الروح الناري

الروح الناري
فى الأسبوع الماضي تكلمنا عن الروح القدس الوديع الهادئ.
ونود في هذه الليلة أن نتحدث عن صفة أخرى من صفات الروح القدس، ربما تبدو – ظاهريًا – مختلفة بعض الشئ عن الصفة السابقة.
أود أن أكلملم ليس عن الروح الوديع الهادئ، وإنما عن الروح الناري.
الروح القدس حل على التلاميذ كألسنة من نار (أع 2)
وهذه الألسنة النارية ألهبت أرواحهم، ألهبتهم للخدمة، ومنحتهم قوة، وصاروا “حارين فى الروح”(رو12: 11).
ليس معنى كون الإنسان وديعًا، أن يكون خاملًا وهامدًا،
ولا يعمل شيئًا!! كلا، فأولاد الله ملتهبون بالروح. وهذا الالتهاب وهذه الحرارة، لا يتعارضان إطلاقًا مع الوداعة والهدوء.
كان السيد المسيح وديعًا ومتواضع القلب. ومع ذلك عندما ظهر فى سفر الرؤيا، كانت “عيناه كلهيب نار، ورجلاه شبه النحاس النقى، كأنهما محميتان فى أتون، وصوته كصوت مياه كثيرة” (رؤ 1).
قيل أيضًا في الكتاب “لأن إلهنا نار آكلة” (عب12: 29).
وهذه النار هي التي رآها موسى النبي مشتعلة في العليقة (خر 3)
ومن هناك كلمة الله. وهذه النار هى التي نراها رمزًا لله في المجمرة.
في المجمرة (الشوريا) النار رمز للاهوت. والفحم رمز للناسوت وإتحاد النار بالفحم رمز لإتحاد اللاهوت بالناسوت، وأما الشوريا فترمز إلى بطن العذراء التى تم فيها هذا الإتحاد.
وفى العهد القديم كانت الطريقة التي تقبل بها الذبيحة، أن نار الله تأكلها، سواء نار تنزل من السماء كما حدث في وقت إيليا “أو نار المذبح.. على مذبح المحرقة، كانت النار تتقد نهارًا وليلًا، وكان أكلها للمحرقة إشارة إلى إرضاء قلب الله، وإلى أن عدل الله قد استوفى حقه.
وكما كانت النار تشير إلى روح الله وإلى حقه وعدله، كذلك كان الحال مع ملائكته وخدامه وكلماته… فيقول الكتاب:
“الذي خلق ملائكته أرواحًا، وخدامه نارًا تلتهب” (مز104: 4) وعندما أرسل الله قواته لإنقاذ السامرة وقت إليشع، ظهرت بهيئة “مركبات نارية” فقال “إن الذين معنا أكثر من الذين علينا”.
وإيليا صعد إلى السماء أيضًا فى مركبة نارية.
وطغمة (السارافيم) معناها المتقدون بالنار أو المحرقون.
والمرة الوحيدة التي حدثنا فيها الكتاب عن السارافيم، أخذ واحد من السارافيم جمرة من على المذبح، ومسح بها فم إشعياء النبى، فتطهر، بالنار، بروح الله…
كل هذا يرينا أن أولاد الله، من المفروض أن يكونوا متقدين بالنار، ولهيبًا من نار. ليست الوداعة ولا الهدوء ولا الطيبة، معناها أن الإنسان يفقد حرارته…
قال الله لإرميا النبى “هأنذا جاعل كلامى في فمك نارًا” (5: 14)
وفي وقت من الأوقات، تعب إرميا من كلمة الرب، التى كان يوبخ بها الناس فيستهزئون به ويثورون عليه. فقال عن الرب “قلت لا أذكره ولا أنطق باسمه، فكان في قلبي كنار محرقة محصورة في عظامى، فمللت من الإمساك، ولم أستطع” (إر20: 9).
السيد المسيح نفسه قال “جئت لألقي نارًا على الأرض. فماذا أريد لو اضطرمت” (لو12: 49).
هذا هو الروح النارى الذي اختبره التلاميذ في الخدمة: حينما تلامسوا مع النار، وصاروا نارًا. وفي هذا يقول بولس الرسول:
“من يفتر، وأنا لا ألتهب”؟!
ويقول المرنم “غيرة بيتك أكلتني”…
إنها نار مشتعلة في القلب وفي الروح، مهما حاول إطفاءها لا يستطيع. وهكذا قال بطرس الرسول “نحن لا نستطيع أن لا نتكلم”. عدم الكلام أمر مستحيل: لا نستطيعه…
الحرارة الإلهية توقد القلب نارًا.
نار الروح القدس في قلوب الناس تشعل قلوبهم حبًا.
الله محبة، والمحبة نار، مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئها. لذلك كل من تدخل قلبه محبة تدخله نار…
محبتك لله تشعلك بالحرارة في العبادة وفي الخدمة.
ومحبتك للناس تشعلك بالحرارة في السعى إلى خلاصهم.
إن الكنيسة في اعطائنا فكرة عن النار المقدسة، لا تخلو طقوسها اطلاقًا من النار. كلما تدخل الكنيسة تجد نارًا…
هذه النار تراها في البخور، وفي الشموع.
