قوة الخدمة

قوة الخدمة[1]
هناك خدمة ضعيفة لا تأتي بنتيجة، ولسنا عنها نتكلم.
وهناك خدمة أخرى قوية وفعالة. وهي التي يريدها الله… والخادم الحقيقي هو خادم قوي في خدمته.
إنه قوي، لأنه صورة الله تكوين 1 : 26 . والله قوي:
الله قوي في قدرته على الخلق، وقوي في خلاصه العجيب، الذي استطاع به أن يمحو جميع الخطايا، لجميع الناس، في جميع العصور. وقوي في حبه، لأنه أحب قد بذل. وقوي في آياته ومعجزاته. وقوي في مغفرته لأنه “لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثَامِنَا” وإنما “كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا” المزامير 103 : 10–12 .
الله قوي. نقول له في الثلاثة تقديسات: قدوس الله قدوس القوي.
ونقول له في تسبحة البصخة Ⲑⲱⲕ ⲧⲉ ϯϫⲟⲙ (لك القوة). ونقول أيضًا: “قُوَّتي وتَسْبِحَتِي هُوَ الرَّبُّ، وقَدْ صارَ لي خَلاصًا” المزامير 118 : 14 . ونختم الصلاة الربية – التي علمنا إياها – بعبارة: “لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ وَالْقُوَّةَ وَالْمَجْدَ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ” متى 6 : 13 .
ما دام الله له القوة، ونحن صورته، ينبغي إذن أن نكون أقوياء. والقوة ليس معناها العنف. إنما هي قوة في الشخصية، وفي العقل، وقوة في الكلمة وتأثيرها.
وقد كان أنبياء الله ورسله كلهم أقوياء.
*داود النبي كان قويًا في رعيه للغنم، إذ استطاع أن يخلص الشاة من فم الأسد صموئيل الأول 17 : 34–35 .
كما استطاع أن يقف أمام جليات الجبار، قائلًا له: “أَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ بِسَيْفٍ وَبِرُمْحٍ وَبِتُرْسٍ. وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ بِاسْمِ رَبِّ الْجُنُودِ… الْيَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي…” صموئيل الأول 17 : 45–46 . وقيل عن داود إنه “جَبَّارُ بَأْسٍ” صموئيل الأول 16 : 18 .
وكما كان داود قويًا كمحارب، كان أيضًا قويًا في احتماله.
فاستطاع أن يحتمل كل مؤمرات شاول الملك ضده، ولم يؤذه حينما وقع في يده صموئيل الأول 24 : 6 . وكان داود قويًا أيضًا في عاطفته وحبه ومغفرته، فبكى على أبشالوم الذي ثار عليه بجيش وأراد أن ينتزع المُلك منه، فناح عليه داود لما مات، وقال: “يَا ابْنِي أَبْشَالُومُ، يَا ابْنِي يَا ابْنِي! أَبْشَالُومُ، يَا لَيْتَنِي مُتُّ عِوَضًا عَنْكَ” صموئيل الثاني 18 : 33 .
وكان داود قويًا أيضًا في توبته.
هو الذي بكى كثيرًا بسبب خطيته، حتى بعد مغفرتها، وقال: “تَعِبتُ فِي تَنهُّدِي. أعُوِّمُ كلَّ لَيلةٍ سَرِيرِي، وبدُمُوعِي أبلُّ فِراشِي” (مز6). وقال في المزمور الخمسين: “اِرْحَمنِي يَا الله كَعَظيمِ رَحْمتِكَ… وخَطيَّتِي أمَامِي في كلِّ حينٍ”. حقًا لم نسمع عن توبة قوية، مثل توبة داود…!
*ودانيال النبي كان قويًا في إعلانه لإيمانه بالله، ولو أدّى به ذلك إلى إلقائه في جب الأسود (دا6). كما كان قويًا في معرفته وفي تفسيره للأحلام، وفي ما رآه من رؤى.
وإيليا النبي كان قويًا في محاربته للوثنية في عهده، وفي وقوفه ضد أنبياء البعل وأنبياء السواري، وفي شجاعته ومخاطبته لآخاب الملك وتوبيخه إياه على جعله إسرائيل يخطئ (1مل18).
*ويوحنا المعمدان – الذي أعد الطريق أمام المسيح – كان قويًا.
