اوريجانوس

تتناول المحاضرة شخصية أوريجانوس، ذلك المعلم الكبير الذي أثار جدلًا واسعًا في تاريخ الكنيسة، حتى قيل إنه لا توجد شخصية وُضِع حولها علامات استفهام وتعجب مثل شخصيته. فقد اجتمع فيه نبوغ عظيم مع انحرافات فكرية خطيرة.
نشأته وحياته
وُلد أوريجانوس في الإسكندرية من أبٍ شهيد ربّاه على الثقافة والمعرفة. عاش حياة تقشف وزهد شديدين، وكرّس نفسه لدراسة الكتاب المقدس، بعد أن تأثر في شبابه بالفلسفة اليونانية والغنوصية. تميّز بذكاء فائق وغزارة إنتاج نادرة، حتى صار مديرًا للمدرسة الإكليريكية في سن صغيرة.
إنتاجه العلمي
كتب مؤلفات كثيرة جدًا في تفسير الكتاب المقدس، ومن أشهر أعماله كتاب “المبادئ” وكتاب “ضد كلسوس”، كما وضع عملاً ضخمًا في مقارنة نصوص الكتاب المقدس عُرف بالسداسية. وكان واعظًا مؤثرًا، يُشبَّه وعظه بالصلاة بصوت عالٍ، إذ كان يحمل حساسية روحية عميقة في تقديم كلام الله.
منهجه في التفسير
نبغ في مدرسة التفسير الرمزي، فكان يركز على المعاني الروحية أكثر من الحرفية. وقد قدّم تأملات جميلة وعميقة، خاصة في تفسير نشيد الأناشيد. إلا أن إسرافه في الرمزية أوقعه أحيانًا في تفسيرات بعيدة عن الإيمان المستقيم.
أخطاؤه اللاهوتية
نُسبت إليه تعاليم خطيرة، مثل القول بوجود سابق للأرواح، وتناسخها، وخلاص الشياطين، وعدم أبدية العذاب، والقيامة بأجساد أثيرية. كما تأثر بأفكار فلسفية دخلت إلى شرحه للعقيدة، حتى مسّت فهمه لطبيعة الإنسان وطبيعة السيد المسيح.
موقف الكنيسة منه
حدث خلاف بينه وبين البابا ديمتريوس، وانتهى الأمر بحرمه في مجمع بالإسكندرية سنة 231م. ولم يكن الأمر مجرد خلاف شخصي، بل أيدت عدة مجامع لاحقًا هذا الحكم، وأكد المجمع المسكوني الخامس سنة 553م حرمه ورفض تعاليمه. ومع ذلك، فقد دافع عنه بعض الآباء وأثنوا على علمه ونسكه.
الرسالة الروحية
تُظهر حياة أوريجانوس أن العلم الواسع لا يغني عن الالتزام بالإيمان المستقيم، وأن التعمق في الفلسفات البشرية قد يقود إلى الانحراف إن لم يُضبط بروح الكنيسة. كما تؤكد أن الكنيسة، في محبتها للحق، تميّز بين تقدير الجهد الشخصي ورفض التعليم الخاطئ.
الخلاصة
أوريجانوس شخصية تاريخية عظيمة في اجتهادها وعلمها، لكنها مثال على خطورة تجاوز حدود التسليم الكنسي. فالطريق الآمن هو الاتضاع والطاعة للإيمان الرسولي، مع استخدام العقل في حدود إعلان الله.


