الصمت والكلام (3)

الصمت والكلام (3)
تكلمنا في العدد الماضي عن فوائد الصمت، وعن الكلام الجيد وشروطه. وذكرنا ستة شروط للكلام الجيد الذي نستطيع أن نربح الناس.
ونود اليوم أن نتابع حديثنا في موضوع:
كلمة الرب في أفواههم:
عندما كان أولاد الله يتكلمون، ما كانوا ينطقون بألفاظهم الشخصية، إنما كانوا يقولون كلمة الله التي يضعها في أفواههم.
وكانوا يصلون، ويطلبون صلوات الناس، ليعطيهم الرب كلمة يقولونها:
إن بولس الرسول يقول لأهل أفسس “مصلين بكل صلاة وطلبة، كل وقت في الروح، وساهرين لهذا بعينه بكل مواظبة وطلبة، لأجل جميع القديسين ولأجلي، لكي يعطى لي كلام عند إفتتاح فمي، لأعلم جهاراً بسر الإنجيل…” (أف 18:6 -20).
ويقول لأهل كولوسي “وأظبوا على الصلاة ساهرين فيها بالشكر، مصلين في ذلك لأجلنا نحن أيضًا، ليفتح الرب لنا باباً للكلام، لنتكلم بسر المسيح” (كو 2:4 -4).
ولأن الرسل كانوا ياخذون الكلمة من الله، لذلك كانت الكلمة تنمو. كما يقول الكتاب “وكانت كلمة الله تنمو” (أع 7:6) (أع 24:12) (أع 20:19). وكانوا يتكلمون بكلام الله بكل مجاهرة (أع 31:4) ما أجمل خبرة أرمياء النبي في ذلك إذ يقول:
“ومد الرب يده ولمس فمي. وقال الرب لي: ها قد جعلت كلامي في فمك” (أر 9:1).
ويشبه هذا أيضًا قول الرب لأشعياء النبي “روحي الذي عليك وكلامي الذي وضعته في فمك، لا يزول من فمك، ولا من فم نسلك، ولا من فم نسل نسلك، قال الرب من الآن وإلى الأبد (أش 21:59). وهكذا حدث لموسى النبي أيضًا، لما أعتذر بأنه ثقيل الفم واللسان. قال له الرب “إذهب، وأنا أكون مع فمك، وأعلمك ما تتكلم به” (خر 10:4 -16).
إن الله تكلم على أفواه موسى وأرميا وأشعياء وكان يضع الكلمات في أفواههم وهم ينطقون بها. لذلك قال بولس الرسول “المسيح المتكلم في” (2 كو 3:13). وقد قال السيد المسيح:
“لا تهتموا كيف أو بما تتكلمون، لأنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به. لأن لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم” (متى 19:10 -20) (مر11:13) (لو 11:12).
لذلك أسال نفسك في كل مرة تتكلم: هل أنت الذي تتكلم، أم روح الله الذي فيك. هل لو كان المسيح في مكانك، كان يقول هذا الكلام الذي تقوله الآن، وبهذه الطريقة واللهجة، وبهذا الصوت، وبنفس الشعور؟
إن كان الله هو المتكلم فيك، فلا يمكن أن تخطئ…
ولا يمكن أن تندم على كلمة قلتها. بل على العكس سيكون لكلامك نفع كبير.
أنظر، إن المسيح الذي هو كلمة الله، وحكمة الآب عندما تكلم، لم يتكلم من ذاته، إنما قال للآب
“قد أعطيتهم كلامك. الكلام الذي أعطيتني، قد أعطيتهم” (يو 17).
فهل تستطيع أنت أيضًا أن تقول للرب كلما تتكلم: “الكلام الذي أعطيتني قد أعطيتهم”؟ لا شك عندئذ أنك لن تخطئ.
إن أصحاب أيوب كانوا ملومين، لأنهم تكلموا من ذواتهم، حسب حكمتهم البشرية، ولم ينتظروا حتى يضع الرب كلمة في أفواههم. لذلك وبخهم النبي قائلا
“معزون متعبون كلكم” (أي 1:16 -4) “ليتكم تصمتون صمتًا، فيصير ذلك لكم حكمة” (أي 5:13).
أمثلة من الكلام الحكيم:
من أمثلة الكلام المشبع بالحكمة وبالإتضاع، وبربح الناس كلمات يعقوب لعيسو، وهو راجع من عند خاله لابان.
كان الله قد ظهر ليعقوب أكثر من مرة وباركه (تك 13:28 -15) وكان يعقوب قد سمع بركة أبيه التي قال فيها “ليستعبد لك شعوب وتسجد لك قبائل. كن سيداً لأخوتك، وليسجد لك بنو أمك (تك 28:27 -29). ومع كل ذلك نجده، على الرغم من هذه المواعيد. يقابل عيسو في أنسحاق شديد.
سجد له سبع مرات، هذا الذي قيل له “ويسجد لك بنو أمك وقال لعيسو “لأجد نعمة في عيني سيدي… تأخذ هديتي من يدي لأني رأيت وجهك كما يري وجه الله، فرضيت على” (تك 5:33 -10)
وقال له “سيدي”، بينما قيل له “كن سيداً لأخوتك”.