إن حبات البخور المشتعلة بالنار، الصاعدة إلى الرب كأعمدة من دخان، إشارة إلى الحب الإلهي الذي يشتعل بالقلب، ويقدمه كمحرقة، وكرائحة بخور، وقود سرور للرب…
والنار في الشمعة إشارة إلى ذلك الذي بالحب يذوب لكي ينير للآخرين، تذيبه نار الروح، نار الحب، نار الله..
وكل ذلك نار المجمرة، ونار الشمعة، يعطي نورًا، كما يعطي دفئًا وحرارة. ومن كليهما لا تخلو الكنيسة اطلاقًا.
الله نور، ونار. يعطي حرارة، كما يعطي إرشادًا.
وفي العهد القديم كان يقود الشعب في برية سيناء بعمود من نار فوق المحلة إنه روح الرب يقودهم.
ومجد الرب كان يضئ باسستمرار، مثل النار… وهكذا ظهر للناس، وأعطاهم الوصايا.
كان الجبل يضطرم بالنار، كان كلمة الرب إليهم كلهيب نار اشعارًا لهم بقوة الكلمة، وحرارتها، وفاعليتها.
وأولاد الله، متى دخلوا إلى الحياة مع الله، يتحولون إلى هذه الحرارة عينها: حرارة في الصلاة، في العبادة، في الحب، في الخدمة. يتحولون إلى لهيب نار، كالملائكة…
وهذه الحرارة لا تكون في الروح فقط “حارين في الروح”، وإنما في الجسد أيضًا.
عندما صلى مكسيموس ودوماديوس، رأى القديس مكاريوس الكبير صلاتهما كأنها شعلات من نار تخرج من شفاههما.
وعندما كان القديس الأنبا شنودة يصلى – حتى في صغره – كانت أصابعه تبدو كأنها شموع متقدة.
الصلاة الروحانية تكون ملتهبة بالنار، لذلك يقال عنها أنها صلاة حارة. صادرة من حرارة القلب، ومن حرارة الحب..
ومن حرارة الصلاة تأتي اللجاجة، ومن حرارة الصلاة تأتي الدموع ومن هذه الحرارة يأتي الجهاد فى الصلاة، ويأتي الإيمان، وتأتي الاستجابة.
ومن حرارة الصلاة، يأتي الثبات فى الصلاة، فلا يود المصلى أن ينتهي من صلاته، بل يجد لذة تربطه بها، هى ثمرة الحب الإلهى. إن الحرارة تعطي صلاته حياة”.
اليست الحرارة هي الفارق بين الحي والميت؟
جسد الإنسان الميت تجده باردًا تمامًا لا حرارة فيه. أما الجسد الحي، ففيه دفء وحرارة. هكذا الروح أيضًا.
عيشوا فى الحرارة التى من الروح…
لما الإنسان تضعف حياته الروحية، تقل حرارته، ويفتر…
فيقولون: هذا إنسان عنده فتور روحى. وإن زاد فتوره، يتحول إلى برودة روحية، وإلى اموات… لذلك أشعلوا الروح في داخلكم، أو على الأقل كما قال الرسول.
“لا تطفئوا الروح…” (1تس5: 19)
احتفظوا بالشعلة موقدة باستمرار، تلهب قلوبكم.
كانت نار المحرقة متقدة باستمرار، لا تنطفئ، يلقون عليها الوقود ويشعلونها بمحرقة صباحية، وأخرى مسائية، وبتقدمات أخرى. فكن هكذا، متقدًا باستمرار. احتفظ بحرارة الروح التى فيك.
كنيسة الرسل كانت كنيسة مشتعلة بالنار، لذلك كانت قوية. إنها كنيسة الألسنة النارية، كنيسة الكلمة الملتهبة.
لذلك كانت كلمتهم قوية ولا ترجع فارغة. اختبرها بولس الرسول فقال “كلمة الله حية وفعالة، وأمضى من كل سيف ذي حدين، وخارقة إلى مفرق النفس والروح…” (عب4: 12). ذلك لأنها كلمة صادرة من اللسان الناري، الملتهب من يوم الخمسين.
هناك إنسان يكلمك كلمة فلا تحدث فيك أثرًا. وآخر يقول لك كلمة تظل تدوي في أذنك في البيت وفي العمل وفي الطريق، وفى قيامك وقعودك، وفي دخولك وخروجك، وتحفر آثار عميقة فى قلبك، وتعمل فيك عملًا. إنها كلمة نارية.
بولس الرسول – وهو أسير – تكلم عن البر والتعفف والدينونة فارتعب فيلكس الوالى، من كلمة هذا الأسير.
إنسان يخدم فى مكان، وكأنه جثة هامدة موضوعة فى هذا المكان وإنسان آخر يخدم، فإذا الموضع كله حركة، وكله حياة، وكله حرارة ونشاطًا. إنه عمل ناري ملتهب بالروح القدس، الناطق في الأنبياء.
هكذا كان الاثنا عشر رسولًا، الذين إلى أقاصى المسكونة بلغت أصواتهم. كانوا شعلًا، أينما حلوا صاروا لهيبًا.
إن كنت مشتعلًا بالروح، فكل إنسان يقابلك ستشعله، وكل مكان تحل فيه ستشعله، فهكذا طبع النار…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد السادس والعشرون) 25-6-1976م



