الخطية إنفصال عن الله

الخطية إنفصال عن الله
الإنسان الثابت في الله، يعيش الله في قلبه، ويعيش هو في قلب الله. إنه إنسان لا يتزعزع عن طريقه الروحي، ولا تتزعزع محبته لله…
إنه يعيش في عشرة مع الله، في شركة مع الروح القدس، هو ثابت في الله، في كنيسته، في وصاياه وتعاليمه… أما الخاطئ فقد انفصل عن الله، لأن الخطية تفصله عنه.
الخطية إنفصال عن الله
الإنسان الثابت في الله، يعيش في عشرة الله، كما وعدنا بقوله: “حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فهناك أكون في وسطهم”. أما الذي يعيش في الخطية، فإنه ينفصل عن الله.
الخطية هي انفصال عن الله. لأن الخطية هي أعمال الظلمة، والله نور ولا شركة للنور مع الظلمة.
الخاطئ إنسان انفصل عن الله، وعن وصاياه، وعن عمله انفصل عن شركة الروح القدس، عن شركة الطبيعة الإلهية.
لو كان الله مشتركًا معه في العمل، ما أخطأ.
إن عشت في البر، تعيش مع الله. وإن عشت في الخطية، تبعد عنه. وفي الكتاب أمثلة كثيرة لهذا:
لما أخطأ الابن الضال، انفصل عن بيت أبيه، إلى كورة بعيدة، بعيدة عن الأب وعن عشرته.
ولما تاب هذا الابن، رجع إلى أبيه، وانتهت فترة الانفصال. التوبة إذن هي رجوع إلى الثبات في الرب.
الخطية هي انفصال عن الله، في الأرض، وفي السماء أيضًا.
الكتاب يقول إنه قد أغلق الباب، والعذارى الجاهلات وقفن خارجًا، بين هؤلاء الخطأة وبين الرب باب مغلق، منفصلين عنه، وعن العذارى الحكيمات أيضًا. هكذا الخطأة دائمًا، يطرحون خارجًا، خارج الملكوت، وخارج المحلة، في الظلمة الخارجية.
إن الخطأة لا ينفصلون فقط عن الله، وإنما أيضًا عن ملائكته وقديسيه، كما في قصة الغني ولعازر:
قال أبونا إبراهيم للغني: “بيننا وبينكم هوة عميقة”. لا يستطيع أحد منكم أن يعبر إلينا. وهكذا إن كان الغني ولعازر قد عاشا معًا على الأرض، إلا أنهما قد انفصلا في السماء. ولم يستطع الغني أن يقترب من لعازر، وإنما “نظر إليه من بعيد”، في حسرة…
هذا الانفصال، بدأ من أول خطية آدم، وانفصل عن الله، مختبئًا خلف الشجر، ثم مطرودًا خارج الجنة…
ولما أحب لوط الأرض المعشبة، انفصل عن إبرام البار. وهكذا لما أحب ديماس العالم الحاضر، انفصل عن بولس. وأصبح هناك فاصل دائم بين الأبرار والأشرار، لا خلطة… “اعزلوا الخبيث من بينكم”. فكانت الكنيسة تعزل الخطأة خارجًا.
أما الأبرار فلهم عشرة الرب، في الأرض وفي السماء…
لم يقل الرب للص اليمين: “اليوم تكون في الفردوس”، إنما قال له: “تكون معي…”. وكما قال بولس الرسول: “نكون في كل حين مع الرب” وقال الرب: “حيث أكون أنا، تكونون أنتم أيضًا”. هكذا الملكوت “الله وسط شعبه”.
في حالة الخطية ينفصل الإنسان عن الله قلبيًا، إذ يفقد الحب القديم، ويخسر الدالة التي بينه وبين الله.
في الخطية ينفصل الإنسان عن محبة الله. إذ من المحال أن يستمر في محبته، وهو يعاند الله، ويتحدى وصاياه. ولذلك فإن السيد المسيح قال لملاك كنيسة أفسس:
“عندي عليك، أنك تركت محبتك الأولى” (رؤ2).
الخاطئ ينفصل عن صداقة الله! وعن محبته، وعن الدالة معه، وعن العشرة القديمة، ولا يعود يسير مع الرب.
لا يشترك مع الله في العمل، ولا يشترك الله معه…
تصبح بينه وبين الله خصومة، لذلك فإن الرسول- كسفير للمسيح- ينادي قائلًا: “اصطلحوا مع الله”…
في حالة الخطية تكون محبة أخرى قد دخلت إلى القلب، وأخذت مكان الله. في الخطية يكون الإنسان قد أحب العالم “ومحبة العالم عداوة لله” كما قال الرسول: “إن أحب أحد العالم، فليست فيه محبة الآب”.
إذًا عبارة “اثبتوا فيّ” تعني أيضًا “اثبتوا في محبتي”.
الغصن الثابت في الكرمة، تسري في عروقه عصارة الكرمة، وأصل الكرمة ونوعها، فيحمل شكل الكرمة، ونوعها وثمارها. يصير هو والكرمة واحدًا، على شبهها ومثالها…
الإنسان الثابت في الرب لا يخطئ، ولا يستطيع أن يخطئ. إذ قد أصبح له قلب جديد يحب الرب…
إن الانفصال عن الرب بالخطية، يسميه الكتاب خيانة:
لأنه خان العشرة القديمة التي بينه وبين الله، خان الحب، وخان العهد، وانضم إلى أعداء الرب. وأصبح يحب ما يكرهه الله وما ينهي عنه. ولم يعد يرحب بسكنى الله فيه. بل أصبح يطفئ الروح، ويحزن الروح…
ذلك لأنه لا يوجد طريق وسط. بل إما أن تكون مع الله محبًا له، وإما أن تكون عدوًا له. وليس هناك وضع متوسط… “الذي لا يجمع معي، فهو يفرق”.
