدة.. ففي منتصف الستينيات ذهبت مع أسقف آخر نيابة عن البابا كيرلس الذي كان غائبًا لوداع الإمبراطور الإثيوبي هيلاسيلاسي في المطار، وقد كانت تربطه بالبابا كيرلس علاقة وثيقة. كنا متأخرين في الوصول. ودخلنا سريعًا لأجد نفسي أمام الرئيس عبد الناصر بكل هيبة قامته.. ونظرات عينيه القوية والمؤثرة كانت له هيبة! وقد كان يتحمس له كثيرون في الوطن العربي أكثر مما يتحمسون لحكامهم.
مثَّل عبد الناصر عروبة واسعة الانتشار، ودافع عن قضايا العرب. وفي نفس الوقت كانت له سياسة إفريقية وسياسة إسلامية. الثورة في عصر عبد الناصر تحركت في اتجاهات متعددة ولم تحصر نفسها في ضفة واحدة أو في نطاقين.
جمال عبد الناصر إنسان قوي يمثل القوة المصرية والانتشار المصري وكان نفوذه واسعًا وشهرته كبيرة في العالم، وإن كانت بعض الدول العربية تقف ضده في ذلك الحين حتى عندما حدثت نكسة 1967م، وهو الحدث الذي ترك في عبد الناصر تأثيرًا كبيرًا استطاع أن يخرج منه بسرعة وأن يعيد بناء القوات المسلحة وأن يعطيها قوة الدفاع، ثم قوة الصمود، ثم قوة الهجوم.
وانتصار مصر في أكتوبر يرجع الفضل الأول فيه إلى الرجل الذي وضع أساس النصر، لقد أحبه الناس، ولم يحدث في تاريخ مصر كلها أن وجد موكب جنازة أروع من موكب عبد الناصر لا زلت أتذكر كيف بكى الناس من عمق قلوبهم عندما تنحى سنة 1967م".
الأنبا شنوده يدعو لعقد مؤتمرات إقليمية لخدام التربية الكنسية 1965–1966م
الأنبا شنوده يدعو لعقد مؤتمرات إقليمية لخدام التربية الكنسية 1965–1966م
يقول البابا شنوده: "فأنا كمسئول عن التربية الكنيسة كنت أدعو إلى عقد مؤتمرات إقليمية لخدام التربية الكنيسة، وقد عقد أحد هذه المؤتمرات في بني سويف في منطقة بياض، وكان مؤتمرًا موسعًا. وعقدنا مؤتمرات أخرى في محافظة الدقهلية وفي المنصورة، ومؤتمرات شهرية في القليوبية وفي بنها، وكانت ثمرة هذه المؤتمرات إصدار كتاب "الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي". وقد حوى سلسلة محاضرات ومناقشات جرت في بنها سنة 1965-1966م. في تلك الفترة أيضًا أصدرت كتاب "شريعة الزوجة الواحدة في المسيحية" وكان ذلك عقب قضية حكم فيها القاضي بالسماح لأحد المسيحيين بأن يتزوج امرأتين. وكان مضمون الكتاب ضد هذا الرأي، وفيما بعد صدر حكم من محكمة النقض المصرية ينص على الالتزام بشريعة الزوجة الواحدة في المسيحية وفقًا لما أصدرناه من كتب. وفي تلك الفترة أيضًا أصدرت كتاب "الوصايا العشر في المفهوم المسيحي" وبعض كتب أخرى، وكل ذلك أثناء خدمتي كأسقف".
مجلة الكرازة 1965م
مجلة الكرازة 1965م
يقول قداسة البابا: "قمت بإصدار مجلة الكرازة عام 1965م - وما تزال مستمرة في الصدور حتى الآن-، وقد كتب فيها كثيرون من الآباء المطارنة والأساقفة والكهنة، بالإضافة إلى عدد كبير من الخدام العلمانيين.
ومن ضمن من عملوا فيها ككاتب ومحرر بتكليف من الأنبا شنوده هو القس أثناسيوس بُشرى: "لقد اختاره نيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم وقتها (المتنيح البابا شنوده الثالث فيما بعد) كمحرر في مجلة الكليَّة الإكليريكية "الكرازة" منذ بداية صدورها سنة 1965م، وظل يكتب بها العديد من المقالات حتَّى بعد رسامته كاهنًا سنة 1968م. كما وضع العديد من المقالات في مجلات أخرى، في موضوعات كتابيَّة وتاريخيَّة وطقسيَّة وآبائيَّة... كذلك اشترك في مراجعة العديد من الكتابات دون نشر أو ذكر اسمه (بحسب طلبه)، تواضعًا منه وإنكارًا لذاته".
مجلة الكرازة تستقبل عامها الثاني 1966م
حظت مجلة (الكرازة) وقت صدورها باهتمام كثيرين من القراء.
جاء في جريدة (وطني): "تستقبل مجلة الكرازة عامها التي تصدرها الكلية الإكليريكية ويرأس تحريرها نيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم الديني، عامها الثاني.
وقد صدر العدد الأخير حافلًا بسلسلة من الدراسات والأبحاث العميقة الهادفة، كما تناول مشكلات هذا العصر بالنقد والتحليل والدراسة..
فنرجو لها النجاح والازدهار لتحقق رسالتها التعليمية الهادفة على أوسع نطاق".
في نقابة الصحفيين
العضوية بنقابة الصحفيين 1966م
"إذا كان كثيرون من رجال الدين المسيحي قد أصدروا عددًا من المجلات الدينية، كما استطاع بعضهم أن يحصل على عضوية نقابة الصحفيين التي تأسست في عام 1941م، فإن البابا شنوده الثالث يُعد أول أسقف- ثم بابا / بطريرك- يكون عضوًا منتسبًا بنقابة الصحفيين، كما أنه أول أسقف - ثم بابا - يحاضر مرتين في نقابة الصحفيين، ويذكر أنه حاضر أيضًا في نقابتي المهندسين والأطباء.
انتسب الأنبا شنوده إلى نقابة الصحفيين، حيث كان يحمل عضوية رقم "156"، بجدول المنتسبين "م"، وتاريخ القيد 26 مارس 1966م، ويذكر أن نقابة الصحفيين قد دعت الأنبا شنوده حين كان أسقفًا للتعليم لإلقاء محاضرة تناولت موضوع "المسيحية والصهيونية وإسرائيل في رأي المسيحية"، فكانت محاضرة ثرية أمتعت الصحفيين والباحثين والمفكرين، حيث أكد فيها أن اليهود لم يعودوا شعب الله المختار، باعتبار أنهم الشعب الوحيد الذي كان يعرف الله حق المعرفة، لقد اُختير الإسرائيليون ليكونوا شعبًا لله بشرط تنفيذ وصاياه، ولكنهم لم ينفذوها ولم يعودوا شعبًا مختارًا، وبعد نزول الأديان السماوية، أصبح من يعرفون الله الحقيقي كثيرون.
محاضرة رأي المسيحية في إسرائيل
"ألقى الأنبا شنوده محاضرة في دار نقابة الصحفيين يوم 26 يونيو 1966م وأعلن فيها رأي المسيحية في إسرائيل، وإسرائيل تعرف عن الأنبا شنوده عدائه الشديد لها وتذكر أن محاضرته هذه قد كشفت خباياهم وقضت على مزاعمهم في تكوين دولة تجمعهم في فلسطين...".
"كانت هذه المحاضرة ذات تأثير عميق في الأنفس حتى قال عنها الأستاذ حافظ محمود نقيب الصحفيين وقتذاك: "سمعت كثيرًا عن إسرائيل ومثل الليلة لم أسمع من قبل". وطالب الحضور النقابة أن تطبع المحاضرة، وتترجمها إلى لغات العالم، وتوزعها على سفاراتنا في الخارج، وبالفعل قامت النقابة بنشرها في كتاب، وتوزيعها على نطاق واسع".
