العنصر الايجابي في الحياة الروحية

العنصر الايجابي في الحياة الروحية
في حياتنا الروحية يوجد أمران هامان أحدهما هو مقاومة الخطية، هو مقاومة الشيطان ومقاومة العثرات والشهوات، ومحاولة الإنسان أن يطهر قلبه وذهنه، ويطهر جسده وحواسه.. إنها حياة صراع بين الروح والجسد.
أما الأمر الثاني فهو إيجابي فهو محبة الله وبناء الروح ومذاقة الملكوت
ونود في هذه المحاضرة أن نبين أهمية هذا العنصر الايجابي في الحياة الروحية.
العنصر الايجابي في الحياة الروحية
الذي يجعل حياته الروحية كلها مقاومة للخطية يتعب لأن حياته ضائعة في صراع في حرب مع عدو قوي…
الشيطان داهية في الشر، إذ كانت الحية أحيل حيوانات البرية والشيطان له خبرة عميقة بالنفس البشرية، له 7000 سنة وأكثر يحارب الإنسان ويختبره. إنه يعرف ضعفات هذه النفس، والأبواب التي يدخل إليها منها… لذلك فإن الصراع معه ليس سهلًا…
إنه صراع – كما قال بولس الرسول – ليس مع لحم ودم، بل مع أجناد الشر الروحية (أف6)، مع “سطان الظلام”.
والشيطان قوي، لذلك قيل عن الخطية في سفر الأمثال، إنها “طرحت كثيرين جرحى وكل قتلاها أقوياء” (أم7: 26)
لذلك فالحرب مع الشيطان غير متوازنة. إنها حرب إنسان ترابي ملتصق بالمادة، مع روح قوي في قتاله.
الشيطان ملاك. وإن كان في سقوطه، قد فقد طهارته وقداسته إلا أنه لم يفقد طبيعته وقوته.
لذلك نقرأ في قصة أيوب أنه عمل أعمالًا خطيرة: أنزل نارًا من السماء أحرقت الغنم والغلمان، وأثار ريحًا هدمت البيت، وضرب أيوب بقرح رديء من باطن قدمه إلى هامته…
ما أصعب الحرب مع هذا الشيطان…
إن الحرب السلبية صعبة. حقا، مسكين هو ذلك الإنسان الذي يقضي حياته صراعًا مع الشيطان: يقوم ليقع، وما أن يقوم حتى يقع مرة أخرى، وما أن ينتصر في حرب حتى تصادمه حرب أخرى، وهكذا إلى غير نهاية…
ولكن ما ألذ العمل الروحي الايجابي!!! انه مذاقه الله، عشرته والتمتع بها، ومصادقته “ذوقوا وانظروا ما اطيب الرب”…
لماذا يتعب الإنسان في حروبه الروحية؟
إنه يتعب، إن كانت محبة الله غير موجودة في قلبه.
وإن دخلت محبة الله إلي القلب، حينئذ تختفي منه الخطية.
الخطية التي كنت تتعب في مقاومتها، تنتهي مباشرة، ولا يصبح لها سلطان عليك، لأن محبة الله قد طردتها…
إذا ملأت محبة الله قلبك، لاتجد الخطية لها مكانًا فيك. حينئذ ترتل أغنية داود الجميلة ” سَبِّحي يا أورُشليمُ الرّبَّ، هَلِّلي لإلهِكِ يا صِهيَونُ. الرّبُّ يُمَكِّنُ مَغاليقَ أبوابِكِ ويُبارِكُ بَنيكِ في داخِلِكِ “.
هنا الإنسان محصن، أبوابه مغلقه في قوة أمام الشياطين التي لا تستطيع أن تنفذ إليه، بضربة شمال أو بضربة يمين، إن الحب الإلهي يحصن النفس البشرية، ويقوي مغاليق أبوابها.
كل شيطان يحارب هذه النفس، لايجد له منفذًا يدخل منه إليها، لأنها مدينة محصنة بمحبة الله، ويعمل الروح القدس داخلها.
إذن الجهاد المفرح والمريح هو أن يجاهد الإنسان للحصول على محبة الله والنمو فيها. أما الجهاد المتعب فهو الجهاد لترك الخطية. إن محبته تتضمن في داخلها ترك الخطية.