وفي هذا يقول الرسول (1يو): “منا خرجوا، ولكنهم لم يكونوا منا. لأنهم لو كانوا منا، لبقوا معنا”. إنه يتبرأ منهم كلية بعبارة “لم يكونوا منا”…
وهذا الحكم يشبه تمامًا قول الرب للخطأة: “الحق أقول لكم إني لم أعرفكم قط” وقوله للعذارى الجاهلات: “الحق أقول لكن إني لا أعرفكن”…
إما أن تكون مع الله بكل قلبك، وإما إن تكون خائنًا مع أعدائه. إما أن تركب الفلك مع نوح، مع البر والحياة. وإما تهلك خارج الفلك مع الخطأة. لا يوجد حل وسط…
إما أن تخرج من سادوم، ولا تقف في كل الدائرة، وإما أن تصير لوح ملح كامرأة لوط… لا تستطيع أن تجمع بين الله والعالم، بين الظلمة والنور، بين محبة الله ومحبة الخطية. إما هذا وإما ذاك…
فأين أنت الآن؟ حدد مكانك، وحدد مصيرك:
هل تعيش بالحب في قلب الله، أم قد انفصلت عنه، هل روح الله يعمل فيك، أم أنك تقرع يائسًا خارج الباب، والرب يعلن أنه لا يعرفك؟ هل أنت في بيت أبيك، أم ضللت في كورة بعيدة.
إن الخطية خاطئة جدًا، لأنها تفصل الإنسان عن الله
إنها انفصال عن الله في حالة ارتكاب الخطية، وكذلك هي- في نتيجتها- إنفصال عن الله.
إنها إنفصال عن الله، في عملها، وفي نتائجها…
زكا العشار في حالة الخطية كان بعيدًا عن الله. ولكنه لما تاب، تعشى الرب في بيته، وحدث خلاص لأهل ذلك البيت. وكان ذهاب الرب إلى بيته تعبيرًا عن الحياة الجديدة مع الله، وعن سكنى الله فيه…
الذي يخطئ يفقد الدالة مع الله، والذي يحيا مع الله، يعيش في الحب الإلهي، وفي معرفة الله، ومذاقته، ويحتفظ بسكناه في قلبه. ويشترك في العمل معه.
قايين لما أخطأ انفصل عن الله، وصار تائهًا وهاربًا في الأرض، وخائفًا ومرتعبًا، لأنه في انفصاله عن الله، انفصل عن السلام أيضًا، وليس عن البر فقط. وهكذا قال للرب عبارته المملوءة مرارة وحسرة:
“إنك قد طردتني اليوم… وعن وجهك أختفي”…
إنه نفس الخوف الذي خافه داود النبي حينما قال:
“لا تطرحني من قدام وجهك، وروحك القدوس لا تنزعه مني”
إن عبارة “حتى متى تحجب وجهك عني؟” أخف بكثير عن طرد الإنسان من أمام وجه الله…
هناك عبارة أخرى أكثر رعبًا قيلت عن شاول وهي:
“وفارق روح الرب شاول” (1صم 16).
ما أخطر أن يفارق روح الرب إنسانًا… لذلك قيل كنتيجة لهذا عن شاول الملك “وبغته روح رديء من قبل الرب”. وهكذا لعبت به الشياطين…
أليست هذه ألوان من التدرج المرعب، تنتهي بمأساة:
بعد عن الله، خصومة مع الله، انفصال عن الله، حجب وجه الله عن إنسان، مفارقة روح الرب للإنسان، وطرحه من قدام وجهه، لتبغته الأرواح الرديئة…؟!
لذلك احترس جدًا إن تركت محبتك الأولى، وأذكر من أين سقطت وتب، لئلا تتزحزح منارتك من مكانها…
لا تسمح لمحبة أخرى أن تحتل محبة الله في قلبك، مهما كانت الأسباب، ومهما كانت الضغطات الخارجية.
إن الانفصال عن الله درجات، وكل درجة لها خطورتها.
أحيانًا تبعد عن الله، ولكن الله يكون قريبًا منك، يرعاك بكل عناية لكي ترجع. كما بعد الخروف الضال، وبحث الرب عنه حتى أرجعه، وحمله على منكبيه فرحًا. وكما قال أوغسطينوس: “كنت معي، ولكنني من فرط شقوتي لم أكن معك”…
ولكن الخطورة تزداد، حينما يأخذ البعد عن الله لونًا من اللامبالاة، وحينما يتحول إلى بعد في القلب له عمقه، وليس مجرد بعد في الطريق عن جهالة أو ضعف. وتزداد الخطورة حينما يتحول الأمر إلى خصومة وإلى مقاومة، وإلى معاندة للروح القدس وعدم الرغبة في الرجوع.
وتزداد الخطورة حينما يتحول الانفصال من جانب الإنسان إلى لون من التخلي من جانب الله، ويترك الله هذا الإنسان إلى ذهن مرفوض ويدفعه إلى أيدي أعدائه.
ليتنا نصطلح مع الرب، ولا نسمح أن تزيد مسافة البعد بيننا وبينه، بل نحاول أن نسعى إليه، ونتشبث به لأنه لا حياة لنا بعيدًا عنه.
إن فارقنا الله، فارقتنا الحياة كلها. وانحدرنا إلى طريق من الهلاك لا ينتهي…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الثالث والأربعون) 22-10-1976م




