الحلول البشرية والحلول الإلهية

الحلول البشرية والحلول الإلهية
كل إنسان في الحياة تصادفه مشاكل أو ضيقات، يحتاج أن يبت فيها ويحلها، فهل يحلها بطريقة بشرية أم بطريقة إلهية. وهل يحل الموضوع، أم يتركه لله ليحله. فلنتأمل اليوم في موضوع الحلول البشرية الإلهية.
الحلول البشرية الخاطئة:
العجيب أنه حتى بعض القديسين لجأوا إلى الحلول البشرية.
† خذوا مثلًا لهذا إبراهيم أبي الآباء والأنبياء من جهة النسل:
وعده الله أن يعطيه نسلًا كنجوم السماء ورمل البحر، ومرت سنوات طويلة، ولم يرزق نسلًا، فلجأ إلى طرق بشرية: أخذ هاجر واعتبرها زوجة. والطريقة البشرية أتت بنتيجة سريعة، بابن ولكن ليس حسب وعد الله.
والحلول البشرية التي أخذ بها هاجر، أخذ بها أيضًا قطورة:
يقول الكتاب “وعاد إبراهيم فأخذ زوجة اسمها قطورة. فولدت له زمران ويقشان ومدان ومديان ويشباق وشوحًا. وولد يقشان شبا وددان. وكان بنو ددان أشوريم ولطوشيم لأميم. وبنو مديان عيفة وعفر وحنوك وأبيداع وألدعة. جميع هؤلاء بنو قطورة” (تك25: 1- 4).
الحل البشري أتى بنتائج سريعة. ولكن الله لم يسر بها.
لم نسمع أن الله بارك زمران ويقشان ومدان ومديان…!
† ومن الطرق البشرية الخاطئة في الحصول على نسل، خطية ابنتي لوط، جاءت بابنين ولكن لم يباركهما الرب.
† ما أكثر الطرق البشرية للحصول على نسل، وما أضيعها!!
من الحلول البشرية التي استخدمها أبونا إبراهيم أيضًا، قوله عن زوجته سارة أنها أخته، لينقذ نفسه.
طريقة كادت تؤدي إلى كارثة، لولا أن أنقذه الرب منها، ولقد وبخه الملك عليها قائلًا له: لماذا خدعتني.
† رفقة لجأت أيضًا إلى الحلول البشرية، لينال يعقوب البركة!
ألبسته شعر الماعز، نجحت الحيلة، وخدع أباه، ونال البركة. وظل شقيًا بسبب هذا أكثر من عشرين عامًا، ولاحقته الخديعة في زواجه ومن أولاده. ليته اِنتظر الرب ومواعيده.
إن النجاح الجزئي السريع الذي يصاحب الحلول البشرية، يستهوي كثيرًا من النفوس، ناسين ما يجده من أضرار أخرى…!
انظروا كم من المتاعب قد قاساها يعقوب لقبول الحلول البشرية، وهو خائف وهارب من عيسو في أرض الغربة. ومع ذلك لم تفارقه الحيل البشرية، وبخاصة عندما أراد أن تكثر أغنامه (تك 31). خاله لابان أيضًا استخدم الطرق البشرية، عندما خدعه وأزوجه ليئة بدلا من راحيل.
الحلول البشرية سريعة النتيجة، ولكنها خاطئة وغير مباركة. أما الحلول الإلهية فقد تكون بطيئة، ولكنها روحية، وكلها خير…
† موسى النبي لجأ إلى الطرق البشرية عندما قتل المصري، فلم يوافق الله على طريقته، وعلمه الوداعة في البرية.
† بطرس الرسول فعل هكذا أيضًا، عندما قطع أُذن العبد
فوبخه السيد المسيح قائلًا “رد سيفك إلى غمده. لأن من أخذ بالسيف، فبالسيف يؤخذ”… وفضل المسيح طريق الصليب والجلجثة.
