تكميل رسالة مار مرقس

تكميل رسالة مار مرقس
نحتفل في هذه الليلة بعشية عيد مار مرقس الرسول. ومار مرقس له فضل كبير علينا. فهو الذي أدخل الإيمان إلى بلادنا، ورسم الكهنة الأول، وأسس الكلية الإكليريكية، واستشهد من أجل تبشيرنا وتوصيل كلمة الرب إلينا… هو أب لنا جميعًا. وكلنا من أبناء مار مرقس.
وفي يوم عيده، لا نكتفي بالتحدث عن فضائله وكرازته، فهذا الأمر معروف لكم جميعًا… إنما أهم ما يشغلنا هو تكميل رسالته.
فماذا كان مار مرقس حتى نقتفي أثره ونكمل رسالته؟
كان إنسانًا كارزًا باسم المسيح، خادمًا للكلمة، يجول من مدينة إلى مدينة، ومن قرية إلى قرية، ومن قطر إلى قطر، ومن قارة إلى قارة، يخدم الرب ويبشر بإنجيله.
خدم في بلاد عديدة جدًا، في آسيا وأوربا وأفريقيا. وكان لا يهدأ ولا يستريح من أجل كلمة الله التي اُؤتمن عليها، سواء خدم وحده أو مع بطرس أو بولس…
وبولس الرسول كان هكذا أيضًا. تعب أكثر من الجميع.
بأسفار مرارًا كثيرة، بأخطار في البر والبحر، يبشر بكلمة الله، حتى وهو في السجن، وهو أسير في الرب… وهو واقف أمام فيلكس الوالي، تحدث عن البر والدينونة والتعفف، حتى ارتعد الوالي.
هؤلاء القديسون أمثال مار مرقس وأمثال مار بولس، تعبوا في جهاد لا ينتهي، حتى سلموا إلينا الإيمان…
هم تعبوا، ونحن دخلنا على تعبهم. تسلمنا الإيمان سهلًا سليمًا، دون أن نتعب فيه…
عندما حضر مار مرقس إلى مصر، لم تكن مصر مسيحية. كانت فيها العبادات الفرعونية القديمة، والديانات اليونانية والرومانية، واليهودية، وديانات أخرى، وكانت تزخر بالفلسفات القديمة. وكان التبشير فيها يبدو صعبًا ومتعبًا وشاقًا…
ولكنه عمل ولم ييأس. ولم يشترط إمكانيات أو تسهيلات، ولم يطلب راحة في الخدمة. وإنما وهب نفسه للتعب من أجل الرب ومن أجل بناء النفوس.
لم يكن له مقر، ولا مبنى يخدم فيه، ولا كنيسة. ولكن كان له الإيمان الذي يحرك الجبال. وكانت له العزيمة القوية على أن يتكلم بكلمة الرب وينشرها…
كان غريبًا في بلد غريب، غريبًا عن أهل مصر ولغتها وتقاليدها وديانتها وفلسفاتها. ولكنه لم يأبه بهذه الغربة، وعزم على توصيل كلمة الرب للناس…
وجاهد في كرازته، حتى أتى وقت، صارت فيه مصر مسيحية.
أما نحن فأمامنا تسهيلات كثيرة. والمطابع جعلت كلمة الله في متناول كل يد، وعندنا الكنائس والأبنية، وطرق المواصلات السهلة. ولكن ليست لنا الرغبة التي كانت عند أولئك القديسين.
وليست لنا العزيمة، ولا الإصرار على توصيل كلمة الله، ولا الغيرة المقدسة النارية العنيفة التي تشعل الإنسان في طريق الخدمة.
إن كنا أبناء مار مرقس، فلنعمل أعمال مار مرقس…
مار مرقس كان يأتي بالوثنيين وباليهود إلى المسيحية. أما نحن فلا أقل من أن نأتي بأخوتنا المسيحيين إلى التوبة وقدسية الحياة. إنه واجب علينا أن نعمل عمل الرب، بغيرة مقدسة…
على أن هناك أشخاصًا، كل غيرتهم على الملكوت، هي أن ينتقدوا العاملين، دون أن يعملوا شيئًا… كل غيرتهم هي أن يبكوا على الكنيسة، ويتكلموا عن الإصلاح، بلا عمل!
أما الرجل البار، الذي هو من أولاد مار مرقس، فلا بد أن يعمل عملًا… الله سوف لا يطلب منك في اليوم الأخير أن تقدم ملاحظات أو تقارير عن الخدمة. إنما سيطلب منك ما فعلته أنت في الخدمة…
مار مرقس بدأ من الصفر، بلا إمكانيات، ولكنه بالإيمان، وبالحب، وبالجهاد، أشعل الدنيا لهيبًا.
أنا متعجب من هذه الطاقات الروحية، التي تعمل بكل قوة، بلا إمكانيات، على الرغم من العوائق والضيقات…
السيد المسيح أعد12 رسولًا، ثم سبعين أخر. وبهؤلاء الـ 82 امتلأت الأرض إيمانًا. كل واحد فيهم كان شعلة من نار. بولس الرسول يقول “من يفتر وأنا لا ألتهب؟
من هنا كانت الخدمة واجبًا أساسيًا في حياة كل إنسان “كل شجرة لا تعطي ثمرًا، تقطع وتلقى في النار”.
سيسألكم الرب: ما هو ثمركم؟ ما هو إنتاجكم الروحي؟ كم شخصًا أوصلتموه إلى الرب؟! إن بذرة واحدة يمكن أن تصير شجرة لنا جميعًا، وتطرح لنا آلاف البذور…
إنه تبكيت من الطبيعة لنا، إن كنا بلا ثمر.