تصدي الأنبا شنوده للانحرافات اللاهوتية
تصدي الأنبا شنوده للانحرافات اللاهوتية
يقول البابا شنوده: "أول موضوع احتككت به، كان حينما زرت شبين الكوم سنة 1967م وكانت توجد انحرافات بروتستانتية عديدة، وأنا رأيي بالنسبة للبروتستانت هو أن لهم أن يعتقدوا ما يشاءون، لكن إذا وجد شخص يتولى التعليم في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وداخل الكنيسة ويقدم تعليمًا مخالفًا، هذا ما كنت اهتم كثيرًا بمهاجمته والرد عليه.
أول شخص كان اسمه كرم يوسف، كان مسئولًا عن تعليم الشباب في شبين الكوم في المنوفية، ولما ذهبت إلى هناك، وقُدمت لي أسئلة قبل المحاضرة، فوجدت أن غالبية الأسئلة تدل على أن هناك انحرافًا في التعليم الأرثوذكسي، يعني مثلًا سؤال:
ما لزوم الصلاة في الأجبية، ولماذا لا نصلي صلواتنا الخاصة؟
سؤال آخر عن سر الإفخارستيا، وسؤال عن الاعتراف، ولماذا نعترف على كاهن، والأفضل أن نعترف بيننا وبين ربنا.. أسئلة كثيرة من هذا النوع، فأجبت على هذه الأسئلة، وقلت إن هذا يدل على أن عندكم اتجاهًا مُعينًا. وقابلت هذا الشخص بعد الاجتماع وكان لي حوار طويل معه في حضور كل الخدام، أعتقد أنه ربما يكون هذا الشريط موجودًا مع القس أثناسيوس جورجي في حلمية الزيتون، لأنه كان أمين مدارس الأحد في شبين الكوم في ذلك الحين.
وكرم يوسف هذا، من اعتزازه بهذه الانحرافات، أصدر نشرة مرة، وكتب تحتها الإمضاء كرم يوسف أول من حرمه البابا شنوده الثالث، يعني هو يفتخر بذلك.
من ضمن الانحرافات المشهورة، عماد نزيه، وكان يتولى جذب كثير من الشباب من كلية الطب لأنه كان طالبًا بها، وكان نشيطًا جدًا، ولكن دخلت فيه اتجاهات بروتستانتية، وأخيرًا تزوج ابنة قس إنجيلي وصار من المبشرين الإنجيليين في كاليفورنيا.
ومن ضمنهم ثروت فؤاد، وهذا كتب كتابًا ضد الأجبية، وعقدنا بسبب ذلك مؤتمرًا في كنيسة مار مينا بفلمنج، للرد على ما اتصل بالأجبية من اتهامات كثيرة، لدرجة أن هذا الشخص وهذا من الأسباب العجيبة- كان ينتقد حتى كلمة كيرياليسون في الكنيسة، ويقول لماذا أن ربنا يرحمنا؟ ما هو رحمنا وخلاص.
(رحمنا وخلاص، يعني مش محتاجين لرحمة بقية أيام حياتنا، في مشاكلنا، وفي متاعبنا، وفي حروبنا الروحية!).
وأيضًا في كتابه إن التشفع بالقديسين هو نوع من عبادة الأصنام، وقال: وأنا نفسي كنت واقعًا في هذه العبادة الوثنية، حينما كنت عضوًا في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.. يعني، تَطَرَق إلى موضوعات عديدة جدًا جدًا. من أشهر الأشياء التي حاربتها.
بدعة الخلاص في لحظة، وكتبت عن موضوع الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي، ووضحته في كتاب أيضًا، تُرجم هذا الكتاب إلى لغات عديدة، وأحدث ترجمة له كانت إلى اللغة الهولندية.
لكن أول ترجمة له كانت إلى اللغة الإنجليزية..
أيضًا الأفكار التي نادى بها الدكتور جورج حبيب، هو انضم إلى الكنيسة الإنجليكانية، انضمام رسمي. توجد مسائل كثيرة خاصة بالأرواح، ومسائل كثيرة خاصة بالصلب وعلاقته بالعدل الإلهي، ثم أيضًا كتبت كتابًا خاصًا بالأفكار البروتستانتية جملة، هو كتاب اللاهوت المقارن، وسيصدر الجزء الثاني منه بمعونة الرب.
ولعل من الأشياء الهامة التي كتبتها، وهو ربما يكون أول كتاب كتبته بعد الرهبنة.. كتاب شريعة الزوجة الواحدة، لأن بعض المحاكم في مصر، كان قضاتها قد أجازوا أن المسيحي يتزوج بامرأتين، فوضعت كتابًا خاصًا بهذا الموضوع، وضعته وأنا في الدير سنة 1958م، على ما أذكر وطلبه مني معهد الدراسات القبطية وأرسلته.. وهو كتاب: "شريعة الزوجة الواحدة". ثم أصدرته مرة أخرى وأنا أسقف، ثم لما أُثير الموضوع وأنا بطريرك، أعيد طبعه، وأتذكر أنه طُبِعَ ثلاث مرات متتالية في شهر واحد، حيث اُستُنفِذَت الطبعة الأولى بسرعة، وبعدها الثانية والثالثة وهكذا.. هذا الكتاب مهم.
ولكن في بعض الأوقات تظهر هذه الأهمية، وفي بعض الأوقات الأخرى لا يفكر الناس في هذا الموضوع.. إلى أن حدث أن محكمة النقض وهي من أكبر المحاكم عندنا في مصر، وأحكامها تعتبر في حكم القانون، أصدرت قرارًا بأن المسيحي يتزوج بامرأه واحدة بناءً على قضية رفعناها في ذلك الحين".
كلمة الأنبا شنوده في حفل تسليم تقليد الأنبا غريغوريوس في 19 مايو 1967م
كلمة الأنبا شنوده في حفل تسليم تقليد الأنبا غريغوريوس في 19 مايو 1967م
"أشعر بمسئولية كبيرة وأنا في هذا الحفل الرهيب الذي شرفه أحبار الكنيسة الأجلّاء. وعلماء الكنيسة الكبار، وحضورهم معنا في هذا الاجتماع لهو تقدر توقير لأستاذي الكبير الأنبا غريغوريوس. إنني عندما أتحدث عن الأنبا غريغوريوس فلست أتحدث عن شيء خارج عني، إنه جزء من نفسي وجزء من حياتي وجزء من کیاني وجزء من تاریخي، هو مني وأنا منه ونحن الاثنان واحد".
لقد عشت والأنبا غريغوريوس صديقين منذ زمان طويل يرجع إلى سنة 1939م نقطع غربة العمر معًا، نقطف الورد معًا ونجرح من الشوك معًا. كنت عندما أجلس إليه أشعر أنه عقلي المفكر وقلبي النابض، في صداقة عجيبة يندر أن رأی الناس مثيلًا لها من قبل، وعندما أتى القمص باخوم إلى الإكليريكية وعمل وكيلًا لها ووكيلًا لأسقفية التعليم كان كل إنسان في الكلية الإكليريكية يرى أن القمص باخوم هو المدير والأنبا شنوده هو الوكيل. أثق فيه ثقة لا حدود لها.
إن اختصاصات الأنبا غريغوريوس هي كل اختصاصات الأنبا شنوده، أنا سعيد يا إخوتي أن هذا القلب الكبير الذي كان يعيش معي قد أخذ مكانه اللائق به في مجمع الكنيسة المقدسة، وأنا أهنئ أعضاء المجمع الأجلّاء وأحني هامتي أمامهم جميعًا وأبارك لهم جميعًا أنه قد انضم إليهم هذا العضو النقي القديس الشجاع الجريء صاحب المبادئ. التي يدافع عنها في نقاوة وقداسة.. كان شابًا صغير السن وكان أكبر من جميع الشيوخ الذين حولي.. الذي تنبع العظمة من داخله لا من وظائف خارجة أو ألقاب".