نسأل: لماذا يسقط الإنسان في الخطية؟ ألأن الخطية قوية، أو لأن العثرات مغرية، أو لأن الشيطان خبيث وخبير؟ أم لهذه كلها مجتمعة… ربما…
ولكن السبب الأول للخطية هو افتقار القلب إلي محبة الله الذي يحبه الله لا يخطئ. وكما قال الرب “من يحبني، يحفظ وصاياي”. الذي يحب الله: إن عرضت له الخطية، يقول “كيف أخطئ وأفعل هذا الشر العظيم أمام الله “؟!…
صدق الكتاب حينما قال “المحبة لا تسقط ابدًا”.
حاول أن تملأ محبة الله قلبك، حينئذ تكون هذه المحبة، كنار ملتهبة تلتهم كل مافيك من خطية ومن شهوة.
كيف تحـــــــب الله:
فكر كثيرا في الله، وانشغل به… فإن الذي يحب شخصًا، تراه دائم التفكير فيه، والإهتمام به.
إن المحبة والتفكير، أمران يقوي كل منهما الآخر….
إن أحببت الله، ستفكر فيه وتنشغل به، وإن فكرت فيه وانشغلت به، ستحبه…
أليس من المتعب أن يجول الله كغريب في الأرض “ليس له أين يسند رأسه”؟! كلما يطرق قلبًا أو فكرًا يجده مشغولا بغيره، بالعالم، وبالناس، بالمادة…
عودوا أنفسكم الانشغال بالله، وأن يبدو كل شئ تافهًا في نظركم، حتى يكون الله في قمة إهتماماتكم، وفي عمقها، بل يكون هو الكل في الكل، لا ينافسه في قلبك ولا فكرك شئ…
أما إن كان قلبك متعلقًا بالعالم، فإن الشيطان إذا أتاه، يجد البيت مزينًا ومفروشًا أمامه فيستتر فيه…
لا تجعل كفة العالم ترجح في فكرك ولاتجعل روحياتك في الموازين إلي فوق بل كن دائم التفكير في الرب، حينئذ يتقدس فكرك بعمقه الإلهي، ويستحي من سيرة الخطية، وأيضًا تجد مشاعرك تلتصق بالرب، وتتسامي محبتك إليه.
يأتي الشيطان، فلا يجدك متفرغًا له، فيتركك ويرحل.
حاول أن تكون لك بالرب صداقة وعشرة. كل الذين عاشروا الرب وصادقوه، كانت الخطية ضعيفة أمامهم.
غالبية الذين سقطوا، كانوا في فترة أهملوا فيها صلتهم بالله. فلما حاربهم الشيطان لم يجدوا حولهم مزمورًا ولا انجيلًا ولا صلاة. ولم يجد ما يصده من ذلك الحب القديم لله، ولهذا حسنًا قال الرب لملاك كنيسة أفسس موبخًا إياه على سقوطه:
“عندي عليك إنك تركت محبتك الاولي” (رؤ2: 4)
كلما قويت صلتك بالله، تكون الحرب التي يثيرها عليك العدو، ضعيفة، وليست بذات تأثير… لذلك أهم ما يحاوله الشيطان، هو أن يفصلك عن الله، ويشغلك بأمور تبعدك عن الرب، حتى يتفرغ لك…
أصعب شئ، أن تحارب الخطية في فترات فتور روحي أو برودة روحية. لهذا قال الرب “صلوا لئلا يكون هربكم في شتاء”.
اشغل فكرك، قبل أن يشغله الشيطان، مستخدمًا طريقة (الوقاية أفضل من العلاج). وفي حروبك الروحية، استخدم أسلوب الهجوم، بدلًا من أخذك موقف الدفاع باستمرار.
إن (الهجوم المضاد) أحيانا يكون أقوي أساليب الدفاع.
لا تترك نفسك للشيطان يقحم عليك أفكاره وشهواته وحيله، وتكتفي بالصراخ والمقاومة. إنما حَصن نفسك بمحبة الله، أهجم، وحطم قوة الشيطان بعشرتك الحلوة مع الله.
أشغل وقتك وقلبك، بالحب الإلهي، وبالعبادة، وبالخدمة. تجد مجرى عواطفك قد تحول إلى فوق. ولم تعد الخطية تجد لها شبيهًا في داخلك يجذبك إليها.
إن الآباء الرهبان الذين شغلوا وقتهم بالصلاة والتأمل والقراءات الروحية والألحان والتسابيح والمطانيات وعمل اليد، أخذوا من الشيطان موقف الهجوم لا الدفاع… بالعمل الإيجابي.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد السادس والأربعون) 12-11-1976م



