لاهـــوت المسيــــــــــــح

لاهـــوت المسيــــــــــــح
لما كانت عقيدة لاهوت المسيح تعتبر قاعدة الأساس في المسيحية، ولها هذه الأهمية الخطيرة والأثر المباشر في خلاص الإنسان، فقد كان لابد وأن تكون عقيدة قوية صلبة ثابتة ثبوت الله نفسه، الموحى بها والمعلن عنها، ومؤيدة بالكثير من الأدلة والبراهين الحاسمة، التي لا يتطرق إليها الشك، والتي يستطيع كل إنسان- غير مكابر- أن يستريح لها ويطمئن إليها اطمئنانًا كاملًا. وتتلخص أهم الأدلة الرئيسية في الآتي:
أولًا: نبوات الأنبياء عن لاهوت المسيح قبل مجيئه بمئات وألوف السنين.
ثانيًا: إعلان السيد المسيح عن لاهوته وتحقُق جميع النبوات في شخصه.
ثالثًا: شهادة الكتاب المقدس عن مركز المسيح الإلهي المرتفع فوق الملائكة والأنبياء والبشر أجمعين.
رابعًا: دلالة أسماء المسيح وألقابه الإلهية.
خامسًا: صفات المسيح هي صفات الله.
سادسًا: أعمال المسيح الإلهية بسلطانه الذاتي.
سابعًا: اعتراف الملائكة والشياطين بلاهوت المسيح.
ثامنًا: التكريم الإلهي الذي يُقدم للمسيح.
تاسعًا: شهادة التاريخ والاختبار الشخصي.
الـدلـيل الأول
نبوات الأنبياء عن لاهوت المسيح قبل مجيئه بقرون كثيرة
مقدمة: صَدق من قال إننا إذا غضضنا النظر عما جاء في الإنجيل، بل وعما ورد في العهد الجديد كله عن السيد المسيح، فإن شخصيته الإلهية تظل ساطعة كالشمس في العهد القديم، سواء في الإشارات بالرموز، أو في أقوال الأنبياء ونبوءاتهم الكثيرة العجيبة التفصيلية عنه، والتي سنذكر اثنى عشر مثالًا حالاً فيما يلي:
إن أي إنسان- مهما عظُم شأنه- لا يمكن معرفة تاريخ حياته وصفاته وأعماله قبل مولده، وإنما بعد ميلاده حتمًا. ومن المستحيل بداهة معرفة شيء من ذلك قبل ميلاده.
ولكن السيد المسيح له المجد هو الاستثناء الوحيد الفريد من هذه القاعدة. إذ أننا نستطيع أن نقرأ في نبؤات الأنبياء بالإجماع في العهد القديم، تاريخ حياته بأدق تفاصيلها: نطق بها الروح القدس على أفواههم، قبل مجيئه بمئات وألوف السنين.
فتحدثوا بروح النبوة عن ميلاده المعجزى من عذراء (أش7: 14، 9: 6). ومكان ميلاده (مي5: 2)، وزمانه (دانيال91: 24). والعلامات المصاحبة له كظهور النجم (عدد24: 17).
وإعداد يوحنا المعمدان الطريق أمامه (أشعياء40: 3)، (ملاخي 3: 1). وهدايا ملوك المجوس له (مز72: 10، 11).
ومذبحة هيرودس الملك لأطفال بيت لحم بقصد القضاء عليه (أرميا31: 15).
وتحركاته بين فلسطين ومصر (هوشع11: 2).
ثم اختياره تلاميذه، وتعليمه بالأمثال (مزمور78: 2).
ووصفه بالراعي الصالح وبالبر الأبدي وقدوس القدوسين (دانيال9: 24).
ونور العالم (أشعياء9: 2، 6: 1، مزمور84: 11، مزمور27: 1، وملاخي2:2).
ومشتهى جميع الأمم (حج 2: 7).
وابن الله الأبرع جمالًا من بني البشر (مز45، مز80: 15، أمثال30: 4، مز2: 7، أشعياء9: 6).
وابن الإنسان الذي يجلس على السحاب، وتتعبد له كل شعوب الأرض وملكوته لا يزول (دانيال7: 13- 15).
وبكلمة الله (مز107: 20).
والمشير العجيب والإله القدير (أشعياء9: 6).
وصانع الخلاص، وفادي البشر، وحمل الله الذي يرفع خطية العالم كما نقرأ عن هدوئه ووداعته وحنانه (أشعياء41: 1- 4).
وسلطانه ومعجزاته كـتفتيح عيون العمي، وشفاء آذان الصم، وجعل العرج والمشلولين يقفزون كالغزلان، وتترنم ألسنة الخُرس (أشعياء35).
وتمتع عبيد الخطية وأسرى الشيطان بالحرية على يديه وتعزية القلوب المنكسرة (أش61).
والقضاء لمساكين الشعب، وسجود الملوك له، ويكون اسمه إلى الدهر، وتمتلئ الأرض كلها من مجده (مزمور72).
تتناول النبوات وصف آلامه وخيانة يهوذا له مقابل ثلاثين من الفضة، ومحاكماته الظالمة وصمته التام أمام القضاء والحكام (أشعياء53). وجلده والاقتراع على ثيابه، والاستهزاء به، وصلبه وسط الأثمة واللصوص، وتقديم الخل له في عطشه، وتسجيل ثلاثة من كلماته السبع على الصليب حرفيًا، وطعنه بالحربة (مز68، 31، 22/ زكريا12: 10).