وقيل عنه إنه يتقدم بروح إيليا وقوته، ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس لوقا 1 : 17–15 . وبكل قوة كرز بالتوبة فـ “خَرَجَ إِلَيْهِ أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ الْيَهُودِيَّةِ وَجَمِيعُ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنّ. وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ” متى 3 : 5 ، وكان قويًا في توبيخه للقادة الفريسيين والصدوقيين قائلًا: “وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ” متى 3 : 10 .
وكان قويًا في توبيخه لهيرودس الملك قائلًا له: “لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ” امرأة أخيك زوجة متى 14 : 3–4 . فسجنه الملك ثم قتله.
وكان المعمدان أيضًا قويًا في اتضاعه.
فهو لما رأى الناس يزدحمون حوله ويمجدونه، اعترف وقال: لست أنا المسيح… “لَكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ” متى 3 : 11 . وقال للسيد المسيح: “أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ” متى 3 : 14 . وقال عنه عبارته المتضعة الشهيرة: “يَنْبَغِي أَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ” يوحنا 3 : 30 .
*السيد المسيح أيضًا كان قويًا، على الرغم من اتضاعه متى 11 : 29 .
فلا تظنوا أن الوداعة والاتضاع هما لون من الضعف، أو يكون الإنسان فيها جثة هامدة لا تتحرك! أو أنهما يتعارضان مع القوة! كلا، فقد كان المسيح وديعًا ومتواضع القلب، وكان قويًا…
كان المسيح قويًا في وعظه وفي تأثيره على الناس.
وقد قيل عنه في آخر عظة على الجبل أنه: “بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ. لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ” متى 7 : 28–29 .
وكان قويًا في اقناعه: فلما استاء الفريسيون من أنه كان يأكل مع العشارين والخطاة، قال لهم: “لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى… لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ” متى 9 : 12–13 . وفعل بالمثل لما دخل بيت زكا وقَبِلَ توبته، وأجاب على المتذمرين من اليهود: “الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهَذَا الْبَيْتِ إِذْ هُوَ أَيْضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ. لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ” لوقا 19 : 9–10 .
وكان قويًا في اقناعه لهم بفعل الخير في السبوت.
فقال لهم: “أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ يَكُونُ لَهُ خَرُوفٌ وَاحِدٌ فَإِنْ سَقَطَ هَذَا فِي السَّبْتِ فِي حُفْرَةٍ أَفَمَا يُمْسِكُهُ وَيُقِيمُهُ؟” متى 12 : 11 . وقال لهم أيضًا: “أَوَ مَا قَرَأْتُمْ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ الْكَهَنَةَ فِي السَّبْتِ فِي الْهَيْكَلِ يُدَنِّسُونَ السَّبْتَ وَهُمْ أَبْرِيَاءُ؟” متى 12 : 5 . وكرر عبارة “أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً” متى 12 : 7 .
وكان قويًا ومقنعًا في رده على موضوع الجزية.
وذلك حينما أرادوا أن يجربوه بخبث قائلين: “أَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟”، فأجابهم بعبارته الخالدة: “أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ، لِقَيْصَرَ وَمَا لِلَّهِ، لِلَّهِ” متى 22 : 17–21 .
وكان قويًا لما أبكم الصدوقيين والفريسيين.
وذلك في سؤال الصدوقيين – الذين لا يؤمنون بالقيامة – عن المرأة التي اتخذت لها سبعة أزواج أخوة، الواحد بعد موت الآخر، لمن تكون في الأبدية؟، فأجابهم: “تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللَّهِ. لأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَةِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللَّهِ فِي السَّمَاءِ” متى 22 : 29–30 .
كذلك حينما أحرج الفريسيين بسؤاله: “مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟”، فلما قالوا له: “ابْنُ دَاوُدَ”، سألهم: “فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبًّا قَائِلًا: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي…؟”، “فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلَهُ البَتَّةً” متى 22 : 42–46 .
كان السيد المسيح قويًا أيضًا في شعبيته.
