الالتقاء بالمسيح

كل إنسان فينا يحب أن يلتقي بالله، ولكنه لا يعرف الطريق ولا الطريقة. والإجابة سهلة. يمكنك الالتقاء بالمسيح في كل مكان، ولكن أجمل مكان هو الجلجثة.
ان أردت تلتقي بالمسيح، أذهب الى بستان جثسيماني، وأمشي في طريق الجلجثة، واصعد على الصليب.
في أتون النار التقى الثلاثة فتية بالرب. تمشى معهم وسط النيران ولم تؤذهم. في جب الأسود التقى دانيال بالرب.
في حياة المتعة كثيراً ما يبعد الإنسان عن الله، ولكن يلتقي به في الضيقة والآلم.
المتعة تشغل الحواس، وفيها يتعلق الإنسان للذة. أما الألم فيرفع القلب الى الله. لذلك وهب الله لنا الألم، لأنه طريق اليه …
المتعة تجعل الإنسان لا يشعر بالإحتياج، أما في الضيقة فيشعر باحتياجه، ويطلب وجه الرب.
يعقوب أبو الآباء رأى الله في الألم. آباؤنا القدسيون عاشوا في الضيقات. ولما كانوا لا يجدونها، كانو يضيقون على أنفسهم…
ولكن تلتقي بالرب، ينبغي أن تكون لك في رغبة في اللقاء.
ولكن هذه ليست قاعدة، فمن أعجب الأمثلة قصة شاول الطرسوسي، الذي كان في طريقه لاضطهاد الرب وأولاده،
بكل قسوة وعنف، يحمل خطابات يجر بها رجالاً ونساء إلى السجن… وفي الطريق قابله الرب وجذبه إليه…
إن كانت الالام من أحسن المجالات للقاء بالرب، فالصلاة أيضاً من أحسن المجالات للقاء.
تعجبني عبارات المرتل الذي ذاق الله والتقى به، حينما يقول “طلبت وجهك، ولوجهك يا رب التمس. لا تحجب وجهك عني” “بكل قلبي طلبتك”.
عذراء النشيد لم تكتف بالطلب، وإنما أيضاً طافت الشوارع باحثة عنه، مجاهدة لأجل هذا اللقاء…
ان السيد المسيح لا يطلب مجرد اللقاء، وإنما بالأكثر الثبات فيه “اثبتوا في وأنا فيكم” ما معنى هذا الثبات المتبادل؟ أنه تعبير أكبر من عقولنا، وأكبر من قلوبنا.
كما تثبت الأغصان في الكرمة، كما يثبت الجسد في الرأس… حقاً كما قال الكتاب: إن هذا السر عظيم… ليس الأمر إذن مجرد لقاء،
إنه سكني، سكني الله فيك. كما يقول “أنتم هياكل الله، وروح الله ساكن فيكم”. ينظر الله إلى قلبك ويقول “ههنا موضع راحتي إلى أبد الأبد، ههنا أسكن لأني أشتهيه”.
قلبك هو المكان الذي يريد المسيح ان يسند فيه رأسه.
من أجل هذا أنت تنادي “آمين، تعال أيها الرب يسوع” تعال يا رب وأسكن. أنا سأفتح لك الأبواب كلها. فيجيب الرب “ينبغي الليلة أن أدخل بيتك”.
اذن اللقاء بالرب هو لقاء في الداخل، وليس في الخارج. كثيرون يبحثون عن الله هنا وهناك، بينما الله داخلهم وهم لا يشعرون.
الله موجود في كل مكان، حواليك، وداخلك، وأنت لا تشعر. لما أدرك أوغسطينوس هذه الحقيقة، قال: كنت يا رب معي، ولكنني من فرط شقوتي لم أكن معك.
اذن الالتقاء بالله، معناه الشعور بالله في حياتك.
أنت يا رب في داخلي، أنت معي. أما أنا فينقصني الحس والإدراك. ينقصني الحواس المدربة التي أرى بها الله.
“افتح يا رب عيني الغلام ليرى”. لذلك يوبخنا الرب قائلاً “لكم عيون، ولكنها لا تبصر”
كثيرون كان الرب معهم، ويكلمهم، ولم يشعرواً به ولا عرفوه.
تلميذا عمواس قابلهما الرب ولم يعرفاه. وكلم مريم المجدلية، فظنته البستاني. وكلم صموئيل فظنه عالي الكاهن.
موسى النبي أيضاً لم يدرك الرب عند العليقة، فصاح فيه الرب “أخلع نعليك. فالأرض التي أنت واقف عليها أرض مقدسة”…
الله موجود في حياتك، وفي حياة الناس. ولكن المشكلة هي أن الحواس غير مدربه… تلتقي بالرب ولا تعرفه.
لكي تلتقي بالرب أيضاً، ينبغي أن تتلاقى معه في الهدف. وعلى رأي المثل ” من شروط المرافقة، الموافقة”.
ايضاً من العوائق التي تمنع اللقاء بالله، المشغوليات..
إنها الحرب الأولى في هذا الجيل، لا يوجد إنسان متفرغ، لكي يلتقي بالله… الكل مشغول. حتى الذين يخدمون الله، هم أيضاً منشغلون بالخدمة!
يخيل لي أن الله لو ظهر في هذا الجيل، لقلنا له “اذهب الآن، ومتى حصل لنا وقت نستدعيك”!!
ان أردت أن ترى الله، انشغل به، فكر فيه..
ليكن هو هدفك وشاغلك، وكل ما عداه أموراً ثانوية.
هناك من يبعدهم عن الرب، محبة آخري تشغل القلب..