وموته حاملًا خطايا البشر، وإظلام الشمس في منتصف النهار عقب رفعه على الصليب، ودفنه في قبر إنسان غني، وقيامته من الموت في اليوم الثالث، وصعوده إلى السماء، وجلوسه على يمين الآب، ومجيئه الثاني على سُحب المجد لدينونة العالم… الخ
فهل يُعقل أن تنطبق هذه النبوات على إنسان كائن من كان!!!
وهل يمكن أن يهتم كل هذا الحشد من الأنبياء بالإجماع على التنبؤ أكثر من مائة نبوة عجيبة وفي فترات متفاوتة خلال ألف وخمسمائة عام قبل ميلاد المسيح، ويرجع تاريخها موضوعيًا إلى بدء الخليقة عن فادٍ ومُنقِذ للبشرية ويوصف بكمال الصفات كالعصمة والقداسة والقدرة المطلقة والخلق والحكمة والعدل، وإمكانية فداء العالم، والوجود الأزلي والأبدي في كل مكان… الخ.
ثم يكون هذا الشخص الموعود وموضوع هذه النبوات إنسانًا!! كلا طبعًا… وألف كلا، فإن أضعف الناس عقلًا يستطيع أن يدرك على الفور أن هذا الشخص الموعود به في النبوات هو الله نفسه ولا سواه، وأن الله إنما كان يقصد بحكمته إعداد وتهيأة أذهان البشر عبر الأجيال عن طريق الأنبياء ونبواتهم لاستقبال أعظم حدث في الوجود ألا وهو تجسده الإلهى ومجيئه إلى العالم لخلاص الإنسان من الخطية والشيطان والموت والجحيم الأبدي ورده إلى نعيم الفردوس الأول.
إن موضوع النبوات عظيم الأهمية، لأنه يبين أن عقيدتنا في المسيح ليست مستحدثه، وأنها لم تبدأ حتى بميلاده منذ 2000 سنة.
وأنها ليست مبنية على الاستنتاج، ولا على نظريات من صنع المسيحيين، أو اختراع رُسل المسيح كتبة الأناجيل! حتى قد يُقال عنهم إنهم ربما كانوا مخدوعين أو خادعين أو مبالغين. كلا.
وإنما كان معروفًا سابقًا قبل مجيء المسيح إلى العالم بآلاف السنين من هو المسيح أو من سيكون المسيح الذي سيأتي من السماء في ملء الزمان، في هيئة إنسان، ليفدي البشر، ثم يعود للسماء ثانية.
ولا شك أنه مما يقوي إيماننا جدًا، أن نتحقق أن قضية لاهوت المسيح ثابتة ومعروفة ومدونة في أسفار العهد القديم، من قبل أن يولد المسيح، ومن قبل أن يولد الرسل، أو يعرفوا شيئًا عن السيد المسيح…
وغني عن البيان أن الأنبياء ما كان يمكنهم أن يتحدثوا بكل هذه النبوات عن لاهوت المسيح، قبل مجيئه للعالم بآلاف السنين، وبدون أن يروه أو يسمعوه، ثم تتحقق جميع نبواتهم العجيبة بدقة مدهشة، لو لم يكن الله هو الذي أوحى إليهم، وأعلن لهم ذلك بالروح القدس.
وعلى ذلك يمكن القول بأن هذه النبوات التي تقطع بإثبات لاهوت المسيح، هي بذاتها التي تبرهن على صحة وصدق وحي الكتاب المقدس من الله، وعصمته من كل خطأ أو تغيير.
لأن البشر لا يعرفون الغيب والمستقبل، ولا يمكن أن يتفق أربعون نبيًا ورسولًا خلال 1600 سنة، ودون أن يرى أحدهم الآخر، على نبوات تتم وتتحقق حرفيًا، إلا إذا كان مصدرها هو الله تعالى.
وفي هذا الخصوص يقول بطرس الرسول: “له يشهد جميع الأنبياء، أن كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا”. (أع10: 43).
ويقول أيضًا في موضع آخر: “لأننا لم نتبع خرافات مصنعة إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه، بل قد كنا معاينين عظمته.
لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجدًا، إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأثمي: هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سررت به”. ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلًا من السماء إذ كنا معه في الجبل المقدس. وعندنا الكلمة النبوية وهي أثبت- وفي ترجمة أخرى: “وعندنا أثبت من ذلك وهو كلمات الأنبياء- التي تفعلون حسنًا أن انتبهتم إليها، كما إلى سراج منير في موضع مظلم… عالمين هذا أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص. لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” (2بط1: 16- 21).
فهنا نجد الرسول بطرس بعد أن يتحدث عن شهادة الشخصية، وما رآه بعينيه على جبل التجلي، يعود فيؤكد للمؤمنين أن هناك برهانًا وشهادة أعظم وأثبت من شهادته، وهي تبعث على الاطمئنان الكامل وتمحو كل شك، وهي شهادة الأنبياء في كلماتهم النبوية بالروح القدس عن لاهوت المسيح ومجده قبل مجيئه بقرون طويلة، ورغم عدم رؤيتهم أو اسماعهم له، ومع ذلك قد اتفقوا اتفاقًا كاملًا مع الرسل شهود الرؤية والعيان على لاهوته.
<hr size=2 width=”100%” align=center>
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الخامس) 30-1-1976م