ثم أفاض نیافته في الكلام عن تفوق الأنبا غريغوريوس في كل مراحل تعليمه، وإصراره على دخول الإكلیریكية ليكرس نفسه لله وللتعليم، وحصوله على ليسانس الفلسفة من كلية الآداب، ثم دبلوم معهد الآثار ثم دكتوراة من إنجلترا في اللغتين القبطية واليونانية إلى أن قال: كان الجميع يشعر أن الدكتور وهیب عطا االله هو قلب الإكليريكية النابض وفي يوم من الأيام وهو وكيل الكلية الإكليريكية من زمن طويل، أتى واحد من تلاميذه الصغار ورُسم أسقفًا للكلية الإكليريكية، وفي تواضع کبير، هو تواضع العلماء، عمل القمص باخوم المحرقي مع تلميذه وكيلًا له.
أتذكر في سنة 1962م عندما أتى الراهب باخوم من دير المحرق إلى الإكليريكية، وكنت أسقفًا في ذلك الوقت، أننا خرجنا جميعًا لاستقباله، ووقف أسقف الإكليريكية يحيي الراهب باخوم قائلًا: "بكل احترام وتوقير وبكل إجلال وتقدير أحيي أستاذي الكبير الراهب باخوم المحرقي.
ومضى نيافته يُعدد مناقب الأنبا غريغوريوس إلى أن قال: هو رجل روحي، فعلى الرغم من علمه الكبير ومكانته فهو إنسان متواضع وسهل التفاهم وحلو العشرة ولطيف، وفيه صفات جميلة تحببه إلى النفس...
أرجو له من الإله الصالح حياة مقدسة مُباركة في الرب وأرجو أن يكون عمل الروح القدس الذي أخذه يوم الرسامة ونعمة الأسقفية ذات مفعول كبير فيه، وأهنئ به الكنيسة وأبانا المكرم رئيس الكهنة الأنبا كيرلس السادس، وتحية لكم جميعًا وبركة لهذا اليوم التاريخي، وشكرًا أيضًا لإخواننا الأعزاء أمين وأعضاء الاتحاد الاشتراكي بقسم الوايلي الذين شاركونا في هذه الفرحة والمجد لله دائمًا".
حروب عدو الخير ضد الأنبا شنوده
حروب عدو الخير ضد الأنبا شنوده
البوليس عايزك
يقول البابا شنوده: "في يوم من الأيام، وكنت خارجًا للذهاب إلى الاجتماع يوم الجمعة بالليل، كان عندي عظة، فقبل ميعاد العظة بساعة أو ساعة ونصف قالوا لي: تعال البوليس عايزك، عايزني ليه؟ ذهبت لأقابل البوليس، لقيت ضابط البوليس، أعطاني جواب.. الجواب ماضي عليه مهندس البطريركية، يقول: إن القاعة التي أعظ فيها، سقفها آيل للسقوط، ونحن نخشى على الثلاثة آلاف واحد الذين يحضرون إنهم يموتوا تحت السقف، فنرجو غلق القاعة، بالبوليس!
حضر المهندس مع الضابط فقلت له: "يا حبيبي إذا كان قداسة البابا لا يريد أن أعظ في القاعة يأمرني وأنا أطاوعه، لكن إيه اللي يدخل البوليس وسطينا؟ ده أصول"، أنا بقول الكلام ده والبوليس قاعد، قال لي: "أنا عندي أوامر وأنا.."، قلت له: طیب، طلبت مدير البطرخانة، كان ساعتها أبونا جرجس عشم، فقلت له: يا أبونا مايصحش إنك تقفل القاعة بالبوليس، الكلام ده يثير الشعب ووضع مش مضبوط، قال لي: يا سيدنا أنا تحت أمرك، أنا.. أنا.. أنا..، لكن أنا مقدرش"، فقلت: يبقی جاي من بره، فطلبت ساعتها أبونا روفائيل الحالي كان اسمه الأخ روفائيل وكان سكرتيرًا للبابا، قلت له: هيقفلوا القاعة بالبوليس ودي مش كويسة للشعب، خليني أكلم البابا"، قال لي: "لا البابا نايم ومايقدرش يكلم حد"، يهديك يرضيك مفيش فايدة".
بيضطهدوك ليه
يقول البابا شنوده: "قلت لنفسي: حسنًا فعلوا بك يا أسود اللون یا رمادي الجنس، وما دمت لست بإنسان فلماذا تجلس مع الناس" - كما قال القديس موسى الأسود یعني- وسكت، فضابط البوليس قال للمهندس: "تسمح تخرج دلوقتي أنا عايز أقعد مع سيدنا شوية"، فخرج المهندس، فبصلي الضابط وقال لي: "الناس دول بيضطهدوك ليه؟!"، أنا سكت ماقدرش أقول له بیضطهدوني، قال لي: "أنا كضابط بوليس معنديش مانع إنك توعظ في القاعة"، قلت له: "طب والشكوى بتاعت المهندس إن السقف آيل للسقوط؟"، قال لي: "إنه جایز تكون شكوى كيدية، نحولها إلى الهندسة بتاعة الحي، وهم يقولوا آيل للسقوط ولا لأ؟"، فقلت له "ما دام قداسة البابا مش عایزني أوعظ في القاعة أنا مش هاوعظ فيها"، قال لي: "تمضي على كده؟"، قلت له: "أمضي على كده"، تتعهد، أتعهد، كتبت: "أتعهد أني لا أعظ في القاعة إلى آخره"، الراجل خرج وهو قبل ما يخرج قال لي: "أنا أولادي بيحضروا عظاتك، ومش لاقي حاجة"، قلت له: "معلش"، قال لي: "أدي الكارت بتاعي لو تعوزني في أي وقت أنا تحت أمرك"، قلت له: متشكر جدًا".
العظات في حوش الكلية الإكليريكية
"مفضلش غير ساعة واحدة وتبتدي المحاضرة، وإحنا ممنوعين، فابتديت أدي جملة أوامر وراء بعض وراء بعض وراء بعض، أول أمر سبورة تتحط إنه مفيش وعظة في القاعة النهاردة، والوعظ هيكون في حوش الكلية الإكليريكية، لحسن ييجوا الناس ويخشوا، والبابا يفتكر إني أنا باتحداه وبأوعظ رغم أنفه، رغم أوامره، وأمر تاني للبعض يستأجروا کراسي ويحطوها في الحوش، وكل الكراسي، القاعة ماكانتش بتكفي، كل الكراسي الموجودة يطلعوها ويحطوها في حوش الكلية الإكليريكية، أمر ثالث يوضبوا الكهرباء ويوضبوا القعدة، ويوضبوا الميكروفونات. ورحت أحضر شنطتي وأنا مسافر وأنا مش عارف أقول إيه؟ كل ما أفكر في موضوع ألاقي عقلي بيشتغل في الموضوع ده بتاع النهارده، بيعملوا إيه؟ كنت ساعتها في سلسلة في عظة على الجبل، فرحت قبل ما ألقي العظة السفينة وهو بيوعظ، مرة في بيت، ساعة المفلوج، یعني مایهمش أي مكان كان بيوعظ، الناس مستغربين، يعني أول مرة نوعظ في الحوش، فقلت لهم: يا جماعة یعنی بيقولوا إن السقف آيل للسقوط، فإحنا لقينا إننا نوعظ في الحوش ومش المهم نلتقي مع الله فين، المهم إن إحنا نلتقي معاه وبس، فربنا كان بيلتقي مع الناس في عظاته مرة على شاطئ البحيرة، مرة على الجبل، مرة في القفر، مرة في السفينة وهو بيوعظ مرة في بيت، ساعة المفلوج، يعني مايهمش أي مكان كان بيوعظ فيه، ده ربنا التقى مع يونان في بطن الحوت، وكان أعظم لقاء مع ربنا تاب بیه یونان، وربنا التقى مع الثلاثة فتية في أتون النار، كان يسير معهم واحد شبه ابن الآلهة، وإحنا المهم نوعظ.. مايهمش المكان ونشكر ربنا إن إحنا دلوقتي بنوعظ في حوش الكلية الإكليريكية، مالهوش سقف يقع عليكم، الحمد لله، كده كويس.. وابتدأت في العظة بتاعة تكملة العظة على الجبل الأسبوع اللي بعديه كان من ضمن الأسئلة اللى سألوها لي، طيب في الشتاء نعمل إيه لو نزلت علينا الأمطار؟ قلت لهم: لا تخافوا إله الشتاء سیدبر لنا الأمر".