هذا الأنسحاق العجيب، وهذا الكلام المتضع، أذاب قلب عيسو القاسي، فوقع على عنقه وقبله، وبكيا…
إن يعقوب أنكر ذاته، ونسي كرامته وما ناله من بركة ومن مواعيد، وتكلم مع عيسو باتضاع، مع أنه قبل ذلك كان قد صارع مع الله وغلب (تك 24:32 -28).
أن كلام الأدب والأتضاع، يمكننا به أن نربح الناس. أما الكلام الشديد الجارح، فانه يسبب خسارة لكثيرين.
+ ومن أمثلة هذا الكلام الحكيم، مخاطبة بولس الرسول لأهل أثينا. لقد دخل المدينة، فاحتدت روحه فيه إذ رآها مملوءة أصناماً (أع 16:17). وعلى الرغم من ذلك:
لم يوبخ بولس الرسول أهل أثينا على أصنامهم الكثيرة، وإنما حاول أن يكسبهم بحكمة، وبكلام فيه مديح…
فقال لهم “أيها الرجال الأثينيون، أراكم من كل وجه كأنكم متدينون كثيراً. لأنني بينما كنت أجتاز وأنظر إلى معبوداتكم، وجدت أيضًا مذبحا مكتوبًا عليه: لإله مجهول. فالذي تتقونه وأنتم تجهلونه، هذا أنا أنادي لكم به” (أع 22:17 ،23).
لقد كان بولس يعرف كيف يكلم الناس، وكيف يربحهم.
وبهذا الأسلوب الحكيم أستطاعت أبيجابل أن توبخ داود، في رفق، وفي مديح، وفي أتضاع. فربحت نفسه للرب. وربحته.
لم تقل له كلمة توبيخ سافرة جارحة، مع أنه كان مزمعًا أن يقتل رجلها نابال، وينهب كل ماله (1 صم 22:25).
إنما “سجدت إلى الأرض، وسقطت على رجليه. وقالت: على أنا يا سيدي هذا الذنب. ودع أمتك تتكلم في أذنيك. واسمع كلام أمتك”. واعتذرت له، وهاجمت ما فعله نابال.
وقالت لداود في توبيخ مستتر بالمديح.
والآن يا سيدي، حي هو الرب وحية هي نفسك، أن الرب قد منعك من أتيان الدماء وانتقام يدك لنفسك…” فأشعرته أنه كان على وشك أن يسفك الدم وينتقم لنفسه…
ثم في أتضاع شديد، قدمت له العطايا التي طلبها من نابال، وأوشك على قتله بسبب عدم تقديمها، قائلة له:
والآن هذه البركة التي أتت بها جاريتك إلى سيدي، فلتعط للغلمان السائرين وراء سيدي” فلم تشعره أنها تقدم له وتعطيه وهو جائع، وإنما هي عطية لغلمانه وعبيده.
وفي كل ذلك تصر على عبارات “سيدي” “جاريتك، أمتك”… واستطردت “وأصفح عن ذنب أمتك. لأن الرب يصنع لسيدي بيتًا أمينًا، لأن سيدي يحارب حروب الرب، ولم يوجد فيك شر كل أيامك. وقد قام رجل ليطاردك ويطلب نفسك. ولكن نفس سيدي فلتكن محزومة في حزمة الحياة مع الرب إلهك وأما أنفس أعدائك، فليرم بها كما وسط كفة المقلاع”.
ووسط هذه المقدمات المملوءة أتضاعا، ومديحًا وتقديرًا، ودعاء طيبا، عادت فكررت تنبيهه إلى أخطائه في رفق وحب، فقالت:
ويكون عندما يصنع الرب لسيدي كل ما تكلم به من الخير من أجلك، ويقيمك رئيسًا على إسرائيل، أنه لا تكون لك هذه مصدمة ومعثرة قلب لسيدي، أنك قد سفكت دمًا عفواً، أو أن سيدي قد أنتقم لنفسه. وإذا أحسن الرب إلى سيدي، فاذكر أمتك” (1 صم 25)
لم تتملق داود أبدا. إنما مدحته بصدق، ووبخته في حب وفي رفق. ولم تشعره في التوبيخ بعداوة أو باحتقار، وإنما مزجت توبيخها بالتقدير والأجلال، وبالحنو والأشفاق، وبالأتضاع…
وهكذا قدمت لنا هذه المرأة الحكيمة مثالا رائعًا لطريقة الكلام والتعامل. وفاقت زوجها الذي رد على عبيد داود في كبرياء “من هو داود، ومن هو أبن يسى… أآخذ خبزي ومائى وذبيحي… وأعطيه لقوم لا أعلم من أين هم”…
واستطاعت هذه المرأة بحكمتها، أن تصلح خطأ زوجها، وأن تهدئ غضب داود، وأن تكسب الموقف كله، وتنال مديح داود الذي قال لها “مبارك الرب… الذي أرسلك اليوم لإستقبالي، ومبارك عقلك، ومباركة أنت، لأنك منعتني اليوم عن أتيان الدماء وأنتقام يدي لنفسي…”.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الخامس) 30-1-1976م