رغبة أخرى، شهوة أخرى، قلبهم متعلق بها، لذلك فهم مشغولون بها عن الرب. هكذا الذي يحب الرب ينشغل به.
يراه في كل شيء. إن أتته بركة أو معونة أو انقاذ، يقول هذا من الله. وإن سمع كلمة طيبة، يقول هذا صوت الله.
وإن رأى انساناً صالحاً، يقول إنه صورة الله دائماً على لسانه وفي قلبه.
“محبوب هو اسمك يا رب، فهو طول النهار تلاوتي”.
“أسمك حلو ومبارك، في أفواه قديسيك”.
إن مشكلة اللقاء كلها، تتعلق بالحب، بمحبة الله.
ان الله يجد من يعظون عنه، ومن يبنون له بيوتاً، ويفسرون شريعته. لكن الآهم هو أين الذين يحبونه؟
والله يقول “يا ابني أعطني قلبك “أتريد أن تلتقي بالله؟ ينبغي أن تحبه.
هل تظن أن اللقاء بالله مجرد شعارات نضعها وعناوين؟ كلا، إنه حب وعاطفة. ولا تستطيع أن تحب الله إن كانت هناك محبة أخرى تشغلك.
هناك من يحب اناساً، ومن يحب القاباً، ومالا أو علماً، أو سلطة، أو شهوات. وفي كل ذلك يقول الرب:
“من أحب أباً أو أماً أكثر مني فلا تستحقني…” ويقول الكتاب “محبة العالم عداوة الله..” إن أحب أحد العالم، فليست فيه محبة الأب”
لذلك سر الرب من بطرس حينما قال” تركنا كل شيء وتبعناك”. فهل تركت أيضاً كل شيء من أجل الله، وصار الله لك الكل في الكل؟
انشغلوا بالله، حبوه من كل قلوبكم، اعطوه عاطفتكم.
“الله محبة. من يثبت في المحبة، يثبت في الله، والله فيه”. بهذا الشكل يمكن الالتقاء بالله…
لا يكفي أن نقرا الكتاب، وإنما ينبغي أن تحبه..
في ناموس الرب مسرتك، وفي ناموسه تلهج النهار والليل. تقول للرب “فرحت بكلامك كمن وجد غنائم كثيرة”،
“باسمك أرفع يدي” فتشبع نفسي كما من شحم ودسم”، “وجدت كلامك كالشهد فأكلته”
بهذا تلتقي بالله في كلماته، ان كنت تفتح لها قلبك بالحب.
وكما تحب كلام الله، تحب كنيسته، تحب خدمته، تحب ملكوته، تحب سماءه، تحب أولاده.
هل قلبك هو مسكن الله، أم أجرته من الباطن لأخرين؟
يقول لك الله” يا ابني، أعطني قلبك”. تقول له: لقد جئت يا رب متأخراً، سبقك آخرون. قلي أخذه فلان، والشيء الفلاني. لو كان قلبي شاغراً، لقدمته لك، لكن آسف، إنه مشغول.
الله يعمل بنعمته على إخلاء قلبك، لتصير له، فيلتقي بك وانت به. وهذا الاخلاء يأتي بالتجرد…
تشعر أن كل شيء تافه إلى جوار الله. فتتجرد من كل شيء، ليصير الله الكل في الكل. وبهذه تلتقي به بدون عائق…
ولا يمكن أن تتجرد من العالم وأموره، إلا أن فقد هذا العالم قيمته في نظرك… يعجبني في ذلك قول بولس الرسول.
“خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح…وأوجد فيه” “ما كان لي ربحاً، فهذا حسبته خسارة، من أجل فضل معرفة المسيح”
أبراهيم أبو الآباء، ترك من أجل الرب أهله وعشيرته وبيت أبيه. بل من أجله أيضاً ذهب ليقدم ابنه وحيده محرقة.
وكأنه يقول للرب “أنا يا رب ليس لي غيرك، لا أهل ولا عشيرة، ولا أبن. أنت لي كل شيء، وليس سواك. منذ التقيت بك، لم أعد أعرف أحداً سواك…
داود- في محبته الله- قال ما هو أصعب من هذا:
“صرت كبهيمة عندك، ولكني معك في كل حين” (مز: 73)
المهم أن أكون معك، ولا يهمني الوضع الذي أكون فيه. إن الذي يلتقي بك، لا يستطيع أن يبعد…
عندما خلق الله الإنسان، كان بالنسبة إلى الإنسان الكل في الكل. ثم بدأت محبات أخرى تدخل إلى قلب الإنسان،
ومن ذلك الوقت قل التقاؤه بالرب، وحل الخوف محل الحب، وبدأ يهرب من وجه الله…
يعوزنا اعادة تقييم الأمور، بحيث نشعر ان كل شيء الى جوار الله هو نفاية، فلا يعود ينافسه في قلبنا شيء…
وإن لم نتجرد من تلقاء أنفسنا، فإن نعمة الله تعمل على تجريدنا حتى يبقى القلب للرب.
من أمثلة ذلك أيوب الصديق: جرده الرب من المال والأولاد والشهرة والهيبة والأصدقاء، ومن الصحة أيضاً…
وفي هذا التجرد، التقى مع الله، ورأته عيناه… واللقاء مع الله، هو الذي يحدد زمانه ومكانه وكيفيته…
من كان يظن ان المجوس الذين تتعلق أبصارهم دوما بالنجوم، يلتقون مع رب النجوم كلها في مزود بقر!! ويكون لقاء الإيمان…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الثالث عشر) 26-3-1976م