غيرة وحماس
"في ذلك الحين باقي الناس كانوا متحمسين جدًا، ابتدوا يجمعوا لي فلوس كثيرة نشتري بيها کراسي، علشان الناس مايفضلوش واقفين، أبص في ظروف الأسئلة ألاقي ظرف فيه کام؟ فيه ۲۰۰ جنيه، أديهم لسكرتير الكلية وأقول له هات بيهم ۱۰۰ کرسي، الكرسي ساعتها كان بـ۲ جنيه. كنت ماشي مرة في معهد الدراسات القبطية، واحد قعد يجري ورايا يا سيدنا یا سیدنا، قلت له: أرجوك أنا مشغول، قال لي: معلش أقف لي، وقفت، قال لي: خذ هذه الفلوس اشتروا بيها كراسی، مش عارف كانوا ۳۰۰ جنيه ولا إيه؟ اديتها لهم يجيبوا بها 150 کرسي، مرة بتكلم في التليفون، لقيت واحد كلمني، قال لي: أنا الدكتور فلان.. عارفني؟، قلت له: أيوه کنت تلميذي في مدارس الأحد زمان، قال لي: العشور بتاعتي ماعرفش أوديها فين؟ قلت له: تديها للفقراء، للملاجئ، تديها للجمعيات، قال لي: ماعرفش.. ممكن أجبهم لك؟، قلت له: تعال، جاء وجاب لي 500 جنيه، قلت له: ممكن إني أنا أحط نصفهم للكراسي ونصفهم للفقراء؟، قال لي: كما تأمر، قلت لهم خذوا هاتوا کراسي".
من مواقف المؤثرة أيضًا عطاء الأطفال في هذه الفترة، يقول البابا شنوده: "أتذكر قصة حدثت معي سنة 1967م. كانت الكلية الإكليريكية تجتاز ضائقة مالية شديدة جدًا، مما أدى إلى أن مدير الديوان البابوي أرسل مجموعة من الخطابات يعلن فيها وقف الصرف عليها وعلى كل المعاهد الدينية.
وأقمنا قداسات من أجل هذا الأمر. وفي آخر أحد القداسات، تقدم بعض الأحباء يقدمون تبرعات للصرف على الإكليريكية.
ورأى أحد الأطفال كل هؤلاء يتقدمون ويعطون من عندهم شيئًا.. فجاء هذا الطفل إليَّ، ووضع يده في جيبه وقدم لي ملبسايَّة وتكرر هذا الفصل من طفل آخر، عن حب وليس عن تقليد لغيره.. جاءني في محبة وقدم لي ملبسّة مما في يده، مع عبارة حب رقيقة..".
مضايقات
"كل يوم والثاني يجدوا كراسي جديدة، فكانت النتيجة أنهم منعوا الكهرباء، جئت من السفر من الصعيد - لأني كل أسبوع أسافر- قالوا لي: فيه خبر ماتتضايقش، قلت لهم: إيه؟، قالوا لي: منعوا نور الكهرباء، قلت لهم: معلش نشتري کلوبات، فاشترینا کلوبات وحطيناها، جات نوبة قالوا: منعوا المياه؛ منع المياه وحش قوي، لأن الناس الذين يحضرون الاجتماعات يستخدمون دورات المياه، وأنا نفسي لم يكن عندي مياه، فأحد الأحباء جاب لي خزانات نملأها مياه من البنزينة هناك، ومريت في أدوار صعبة.
بعدين وصل إليَّ ثلاث جوابات بمنع الصرف على الكلية الإكليريكية ومطلوب منا إننا نعمل مثل حبيب جرجس، كان يلف يجمع تبرعات من الناس، وقت مرحلة تأسیس یعني. وأنا غير مصرح ليّ حتى أمُر على الإيبارشيات، لأنهم منعوني من الوعظ في المحافظات في الإيبارشيات بجواب رسمي، ولن نصرف على معهد الدراسات، ولن نصرف على معهد ديديموس للمرتلين، وبعدين في الآخر لقيت مفيش فايدة...".
الذهاب للدير
يقول البابا شنوده: "فكتبت مقالة في مجلة الكرازة عام 1967م عن الأحداث التي تحدث كلها، وشرحت كل الحاصل معنا، وقلت في آخره: "أخيرًا، یا إخوتي، إن كان بسببي قد حدث هذا النوء العظيم عليكم، فخير لي أن أريح وأستريح، أنا ذاهب إلى مغارتي في الجبل، ويكفي اليوم شره"، ورجعت إلى مغارتي على الجبل، قضيت فيها يمكن ثمانية أشهر ونصف، وبدأت عوامل كثيرة جدًا للتخلص من الأنبا شنوده.
إلى أن اجتمع أعضاء المجمع المقدس برئاسة البابا كيرلس السادس، وقرروا أن الأساقفة العموميين هم مجرد سكرتارية للبابا بدرجة أسقف يضعهم حيثما يشاء، یعني ليس لهم اختصاص، إن هذا الأسقف مسئول عن الإكليريكية أو مسئول عن كذا أو كذا هو مجرد سكرتير، فاكر كان أحد أصدقائي في دمياط، عندما كنت أعظ في دمياط أو رأس البر، كنت ببات في بيته، كان اسمه الأستاذ ألفونس نيقولا، وهو عم الأنبا بیشوي، لم أكن أعرف ساعتها إنه عم الأنبا بیشوي، وساعتها ربما لم أكن قد تعرفت على الأنبا بیشوي، فبعت لي جواب وأنا ردیت عليه، وكان جوابي مؤثر قرأه وبكی، أرسلت له خطابًا قلت له فيه: "أخيرًا رجعت إلى مغارتي المحبوبة في الجبل فوجدت الراهب أنطونيوس ينتظرني على بابها، ورحب بي واحتضني، وصرنا واحدًا"، وهنا تذكرت العبارة التي قيلت في قصة الفلك: "فَلَمْ تَجِدِ الْحَمَامَةُ مَقَرًّا لِرِجْلِهَا، فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ إِلَى الْفُلْكِ" (تك8: 9)، كنت أقصد بالفلك المغارة التي أعيش فيها، وبعدين قلت في الجواب: "حقًا إن المياه قد غطت الأرض كلها، حتى أن كثيرًا من القمم العالية والجبال غطتها المياه أيضًا!".
العودة مع عودة رفات مار مرقس 1968م
يقول البابا شنوده: "كانت هناك مفاوضات كثيرة تجرى لحل الموضوع، وأخيرًا عدت في مناسبة عودة رفات مار مرقس في منتصف عام 1968م، وبعد ذلك قالوا إن الوعظ يكون في الكنيسة المرقسية الكبرى، ولا يعظ الأنبا شنوده وحده، وإنما أسبوع يعظ الأنبا شنوده ونيافة الأنبا غريغوريوس يقوم بالطقس أي بصلاة العشية، والأسبوع التالي نيافة الأنبا غريغوريوس يعظ وأنبا شنوده يقوم بالطقس يصلي صلاة العشية، وكان كذلك، وبعدين وجدوا إن الأسبوع الذي يعظ فيه الأنبا شنوده الحضور يكون فيه أكثر، ففكروا لأنه ربما الأنبا شنوده يجيب الأسئلة بيعمل علاقة بينه وبين الجمهور، في يوم من الأيام وأنا بأزور قداسة البابا قال لي: "ممكن تسيب الأسئلة للأنبا غريغویورس هو اللي يجاوب عليها"، قلت له: "حاضر یا سیدنا"، وبدلًا من هذه الأسئلة التي كنت أقولها أجيب عليها كمقدمة للعظة، بدأت أفسر المزامير، تأملات في المزامير، وبخاصة المزامير القصيرة، وكانت بركة لي إنه يكون عندي رصيد كبير من تفسير المزامير والتأملات فيها".