† اليهود أيضًا لجأوا إلى الحلول البشرية، عندما أرادوا تنصيب المسيح ملكًا لينقذهم من حكم الرومان.
ولكن المسيح رفض هذا الحل، لأن مملكته ليست من هذا العالم. ولأن الحل الإلهي هو الصليب والفداء. لقد كان الحل البشري الخاص بالملك، له جذوره في تجربة الملك التي جربه بها الشيطان على الجبل، والتي رفضها كما رفض تحويل الحجارة إلى خبز…!
ينبغي أن نعرف الحل الإلهي، ولا نعتمد على فهمنا. لأن مشكلة الإنسان تكمن في عقله الذي يخترع له حلولًا بشرية لا تتفق مع مشيئة الله…
لذلك فإن أكثر الناس التجأوا إلى الحلول البشرية واعتمادًا عليها، هم الأذكياء… هذا الذكاء هو الذي قيل عن الحية إنها كانت “أحيل حيوانات البرية”. كانت تستخدم ذكاءها وليس حكمة الله.
متى يحاول الإنسان إن يدخل الله في حياته، ويعتمد على حلول الله أكثر من ذكائه البشري، ويتأمل عمل الرب؟!
الحلول الإلهية:
من الأطهار الذين اعتمدوا على الحلول الإلهية، يوسف الصديق: يوسف الصديق صمت في كل تجاربه، وانتظر الحل الإلهي…
بيع كعبد، فلم ينطق ولم يفتح فاه. وفي بيت فوطيفار، أتهم اتهامًا ظالمًا، وألقي في السجن. فصمت وانتظر تدخل الله بحلوله المقدسة. وتدخل الله، ووصل يوسف إلى وضع رفيع، ما كان يصل إليه لو أنه استخدم الحلول البشرية.
فعل يوسف تمامًا، مثلما قال الرب لموسى فيما بعد:
“الرب يقاتل عنكم، وأنتم تصمتون…”
عبارة “يقاتل عنكم” معناها تدخل الحل الإلهي. وعبارة “وأنتم تصمتون” معناها إبطال الحلول البشرية.
مشكلتنا أننا نريد أن نحل مشاكلنا بحكمتنا البشرية، وليس بالحكمة الإلهية. نسرع ونجري ونستخدم الحل البشري ولا ننتظر الرب!!
† داود النبي انتظر الرب في كل مؤامرات شاول الملك ضده
طارده شاول من مكان لآخر، واستخدم ضده كل الوسائل البشرية. وكم من مرة وقع في يدي داود، ولكن داود لم يستخدم ضده الطرق البشرية، إنما تركه الرب. وكذلك ترك أبشالوم للرب. ونجاه الرب من كليهما. لذلك قال الكتاب “اذكر يا رب داود وكل دعته”.
كم من أناس انتفخوا بعقلياتهم البشرية، وبأفكارهم، وحيلهم وطاقاتهم، وإمكانياتهم.. وكان كل ذلك كالدخان يرتفع في قوة إلى فوق، ثم يتبدد وينتهي. بعكس النار الإلهية التي تلتهب في هدوء وهي تحت!!
لا ترتفع كالدخان، ولا تقيم حولها ضوضاء، ولا تملأ الجو، ولكنها تتميز بالهدوء، والعمل المنتج…
† داود، لما لجأ إلى الطرق البشرية أساء التصرف وأخطأ، مثلما استخدم كل الحيل البشرية مع أوريا الحثي، لإخفاء الخطية، وكان موقفه مزريًا أمام أوريا الذي لم يطعه!!
فضائل تلتصق بالحلول الإلهية:
الطريق الإلهي يحتاج منا إلى ثلاث فضائل على الأقل، من غيرها لا نقدر أن نتمشى مع الطرق الإلهية.
1- الفضيلة الأولى هي الإيمان: تؤمن من أعماق قلبك إن الله موجود، وإنه سيتدخل، وأنه قادر على حل إشكالك.