نريد أن تكون لكل منكم خدمة مثمرة، يفرح بثمرها وتفرح الكنيسة كلها. إخدموا ولا تهتموا بالعوائق. فالعوائق تجلب للخادم لذة أكثر، ويزداد فرحه بالانتصار على الصعوبات.
هل نجلس صامتين، وهناك نفوس تهلك كل يوم؟! ما أجمل قول الرب في سفر التكوين (1: 12) “شجرًا يصنع، بذره فيه كجنسه”. وأنت ابن الله ينبغي أن يكون لك ثمر كجنسك (أولاد الله).
أنتم ملح الأرض، ونور العالم، فلا تتمركزوا حول أنفسكم.
إن المهتم بنفسه، لم يفهم المسيحية. لأن المسيحية تقول “تحب قريبك كنفسك”. وقريبك هو كل إنسان…
كل من ذاق حلاوة الرب، ينادي للكل “ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب” كما فعلت المرأة السامرية “تعالوا وانظروا”.
هناك طاقات روحية استطاعت أن تجذب للرب مدنًا وأقطارًا.
الروح القدس الذي عمل في القديم، هو نفس الروح الذي يعمل الآن. بنفس القوة والمعونة، وبنفس المواهب…
إنما المهم أن تقدم نفسك، وتشترك مع الروح القدس في عمله، وتأخذ منه وتعطي الناس، بكل حب وغيرة.
إن الله سيطالبنا بهذا الجيل الذي نعيش فيه…
سيقول لنا: ما هو تأثيركم الروحي على هذا الجيل؟ ما هو ثمركم الروحي في كل مكان حللتم فيه؟ ما هو مقدار جهدكم في بناء ملكوت الله؟ كم شخص عرف الله عن طريقكم؟ وكم شخص تاب؟ كم تعبتم لأجل الرب…؟
هل نفرح لأننا أولاد مار مرقس وعندنا كرسي مار مرقس ورفات مار مرقس، وكرازته؟ أم نفرح بإتمام عمله في الخدمة؟
إننا داخلون على الصيف، ونريد أن نعمل فيه عمل الرب. لا تنتظروا ملاكًا ينزل من السماء يدعوكم للخدمة. فالخدمة هي حب يسيطر على القلب. حب لله والناس، حب للكنيسة والملكوت.
والحب الذي فيك، ينبغي أن يترجم إلى عمل وإلى بذل.
قال الرب لملاك كنيسة أفسس “أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك” فما هو تعبكم؟ ليتكم تحاسبون أنفسكم على عنصر الخدمة في حياتكم. وينبغي أن تكون الخدمة عنصرًا ثابتًا في اعترافاتكم.
وإن لم تخدموا بالعظات والتعليم، اخدموا بقدوتكم، بمنظركم، بأسلوبكم، بتعاملكم، بروحكم الطيبة. اجعلوا الناس يحبون الرب بسببكم، لمحبتهم لكم…
وهكذا يتبعون الله، لكي يصيروا مثلكم، بنفس الصورة والشخصية والروحانية، وبنفس حياتكم التي أثرت فيهم واجتذبتهم.
لا تكونوا أشجارًا غير مثمرة في فردوس الرب، لأن كل شجرة لا تعطي ثمرًا تقطع وتلقى في النار…
فلتتقد فيكم الغيرة المقدسة، والإيمان الحي العامل، ولتطوفوا باحثين عن النفوس الضائعة، وتكملوا رسالة مار مرقس.
ينبغي أيها الأخ أن تشترك في بناء الملكوت، وفي كل يوم توصل للرب إنسانًا جديدًا. وثق أنك كلما تمشي في الطريق ستجد نفسًا مستعدة وقلبًا مفتوحًا. وفي كل مقابلة ستصادف إنيانوس آخر مستعدًا أن يقبل الإيمان…
وتأكد – قبل أن تخدم وتعمل – أن الروح القدس يفتح القلوب لقبول الكلمة، وأنك سوف لا تعمل وحدك. بل كما قال بولس عن نفسه وعن سيلا “نحن عاملان مع الله”.
ما أعظم هذا الشرف: أن تعمل مع الله، وتشترك مع الروح القدس. ما أعظم هذا: أن يسبقك الروح لكي يمهد القلوب لعملك فيها، حتى يأتي كلامك بثمر…
ما أعظم هذا أن تتكلم، فينطق الروح على فمك، ويضع في فمك كلمة الرب القوية الفعالة، فتوصلها للناس…
كثيرون يخدمون العالم. أما أنت فستخدم الرب…
أنت ستتعامل مع الأرواح، من أجل أبديتها وخلاصها.
ستسير في طريق آبائك القديسين الذين “سيضيئون كالجلد والكواكب إلى أبد الدهور” وتكون “كملائكة الله في السماء”.
ما أكثر النفوس التي لم تصل إليها كلمة الرب، أو وصلت إليها ضعيفة بلا تأثير، وهي في انتظار كلمة الروح على فمك، ليغرس فيها محبة الله والاشتياق إلى حياة الروح.
نفوس كثيرة تهلك كل يوم، وسوف لا تدان وحدها، إنما سندان نحن أيضًا معها، لأنه كان بإمكاننا أن ننقذها، ولم نفعل. تركناها، وجزنا مقابلها، دون أن يتعب لنا ضمير!! ودون أن نتذكر قول الرسول:
“من يعرف أن يعمل حسنًا، ولا يعمل، فتلك خطية له”
“من رد خاطئًا عن ضلال طريقه، يخلص نفسًا من الموت، ويستر كثرة من الخطايا” (يع4: 17)، (يع5: 20).
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد العشرون) 14-5-1976م