عودة الأنبا شنوده للوعظ في الكاتدرائية
يقول البابا شنوده: "إلى أن جاء يوم ونيافة الأنبا غريغوريوس اعتذر عن الوعظ، فأصبحت أعظ وحدي، وقال لي البابا كيرلس: "ممكن إنك توعظ في الكاتدرائية"، وبدأت أعظ في الكاتدرائية، كان آخر مزمور على ما أظن كنت تأملت فيه هو مزمور "يستجيب لك الرب في يوم شدتك"، وهذا المزمور کنت سافرت إلى لندن لحل مشكلة أوفدني فيها قداسة البابا بنفسه، وأخذت أتأمل في هذا المزمور، وبعدين طلع في کتاب، قلت فيه: إن هذا المزمور كان موضع تأملاتي، ثم سافرت إلى لندن وسافر معي هذا المزمور، فكان معي في القاهرة، وكان معي في الطائرة، وكان معي في إنجلترا، وبعدين صدر ككتاب لعلكم رأيتموه".
تحسن العلاقة مع البابا كيرلس
يقول البابا شنوده: "استمرت الأوضاع والعلاقة بيني وبين البابا كيرلس تتحسن كثيرًا، وكنا نتقابل ونضحك معًا كعهدنا في القديم، ولكن ظل الأمر كما هو ممنوعًا من حيث سفري إلى الإسكندرية وإلى الإيبارشيات، وأصبح وعظي في الكاتدرائية فقط، حتى كنائس القاهرة ما كنت أستطيع أن أعظ فيها، كان مُحرمًا عليَّ ذلك، في أثناء وجودي في الأسقفية".
كنت أكل من عرق جبيني
"كنت أصدر بعض الكتب الصغيرة، أفتكر أول كتاب أصدرته كان عن صلاة الشكر، ثم مزامير الغروب، ثم بعض حاجات زي دي، كان الكتاب عبارة عن 64 صفحة أو أكثر، وكان ثمنه خمسة قروش. ويباع بالجملة بأربعة قروش.
في هذه الفترة وأنا أسقف كان بيطلع لي مرتب من البطريركية، فمُنع عني أيضًا وكنت آكل خبزي بعرق جبيني، أنا لا أنسى إطلاقًا محبة الناس لي في تلك الفترة كلها، یعني تقريبًا لم أشتر طعامًا، كان الناس يرسلون لي الأكل، لم أشتري ملابس من أي نوع، كانوا الناس يبعتوها لي، حتى الشرابات، حتى المناديل يبعتوها لي، فيه مرة من المرات كان عندي ضعف شديد في الأحبال الصوتية، يعني لو أتكلم بصوت عالي أتعب، لو أتكلم كثير أتعب، والظاهر كنت أعظ وأنا متحمس شوية فبدأت أكح من تعب الأحبال الصوتية، رجعت ثاني يوم لقيت اللي بعتوا لي فراخ علشان آكلها، واللي بعتوا لي کرتونة مليانة بسكويت، واللى بعتوا لي أقراص فيتامين سي، افتكروا إن فيه حاجة في صدري من الجوع يمكن ولا حاجة!!".
قصة المرتبة 1968م
يقص أحد الطلبة الإكليريكيين هذا الموقف:
في عام 1968م خرجت للخدمة إلى مدينة البدرشين التابعة لمحافظة الجيزة، وكان معي زميل اسمه فایز فخري (الآن کاهن بصعيد مصر).. وتأخر بنا القطار إلى ما بعد الساعة الحادية عشر مساء. وكانت هناك في الإكليريكية لائحة بأن يقفل باب مبنى المبيت الساعة الحادية عشر مساء، فلم نجد مكانًا نبيت فيه وإذا بنا نجد قداسة البابا شنوده الثالث (وكان وقتها نيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم) يتمشى ويتأمل في هدوء الليل.
ولاحظنا ونحن نمشي، فتحرك نحونا، وقد كنا في غاية الخجل منه.
فقال: إزيكم يا أولاد.. أنتم تأخرتم؟
فقلنا له: القطار تأخر بنا یا سیدنا.. وكان عندنا خدمة.
فقال: لئلا نخل بالنظام.. تعالوا معي لأجد مكانًا تبيتوا فيه، فأخذنا إلى حجرة تابعة لنيافته، وفتحها وكان فيها سريران، واحد بمرتبة والآخر ليس عليه.. فقال: أنا آسف مفيش غير مرتبة واحدة.
فقلنا لنيافته: یا سیدنا دا إحنا كنا هنام في العراء، دا بركة كبيرة.
وانصرف سیدنا وبدأنا نصلي صلاة نصف الليل، وإذ بعد خمس دقائق نجد سيدنا يحمل مرتبة، ويقرع على باب الحجرة وقلنا له يا سيدنا ليه كده!! طيب إحنا كنا حملناها عن نیافتك، أو عم متري (فراش المبنی) كان حملها عنك، ونحن نعلم إن ظهرك مريض.
فقال: لا مفيش حاجة، ولا يصح أن نزعج الرجل بعد أن نام!
ظهور العذراء في الزيتون
ظهور العذراء في الزيتون
يقول البابا شنوده: "بدأ ظهور السيدة العذراء على قباب كنيستها في الزيتون في 2 أبريل (نيسان) 1968م وقد تكرر ظهورها عدة مرات واستمر شهورًا طويلة، وكان يحضره مئات الآلاف من الناس، وتجرى فيه معجزات كثيرة. وقد شكل قداسة البابا كيرلس السادس لجنة للنظر في المعجزات التي تحدث. كان هناك عدد من أساتذة كلية الطب يتابعون حالة المرضى قبل ظهور المعجزة وبعد ظهورها، ويراجعون الكشوفات الطبية والتقارير الطبية قبل وبعد ظهور المعجزة. وكان لظهور العذراء تأثيرًا كبيرًا جدًا. وقد كتب العديد من المؤلفات عن ظهور السيدة العذراء في منطقة الزيتون في مصر، وفي الخارج، باللغات العربية والإنجليزية والألمانية، والتقطت صور لهذا الظهور أيضًا. وكان الأمر عجيبًا حقًا. ومنطقة الزيتون قريبة من منطقة المطرية التي أقامت فيها العذراء مدة من الزمن، ولها شجرة مشهورة هناك اسمها شجرة مريم، يمكنك أن تزورها إن رغبت. وقد أصبحت موقعًا سياحيًا في هذه المنطقة، كما عثر على البئر التي شربت منها العائلة المقدسة.
لقد كان للعائلة المقدسة علاقة طيبة بمصر، وعاشت سنوات في هذا البلد وليس عجيبًا أن تظهر العذراء في مصر مرة أخرى".
رئيسًا لرابطة أتيما 1969م
رئيسًا لرابطة أتيما 1969م
يقول البابا شنوده: "وفي أثناء عملي كأسقف تم اختياري كأول رئيس لرابطة الدراسات اللاهوتية في الشرق الأوسط، وكان اسمها أتيما، وكان رئيس الرابطة يبقى رئيسًا مدّة سنتين، ثم يتم اختيار رئيس جديد".
أوشية المسافرين
أوشية المسافرين
يقول البابا شنوده: "حدث ذلك في فبراير سنة 1969م، وأنا أسقف للتعليم، وقد كنت راجعًا من لندن، ومررت على ألمانيا. وهبطت الطائرة في فرانكفورت، حيث أقمت يومين، ثم دعاني أولادنا في شتوتجارت أن أُقيم لهم قداسًا هناك، فذهبت إليهم وأقمت القداس، وجلست معهم بعض الوقت. ثم أخذت العربة في طريقي إلى فرانكفورت لأستقل منها الطائرة إلى القاهرة في نفس اليوم.