إنه سيحل الموضوع بمحبته وبقدرته وبإراداته. من غير هذا الإيمان لا يمكن أن تنتظر الرب.
لو كان يعقوب يؤمن أن الله سيهبه البكورية، ما لجأ إلى الطرق البشرية التي قدمتها أمه رفقه.
2- إلى جوار الإيمان، الصلاة في حرارة ولجاجة وبلا ملل.
الذي يلجأ إلى الحلول الإلهية، يتعلم الصلاة.
3- ثالث فضيلة هي الصبر، وانتظار الرب:
يقول الكتاب “تقو، وليتشدد قلبك، وانتظر الرب”. إبراهيم أبو الآباء لم يستطع أن ينتظر، فأخذ هاجر.. ويعقوب لم يستطع أن ينتظر فلجأ إلى حيل رفقة.. أما يوسف الصديق فصبر على العبودية وصبر على السجن، وصبر على الظلم، وانتظر الرب. إن محب السرعة هو الذي يستخدم الحلول البشرية.
4- إن سلكت بالإيمان والصلاة والصبر، يهبك الله الخبرة الروحية:
حينئذ تذوق وتنظر ما أطيب الرب، وتختبر الحلول الإلهية، فتقوى في الإيمان، ولا تعود تعتمد على حلولك الخاصة..، ولا تتلهف على الحل البشري السريع..
إن الحل السريع ليس أفضل الحلول. بل أفضلها الحل المتقن الحكيم، الذي تتدخل فيه يد الرب..
أحيانًا يفكر البعض في إصلاح الكنيسة بهذه السرعة الهوجاء والعجيب أنهم يسمون السرعة غيرة! مَنْ مِنَ الناس سيكون أكثر غيرة على الإصلاح من الرب نفسه.
ومع ذلك فطريقة الرب هادئة. كان الناس يموجون في شكوك قاتلة بعد صلب الرب. ومع ذلك قال لتلاميذه “لا تبرحوا أورشليم حتى تلبسوا قوة من الأعالي”. وبعد أن حلت عليهم هذه القوة، صاروا شهودًا.
الطرق البشرية لا تتميز بالسرعة فقط، إنما بالعنف أحيانًا:
والسرعة والعنف يستخدمهما الشيطان أيضًا، كما حدث في تجربته لأيوب: بسرعة أمات 10 من البنين والبنات، وهدم البيت، وأضاع جميع أموال أيوب، بسرعة، وبعنف…
اما طرق الرب فهادئة، في تأن، إلى إن تصل…
إنسان يدخل في حياة الرهبنة. يريد في أيام أو شهور أن يصير من المتوحدين ثم من السواح. فينصحه الآباء بأن يتروى، ويسلك في الطريق باتزان، بدون قفزات سريعة، بل بهدوء، لأن هكذا طرق الرب.
الطرق البشرية كما تتميز بالسرعة والعنف، يكتنفها الخطأ والخطيئة أحيانًا.
كثيرًا ما تسلك في دروب غير مستقيمة، يدخل فيها الشيطان كعامل مساعد. وأشهر شيطان يساعد الإنسان، شيطان الكذب. إنه تغطية سريعة لأي خطية، وحيلة سريعة توصل لأي غرض، وأسرع رد يلجأ إليه من لا يريد أن يفكر…
أسلك في طرق الرب. وإن تأخرت بك قليلًا، فلا تتضايق. فالمسيح قد يأتي في الهزيع الرابع من الليل.
تقول له يا رب لماذا تأخرت؟ يجيب قائلًا: لأعطيك بعضًا من الصبر أو من الصلاة أو من الإيمان، أو من تشدد القلب.
تعال إيها الرب يسوع، في أي وقت تشاء. سننتظرك، ولن نيأس من مجيئك، صباحًا أم مساءً أم نصف الليل…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الثاني والعشرون) 28-5-1976م