في معجزة الخمس خبزات والسمكتين، كان الذين وعظهم وأطعمهم “خَمْسَةِ آلاَفِ رَجُلٍ مَا عَدَا النِّسَاءَ وَالأَوْلاَدَ” متى 14 : 21 . وفي قبوله لتوبة زكا، كان الزحام شديدًا، لدرجة أن زكا “صَعِدَ إِلَى جُمَّيْزَةٍ لِكَيْ يَرَاهُ” لوقا 19 : 4 . وفي معجزة شفاء المفلوج “اجْتَمَعَ كَثِيرُونَ حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَسَعُ وَلاَ مَا حَوْلَ الْبَابِ” مرقس 2 : 2 . وفي معجزة إقامة لعازر، قال الفريسيون لبعض: “هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ” يوحنا 12 : 19 .
وكان المسيح قويًا في طاعته، وفي موته، وفي قيامته.
كان قويًا في طاعته للآب، إذ أنه “أَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ” فيلبي 2 : 8 . وكان قويًا في موته، إذ “حِجَابُ الْهَيْكَلِ قَدِ انْشَقَّ إِلَى اثْنَيْنِ… وَالأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ”، وقبل ذلك: “مِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ” ( متى 27 : 51–45 .
وكان قويًا في قيامته، إذ أنه قام بقوة لاهوته، وخرج والقبر مغلق وعليه حجر عظيم، ودخل العلية إلى تلاميذه والأبواب مغلَّقة يوحنا 20 : 19 .
*بعد هذا نتكلم عن قوة الخدمة في حياة الآباء الرسل.
وهي قوة نالوها من حلول الروح القدس عليهم.
فعلى الرغم من فترة التلمذة التي قضوها على يد الرب نفسه أكثر من ثلاث سنوات، إلا أنه قال لهم: “أَقِيمُوا فِي مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الأَعَالِي” لوقا 24 : 49 . وعن مصدر هذه القوة، قال لهم: “لَكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” أعمال الرسل 1 : 8 .
بهذه القوة خدم التلاميذ من أول يوم، يوم حلول الروح القدس.
بعظة واحدة من القديس بطرس الرسول، دخل إلى الإيمان ثلاثة آلاف نفس، تعمدوا في ذلك اليوم أعمال الرسل 2 : 41 . هنا نجد قوة تأثير الكلمة التي قيلت بالروح القدس، فلما سمعها الناس “نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ”، “فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ وَاعْتَمَدُوا” أعمال الرسل 2 : 37–41 .
وبعد معجزة شفاء الأعرج “كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا الْكَلِمَةَ آمَنُوا، وَصَارَ عَدَدُ الرِّجَالِ نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفٍ” أعمال الرسل 4 : 4 . ثم يقول الكتاب: “وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ” أعمال الرسل 4 : 33 .
وتحققت نبوءة الإنجيل “مَلَكُوتَ اللَّهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ” مرقس 9 : 1 ، “وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ” أعمال الرسل 2 : 47 .
ليتكم يا أخوتي الكهنة والخدام تجعلون هذه الآية بالذات مقياسًا لنجاح خدمتكم وقوتها: هل الرب في كل يوم – وعلى أيديكم – يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون؟ فينموا ملكوته باستمرار…
يقول الكتاب أيضًا عن عصر الرسل: “وَكَانَ مُؤْمِنُونَ يَنْضَمُّونَ لِلرَّبِّ أَكْثَرَ جَمَاهِيرُ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ” أعمال الرسل 5 : 14 .
وقيل بعد سيامة الشمامسة السبعة: “وَكَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ تَنْمُو وَعَدَدُ التَّلاَمِيذِ يَتَكَاثَرُ جِدّاًفِي أُورُشَلِيمَ وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الْكَهَنَةِ يُطِيعُونَ الإِيمَانَ” أعمال الرسل 6 : 7 .
إنها خدمة نامية وقوية، وهناك مظاهر أخرى لقوتها.
*كانت قوة في المجاهرة والصمود. لما منعوهم من الكرازة، قالوا: “نَحْنُ لاَ يُمْكِنُنَا أَنْ لاَ نَتَكَلَّمَ بِمَا رَأَيْنَا وَسَمِعْنَا” أعمال الرسل 4 : 20 . ورفضوا تهديد الرؤساء لهم قائلين: “يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ” أعمال الرسل 5 : 29 .
*وكانت للرسل أيضًا قوة في الاحتمال، احتملوا السجن والتهديد وبعد أن جلدوهم وأطلقوهم “ذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ” أعمال الرسل 5 : 41 .