وكان موعد قيام الطائرة الساعة السادسة والنصف مساء..
والذي حدث أنني كنت قد تأخرت. نظرت إلى الساعة فإذا هي السادسة، وأنا لا أزال في الطريق العام. وأنا استعجل الذي يسوق العربة، وهو يسرع بقدر ما يستطيع وبقدر ما يسمح القانون. الساعة وصلت إلى السادسة والربع، ونحن في الطريق، وقد لاح المطار من بعيد. ووصلنا إليه في السادسة والثلث أو بعد ذلك بدقيقتين وعلينا أن نقوم بإجراءات السفر.
كان الأتوبيس قد حمل الركاب من الترانزيت إلى الطائرة، فخلوها، ورفع السلم، وأغلق باب الطائرة. وكان المكتب قد انتهى من عمله، ورفع الموظف أوراقه. فلما وصلت، بدأ من جديد بكل هدوء، يراجع التذكرة والباسبور، ويأمر بوزن أمتعتي. وعقرب الساعة يتحرك، حتى وصل إلى السادسة ونصف إلا خمس دقائق. والعجيب حتى حقيبة اليد ال Hand bag أمر الموظف بوزنها. ووجدت زيادة في الوزن، وطلب أجرة على ذلك.
وكان عقرب الساعة يتحرك، ووصل إلى دقيقتين قبل النصف.
ماذا أفعل، حتى لو صرفني الآن؟ كيف أصل من الترانزيت إلى الطائرة؟! وهل أشير إليها لتقف، كما كانوا يفعلون قديمًا مع قطار الدلتا؟!
وماذا عن طلبة الإكليريكية وكل تلاميذي الذين ينتظرونني في مطار القاهرة، إذا وصلت الطائرة وأنا لست فيها؟ ماذا يكون شعورهم بل ماذا يكون قلقهم؟! وهوذا عقرب الساعة يتحرك، ووقت إقلاع الطائرة لم تبق عليه سوى دقيقتين؟! وفي تلك اللحظة رأيت يد الله تتدخل.. دق جرس التليفون، وإذا بها مكالمة من الطائرة. كابتن الطائرة يشكو من مغص شديد جدًا، ولا بد من قائد آخر يقودها!
وذهبت سيارة لتأتي بالكابتن المريض، وتفاهموا على كابتن آخر، يقود الطائرة. وكان الوقت كافيًا جدًا لأن أذهب إلى الطائرة، وأجلس في سلام قلبي على مقعدي، وأربط الحزام، وانتظر إلى أن تقوم الطائرة بعد أكثر من خمس دقائق.
وعرفت عمليًا قيمة أوشية المسافرين "كن معهم في الإقلاع وفي المسير..".
"ردهم إلى مساكنهم سالمين.. وبالفرح فرحين".
وحدث معي حادث آخر مشابه إلى حد ما، أكد لي مفعول أوشية المسافرين، التي حينما أصليها وأصل إلى عبارة "إن كان في البحار أو البحيرات.. أضيف إليها "أو في الجو..".
مطبعة قبطية جديدة
مطبعة قبطية جديدة
في يوم 13 ديسمبر 1969م أقام قداسة البابا كيرلس السادس، في تمام الساعة الرابعة صلاة تبريك الأرض التي سيقام عليها مبنى المطبعة الجديدة في أرض أنبا رويس خلف مباني معهد الدراسات والكلية الإكليريكية وسيطلق عليها اسم (مطبعة ميناء الخلاص).
وكان اتحاد الكنائس الإنجيلية في ألمانيا الشرقية والغربية قد أهدى مجموعة كبيرة من آلات الطباعة والتجليد إلى المعاهد الدينية بالكنيسة القبطية وقد حضر الصلاة أصحاب النيافة الأنبا أثناسيوس أسقف بني سويف والأنبا صموئيل أسقف الخدمات العامة والأنبا شنوده أسقف التعليم الديني والأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي والقمص مرقس غالي وكيل عام البطريركة والقمص جرجس متی مدير الديوان البطريرکي ولفيف من الآباء الكهنة وأراخنة الشعب.
وبعد الصلاة توجه قداسة البابا كيرلس يتبعه جموع الحاضرين إلى الكاتدرائية الجديدة حيث أقام قداسته صلوات رفع بخور عشية.
کلمة نيافة الأنبا شنوده
وقد ألقى نيافة الأنبا شنوده كلمة بهذه المناسبة عن أهمية المطبعة في حياة الكنيسة، وذکر کیف كان الآباء الرهبان يقومون بنسخ الكتب القديمة وكتب الصلوات الكنسية.. وأنه جاء وقت كان بدير الأنبا بیشوي بوادي النطرون أربعمائة ناسخ من هؤلاء الرهبان كانوا يكرسون جل وقتهم في نسخ الكتب الكنسية المستعملة في العبادة، وعندما اخترع جوتنبرج الألماني، الطباعة في القرن الخامس عشر أصبح من السهل طبع ملايين النسخ من الكتاب المقدس بأغلب لغات العالم.
كما ذكر نيافته كيف أن البابا كيرلس الرابع أبو الإصلاح استقبل المطبعة الأولى بالألحان والتراتيل، واليوم يستقبل قداسة البابا كيرلس فريق شمامسة الكاتدرائية وخورس الكلية الإكليريكية بالألحان عند قدومه لإقامة صلاة تبريك في المكان المخصص لبناء المطبعة.
أول زيارة للبنان
أول زيارة للبنان
يقول قداسة البابا شنوده: "أثناء خدمتي كأسقف أمكنني زيارة لبنان للمرّة الأولى. وأسجل هنا ملاحظة هامة، ففي أثناء عملي كأسقف وضعت لنفسي قاعدة والتزمت بها رسامتي أسقفًا، وهي أن أقضي نصف الأسبوع في مكان عملي في القاهرة، والنصف الآخر في مكان عملي في الدير، كنت أذهب باستمرار إلى الدير وأقضي فيه ثلاثة أيام من الأسبوع على الأقل، إلاّ في المناسبات التي كنت أمضي فيها أسبوعًا بكامله في إحدى الإيبارشيات. وقد حافظت على هذا المبدأ حتى الآن. وهكذا أكون أول بطريرك من بطاركة الكنيسة القبطية يقضي نصف الأسبوع في الدير باستمرار، ما عدا أثناء السفر خارج البلاد".
ففي عام 1970م "أناب قداسة البابا كيرلس السادس نيافة الأنبا شنوده أسقف الكلية الإكليريكية والتربية الكنسية لحضور احتفالات الكنيسة السريانية ببيروت.. وكان قداسة البابا قد تلقى الدعوة من غبطة مار أغناطيوس يعقوب الثالث بطريرك أنطاكية للسريان الأرثوذكس لكي تُشارك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في احتفالات شقيقتها السريانية بافتتاح كلية اللاهوت الجديدة التي أُنشئت حديثًا بمنطقة عطشانة بجبل لبنان. وكذلك افتتاح مؤسستين اجتماعيتين جديدتين منهما ملجأ للأيتام وملجأ للعجزة".
كلمة نيافة الأنبا شنوده عن البابا كيرلس بعد نياحته
كلمة نيافة الأنبا شنوده عن البابا كيرلس بعد نياحته
في 9 مارس 1971م تنيح قداسة البابا كيرلس السادس، البطريرك الـ "116" من بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية..
جاء في مجلة (مدارس الأحد) كلمة الأنبا شنوده أسقف التعليم بعد نياحة البابا كيرلس السادس وذلك يوم 12 مارس 1971م، خلال الاجتماع الأسبوعي بكاتدرائية الأنبا رويس، جاء فيها: "في الواقع لم أحضر هذا اليوم لألقي عليكم عظة إنما لأعزيكم في نياحة أبينا الطوباوي المكرم الأنبا كيرلس السادس.
ليس أمرًا هینًا على الكنيسة أن تفقد الأب الأكبر لها الذي تسميه الكنيسة بألقاب عديدة فنقول فيها أنه آب الآباء، وراعي الرعاة، ورئيس الكهنة، ورئيس الأساقفة، ورئيس المجمع المقدس وخليفة الله ونائبه على الأرض وثالث عشر الرسل.. ليس هينًا أن تودع الكنيسة شخصًا كبيرًا من هذا النوع في صمت وهدوء، البابا في الكنيسة هو أكبر شخصية، تذكره في صلواتها في رفع بخور عشية، وباكر، والقداس، والألحان الكنسية، والتسابيح، بل حتى أثناء تقديس الأسرار الإلهية وعند تقديم الحَمل في كل وقت البابا يشغل الكنيسة وتنشغل به طالبة من الرب له حياة مديدة وأزمنة سالمة هادئة وأن يحفظه لنا.
هذا من ناحية الشعب وتذكار الكنيسة له.
أما من ناحية البابا كيرلس بالذات فقد كانت له في الكنيسة مكانة خاصة، بدأ حياته الرهبانية كراهب صادق الرهبنة ترهب وهو صغير ثم عكف على الوحدة، ثم سكن في مغارة قرب دير البراموس وأنا قد زرتها بنفسي. ثم انتقل إلى طاحونة قرب مصر القديمة وتعبد فيها سنوات طويلة، ثم توحد في كنيسة خاصة به بناها بنفسه وأشرف على الفعلة بنفسه وعاش فيها متوحدًا حتى أن السنوات الطويلة من سنة 1944م إلى 1959م لا أذكر أنه خرج من ذاك المكان إلا لكي يعمل عملية جراحية في وقت ما حتى لُقب بالقمص مينا المتوحد. وفي وحدته كان رجل صلاة ربما حوالي ۳۰ عامًا من الزمان كان يقيم قداسًا كل يوم، لم ينقطع يومًا من الأيام عن القداسات طول هذه المدة. وكانت صلواته تخجل الناس، رجل كبير السن فوق الستين أو قارب السبعين يصحو كل يوم حوالي الساعة الرابعة صباحًا ليصلي. كانت الكنيسة جزءًا من حياته، وكانت القداسات تجري في عروقه مثل دمه تمامًا وكانت التسابيح والصلوات شيئًا طبيعيًا بالنسبة له ولم يكن يجد غضاضة في أن يقف مع أحد المرتلين يرابعه التسبحة، وكان يتعجب إذا وجد کاهنًا يُصلي من الخولاجي حتى أن جميع صلوات القسمة وهي عديدة كان يحفظها تمامًا.
لعله درس كبير لنا في المواظبة على القداسات، والتبكير للكنيسة والالتصاق بها، وحفظ الصلوات والتسابيح، والألحان والمدائح. وله في الرهبنة صلات ودروس وتجارب كثيرة. له صلة بدير البراموس العامر حيث ترهب هناك، وله صلة بدير القديس العظيم أنبا صموئيل المعترف به تولى رئاسته سنوات بعد تركه دير البراموس، وله صلة بدير السريان العامر حيث أرسل كثيرًا من أبنائه ليتعبدوا به، له صلة بدير مار مينا الذي عَمّره وترهّب باسمه ولقد ترك في نفسه أثرًا كبيرًا يعطينا فكرة عن كيف أننا إذا سمينا أولادنا بأسماء القديسين تتعلق نفوسهم بهم وأعمالهم. وقد اهتم بدير مار مينا كثيرًا قبل أن يصير خليفة لمار مرقس، وكان يريد من مصلحة الآثار أن تترك له هذا المكان الأثري ليبني فيه ولو قلاية بسيطة. واشترى خمسين فدانًا وبنى كنيسة ومغارة وقلالي للرهبان، وسورًا كبيرًا يُحيط بها وبيتًا للضيافة أو الخلوة. وكان يحب دير مار مينا ويسافر إليه ويقضي فيه شهورًا طويلة، كان يود لو أنه أيضًا دُفن فيه. كان يحب الهدوء والبعد عن الضوضاء ومشاكل القاهرة، ومن حبه لهذا الدير كان يود لو بنيت مذابح في كل كنيسة باسم مار مينا، ورسم أحد المطارنة باسم مار مينا وتلميذه الخاص باسم الراهب مینا، وعَمّر ذلك الدير، ولأول مرة نجد راهبًا يحمل اسم مار مينا. وكان يعيد في كل سنة عيده، ويفرح بالذين يشترکون فيه، واستطاع أن يجعل اسمه محفورًا في قلوب أبناء هذا الجيل.
لا أدري عندما تصعد روحه ليلتقي به في الأبدية كيف سيكون لقائهما؟! لهذا أقول لكم لو أنكم سميتم أبناءكم بأسماء القديسين لتركت في نفوسهم آثارًا كبيرة مثلًا أحب البابا كيرلس اسمه القديم (الراهب مينا) والتصق به كثيرًا".
ثم تكلم نيافته عن محبة البابا للتعمير والبناء وأشار إلى أن الكنائس التي بُنيت في عصره في القاهرة أكثر من (31) كنيسة وفي الإسكندرية تسع كنائس، ثم قال:
إن كنيسة المستشفى القبطي بالقاهرة وبالإسكندرية تُعتبر مبدأ عظيمة، لا يوجد أحوج إلى التناول والصلوات من المرضى وذويهم، وليت هذا المبدأ يُعمم في بلادنا، المريض يكون قريبًا جدًا إلى الله ومُستعدًا للتوبة أكثر من أي إنسان آخر. لذلك عندما أتكلم عن هذا الأمر إنما تعجبني الفكرة في حد ذاتها حتى لو كانت هذه الكنيسة غرفة أو قاعة صغيرة، يكفي المذبح والكاهن داخل المستشفى. وأعجبني أيضًا وجود کنيسة في كلية البنات القبطية. شيء جميل أن توجد كنيسة في مدرسة لكي يبدأ الطلبة اليوم الدراسي بالصلاة، ويشعرون بأنهم في رحاب الكنيسة والواقع أنها امتداد لأفكار آبائنا القدامى. فالكنيسة والمدرسة يغذيان الروح والعقل معًا، وأعجبني أيضًا أن توجد كنيسة في قاعة مثل قاعة إبراهيم لوقا بمصر الجديدة، لماذا لا توجد كنيسة في كل مستشفی ومدرسة وقاعة؟ وأيضًا جميل أن توجد في بيت مدارس الأحد وفي جمعية الإخلاص. كل هذه الأمور تظهر أن الكنائس ليست مجرد أبنية إنما لها أهداف روحية. وجميل أيضًا أن توجد في أماكن مهجورة مثل حي القصيرين أو الزاوية الحمراء. ناس مجهولين لا يجدون أحدًا يزورهم، وكان كثيرون من طلبة الكلية الإكليريكية يذهبون إليها للخدمة والوعظ. وكنيسة الساحل وأرض الشركة.
هذه المحبة للتعمير لم تشمل الكنائس فقط الموجودة، إنما الآثار فقد کون لجنة للبحث عن كنيسة أتريب ولها وضع كبير، الكنيسة والنبوءات المقبلة وهذا الموضوع طويل. ولقد تعاونت هذه اللجنة مع البعثة البولندية هناك. ولا ننسى أنه تمت في عهده أبنية في الكلية الإكليريكية مثل مبنى كلية اللاهوت سنة 1962م مثل مبنى الداخلية للطلبة المجاور لها، وأيضًا معهد دیديموس للعرفاء وإن كان قد أُزيل حاليًا لبناء الكاتدرائية، وكان مُحبًا للتعمير حتی نياحته، ففي نفس اليوم الذي تنيح فيه بدأ تعمير مقبرة البطاركة التي تحت المذبح مباشرة. وكان أول بطريرك يُدفن فيها.