*وكانت لخدمتهم قوة في الانتشار، لخصها رئيس الكهنة في قوله لهم: “أَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ وَصِيَّةً أَنْ لاَ تُعَلِّمُوا بِهَذَا الاِسْمِ؟ وَهَا أَنْتُمْ قَدْ مَلأَتُمْ أُورُشَلِيمَ بِتَعْلِيمِكُمْ…” أعمال الرسل 5 : 28 . وحتى الذين تشتتوا، قيل عنهم إنهم: “جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ” أعمال الرسل 8 : 4 . وبدأت الكرازة تنتقل إلى المدن.
*وكتب في انتشار هذه الخدمة وقوتها: “وَأَمَّا الْكَنَائِسُ فِي جَمِيعِ الْيَهُودِيَّةِ وَالْجَلِيلِ وَالسَّامِرَةِ فَكَانَ لَهَا سَلاَمٌ وَكَانَتْ تُبْنَى وَتَسِيرُ فِي خَوْفِ الرَّبِّ وَبِتَعْزِيَةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ كَانَتْ تَتَكَاثَرُ” أعمال الرسل 9 : 31 .
*ومع قوة الكرازة، كانت تصحبها أيضًا قوة في الصلاة.
فقيل عنهم: “وَلَمَّا صَلَّوْا تَزَعْزَعَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهِ وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلاَمِ اللهِ بِمُجَاهَرَةٍ” أعمال الرسل 4 : 31 .
*وبسيامة استفانوس شماسًا، دخلت قوة أخرى إلى الكنيسة.
“كَانَ مَمْلُوًّا إِيمَانًا وَقُوَّةً” أعمال الرسل 6 : 8 ، إلى جوار أنه كباقي الشمامسة السبعة، كان مملوءًا “مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ” أعمال الرسل 6 : 3 . وقيل عنه إن واجه ثلاثة من المجامع يحاورهم: “وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُقَاوِمُوا الْحِكْمَةَ وَالرُّوحَ الَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ” أعمال الرسل 6 : 10 . “فَشَخَصَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الْجَالِسِينَ فِي الْمَجْمَعِ وَرَأَوْا وَجْهَهُ كَأَنَّهُ وَجْهُ مَلاَكٍ” أعمال الرسل 6 : 15 .
*وبإيمان بولس الرسول ودعوته، دخلت قوة كبرى إلى الكنيسة.
هذا الذي انتشرت خدمته في كل مكان، وشهد للرب في أورشليم وفي رومية أيضًا أعمال الرسل 23 : 11 . حسب وصية الرب له، وقال: “بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي” كورنثوس الأولى 15 : 10 .
كان القديس بولس مثالًا للخدمة القوية، كان شعلة متقدة لا تخمد، وحركة دائمة لا تهدأ، وغيرة عجيبة قال فيها: “مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟” كورنثوس الثانية 11 : 29 . ووصف بعضًا من خدمته فقال: “بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً… بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ. بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ. بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ. بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ. فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ. فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً. فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ. فِي أَصْوَامٍ مِرَارًا كَثِيرَةً. فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ. عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ: التَّرَاكُمُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ. الاِهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ” كورنثوس الثانية 11 : 26–28 .
ونحن نريد مثل هذه الخدمة القوية.
الخدمة التي تشعر بالمسئولية، وتبذل ذاتها لأجل الآخرين… وتكون قوية في التعبير والتأثير، مثلما قيل عن بولس الرسول أنه – وهو أسير: “بَيْنَمَا كَانَ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْبِرِّ وَالتَّعَفُّفِ وَالدَّيْنُونَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَكُونَ ارْتَعَبَ فِيلِكْسُ” الوالي أعمال الرسل 24 : 25 . كذلك لما تحدث أمام أغريباس الملك، قال له ذلك الملك: “بِقَلِيلٍ تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا” أعمال الرسل 26 : 28 .
*وفي قوة الخدمة نتحدث عن القديس أثناسيوس الرسولي.
الذي حفظ الإيمان ضد الأريوسية وكان – وهو شماس – بطلًا للإيمان في مجمع نيقية الذي حضره 318 من رؤساء الكنائس وممثليها، ومن أجل الإيمان نُفيَ عن كرسيه أربع مرات، فجال أثناءها مبشرًا ومعلمًا.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “قوة الخدمة”، نُشر بمجلة الكرازة 25 مايو 2001م.