ومحبته للتعمير لم تكن فقط للأبنية المادية إنما للبناء الروحي أيضًا. في عهده وصل نشاط الكنيسة لأماكن بعيدة ما كنا نظن أنه يصل إليها. فأصبح لنا كاهن في كندا القس مارکوس إلياس في تورنتو، والقس روفائيل يونان بمونتریال، وكلاهما من أساتذة الكلية الإكليريكية، ثم رسم القس مينا لسيدني بأستراليا، وآخر لملبورن أستراليا، ثم رسم القس غبريال أمين للولايات المتحدة، وأرسل إليها القسيسين بيشوي کامل ويعقوب تادرس، وكان يشرع في رسامة آخرين لإنجلترا وأوربا، واهتم أيضًا بالكرازة في إفريقيا، وأرسل لها مقدمات كثيرة من قبل وأرسل أولًا القس مكاريوس (الأنبا أثناسيوس حاليًا)، والقمص شنوده السریاني، والقمص باخوم المحرقي (الأنبا غريغوريوس حاليًا)، وكاهن كنيسة الزمالك. وأنطونيوس السرياني، وأرسل بعثات من العلمانيين.. الدكتور زاهر ریاض وغيره من أساتذة الكلية للاتفاق على إقامة معهد کرازي بالقاهرة في کوتسكا، وأخرج هذا المركز مجموعة من الكارزين يكرزون حاليًا بالسودان ويعمدون كثيرين باسم المسيح إلى يومنا هذا.
كان اهتمامه كبيرًا بإفريقيا والكويت أيضًا حيث أرسل إليها القمص أنجيلوس المحرقي (أنبا مكسيموس حاليًا)، والقمص تيموثاوس المقاري الذي ما زال هناك، واهتم أيضًا بالكنيسة في إثيوبيا. وصدقوني أن العلاقات مع الكنيسة في إثيوبيا كانت تتركز كثيرًا جدًا على المحبة الكبيرة القائمة بين قداسته وجلالة الإمبراطور هيلاسلاسي. وكانت هذه المحبة هي السور الكبير الذي يحفظ العلاقة بين الكنيستين. ومن أول سیامته وهو يهتم بها، ففي يوليو عام 1962م رسم جاثليق إثيوبيا أبونا باسيليوس (ولقب أبونا کأنبا عندنا يطلق على رؤسائهم) وزار بنفسه إثيوبيا. وكان جلالة الإمبراطور قد زاره أثناء سيامته الجاثليق وقلده وشاح سليمان الأكبر، وقلد كثيرًا من آباء الكنيسة قلائد وأوسمة. وبمجرد وصول قداسته إثيوبيا عام 1965م - وكان مريضًا -، طلب البدء بإقامة القداس بكاتدرائية الثالوث الأقدس، وسنة 1962م زار كثيرًا من مقاطعات إثيوبيا، وزار دير القديس تكلا هيمانوت رئيس الرهبنة الحبشية وغيره من الأماكن، واشترك في الاحتفال الثلاثيني بتنصيب الإمبراطور. وسنة 1965م رأس مجلس الكنائس الأرثوذكسية الشرقية هناك. واستُقبل بحفاوة كبيرة وتنازل له الإمبراطور عن قصره ليقيم به أثناء الزيارة وكان أسداه طليقين، وعندي في قلايتي الخاصة صورة لقداسة البابا كيرلس وهو يداعب أحد هذه الأسود. وكان جلالة الإمبراطور يقول لقداسته إني مستعد أن أبني لك قصرًا هنا لتزورني كل عام، وعندما كان يقدم الهدايا للآباء المجتمعين بالمجلس كان ينسبها إلى قداسته لا إلى شخصه باعتباره صاحب المكان، وكان يستقبله استقبال الملوك وتطلق له المدافع ۲۱ طلقة. والإثيوبيون يحبون خليفة مار مرقس ويسمون کنيستهم هناك الكنيسة القبطية، وكانت لفتة جميلة أن يزور إثيوبيا مرتين، وكان جلالة الإمبراطور بمجرد وصوله إلى القاهرة يزوره ويأخذ بركته.
ولم يقتصر الأمر على هذه العلاقات بإفريقيا وأمريكا وأستراليا وآسيا، وإنما أيضًا كان له اتجاه كبير في العلاقات المسكونية العامة. وقد زاره في مصر كثير من رؤساء الكنائس العالمية مع أنه لم يزر أحد منهم، زاره البطريرك أثيناغورس رئيس الكنيسة اليونانية، وبطريرك موسكو ألكسيس، ومكاريوس أسقف قبرص، وبطريرك بلغاريا ورومانيا وفنلندا. ومن الكنائس الشقيقة بطريرك الأرمن، ومار أغناطيوس يعقوب بطريرك السريان، ورؤساء البروتستانت والمسئولون في مجلس الكنائس العالمي، وكثيرًا من كرادلة الكاثوليك منهم رئيس أساقفة فيينا. ولقد وجدنا هذا الارتباط الكبير مع كنائس العالم ظاهرًا في حفل مار مرقس الرسول، وحفل بناء هذه الكاتدرائية حيث تبرعت كثير من الكنائس بمستلزماتها. ولا ننسى مَن كان يوفده في بعثات لحضور المؤتمرات الكنسية العالمية ومن أوفدهم لحضور اجتماعات مجمع الفاتيكان الثاني لسنوات طويلة.
ولا ننسى الجهود الجبارة التي قام بها من الناحية الوطنية مما جعله موضع ثقة وثناء الرؤساء. كان الرئيس جمال عبد الناصر يحبه محبة خاصة ويكرمه إكرامًا كبيرًا ويثق به وبوطنيته. والرئيس أنور السادات تكلم عنه كلامًا في منتهى الجمال وأشاد بمثاليته في الوطنية، وقال: "کنت أعز هذا الرجل إعزازًا خاصًا"، وقال: "إنه (بلدیاتي)"، وقال: "إنه كان رجلًا مُحبًا واعيًا بكل ما يحيط بالبلد من أحداث، ولا يفتأ أن يوجه الأقباط في نصرة وطنهم". وتحرکت الدولة كلها أثناء مرضه.. رئيس الدولة والمسئولون في الاتحاد الاشتراكي والوزراء جميعهم.
وكان لقداسته إلى جوار هذا كله صفاته الفاضلة في حياته الخاصة. كان رجلًا يتميز إلى جوار الحزم وقوة الشخصية بالبساطة وكان رجلًا لطيفًا، وكانت له ابتسامة رقيقة جميلة تؤثر في كل من يزوره وكان يتبسط كثيرًا مع الناس، ولعله أول بابا في جيله يفتح بابه على مصراعيه لكل صغير وکبير رجلًا كان أو امرأة.
أتذكر منظرًا مؤثرًا في سنة 1959م وكنت في ذلك الحين سكرتيرًا له، كان يصلي صلاة عشية وبينما يصرف الشعب وجدت رجلًا بسيطًا أمسك يده بقوة وشدها بعنف ووضعها على صدره، وقال بإيمان عجیب: "أنا عيان ارشمني هنا..."، كان كل صاحب مشكلة يذهب إليه ويدعو لكل واحد ويتكلم مع كل أحد، وفي أيام الامتحانات كان الطلبة بالآلاف يطلبون صلواته وهو يدعو ويصلي للكل، وكان مجهودًا جبارًا لا يستطيع من في سنه أن يحتمل مثله، ولعله بسببه كان هذا المرض الأخير.. رحمه الله.
وكان رجلًا صامتًا يسمع كثيرًا أكثر مما يتكلم وكان في صلواته كثير البكاء. كثير من الناس الذين لهم قوة شخصية تكون دموعهم عزيزة أما هو فكان البكاء قريبًا منه، وكانت له ذاكرة في منتهى القوة يحفظ الأحداث القديمة ويحفظ أسماء لا حصر لها ويكلم الناس بروح مرحة، وكان رجلًا كنسيًا وطنيًا وشعبيًا ومُلازمًا للكنيسة. كانت فيه صفات عديدة رحمه الله رحمة واسعة.


