من الأعماق صرخت إليك يا رب

نتأمل اليوم في أول مزامير النوم “من الأعماق صرخت إليك يا رب، يا رب استمع صوتي. إن كنت للآثام راصدًا يا رب، يا رب من يثبت؟! لأن من عندك المغفرة. من أجل اسمك صبرت لك يا رب. من محرس الصبح فلينتظر إسرائيل الرب. لأن الرحمة هي من عند الرب، وعظيم هو خلاصك” …
من الأعماق صرخت إليك يا رب1
+ من الأعماق:
كلمة ” من الأعماق” تعني معاني كثيرة أولها: من عمق القلب …
من عمق قلبي صرخت إليك يا رب، من عمق مشاعري، من عمق عواطفي. من عمق أعماقي، من داخلي، صرخت إليك يا رب. إنها ليست صلاة من الشفتين، أو صلاة سطحية إنها من العمق.
وكلمة “من الأعماق” قد تعني أيضا: من عمق الاحتياج..
أصرخ إليك يا رب من عمق احتياجي. أنا محتاج إليك. أنا عاجز عن أن أقود نفسي، وعاجز عن خلاصها. إرادتي منحلة، ورغبتي نحو الخير ضعيفة. صرخت إليك وأنا محتاج فعلًا إلى معونتك. بسبب عدم مقدرتي صرخت إليك، فاستمع صوتي.
وكلمة “من الأعماق” قد تعني أيضا: من عمق الخطية …
من عمق السقوط والضياع. أنا لست على حافة الخطية، وإنما في أعماقها، ومن هذه الأعماق صرخت إليك، فاستمع صوتي، أنا مثل غريق يصرخ بكل قوته نحو قارب نجاة، بكل احتياجه، وبكل عجزه، وبكل ضياعه.
وكلمة “من الأعماق” قد تعني أيضا: من عمق الإيمان …
أصرخ إليك وأنا واثق بك، مؤمن أنك قادر أن تخلصني. ومن عمق هذا الإيمان طلبتك. أنت الوحيد الذي تستطيع أن تنتشلني مما أنا فيه.
أنا الذي قيل عني في مزمور آخر “تأملت عن يميني وأبصرت، ولم يكن من يعرفني. ضاع المهرب مني وليس من يسأل عن نفسي. فصرخت إليك يا رب. وقلت: أنت هو رجائي وحظي في أرض الأحياء”(مز 141).
ليس لي منقذ غيرك. البحر أمامي، وفرعون خلفي، وأنا أصرخ إليك يا رب، فاستمع صوتي.
لا أقول أناديك أو أطلبك، وإنما أنا أصرخ إليك، والصراخ يدل على عظم الاحتياج وعظم العجز …
+ يا رب …:
نلاحظ هنا أنه يكرر عبارة “يا رب” عدة مرات:
“من الأعماق صرخت إليك يا رب، يا رب استمع صوتي. إن كنت للآثام راصداً يا رب، يا رب من يثبت”.
حقاً، إن “اسم الرب برج حصين يلجأ إليه الصديق ويتمنع”. وهكذا قال داود لجليات: “وأنا آتيك باسم رب القوات”. ما أجمل قول التسبحه: “اسمك حلو ومبارك، في أفواه قديسيك” اسم يلهجون فيه النهار والليل.
إن كلمة “رب” لها معان عميقة كثيرة في داخلي …
كلمة(رب) تعطيني فكرة عن القوة الجبارة التي تقدر على كل شيء. وتعطيني فكرة عن الحب العميق الذي عامل به الله كل أحد. وكلمة(رب) تعطيني فكرة عن العين الفاحصة التي ترى كل شيء …
وكلمة(رب) تذكرني بالملك العظيم الذي يملكني.
وهأنذا أصرخ الى هذه القوة، وأصرخ إلى هذا الحب، وأصرخ الى هذه العين التي ترى ذلي واحتياجي، وأصرخ الى هذا الملك لكي يحافظ على ملكيته لي، فلا يملكني العالم …
+ استمع صوتي:
من الأعماق صرخت إليك يا رب، يا رب استمع صوتي …
لأن هناك من يصرخون الى الرب، فلا يستمع إليهم، ولا تكن أذناه مصغيتين إلى صوت تضرعهم.
هو نفسه قال: “حين تبسطون أيديكم، أستر وجهي عنكم. وإن أكثرتم الصلاة، لا أسمع. أيديكم ملآنة دماً” (إش1).
وقال لإرمياء النبي: “لا تصل من أجل هذا الشعب، ولا ترفع من أجلهم طلبة، فإني لا أسمع لك”.
وأنا أيضا يا رب أخشى أنك لا تسمع لي، لأن يدي ملآنة دمًا. أخشى أن طلبتي لا تدخل إلى حضرتك …
لقد صليت ست مرات، ولم أبصر غيمة واحدة ولو مثل قبضة اليد، وأخشى أن تضيع صلاتي السابعة …
أنا عارف أن خطاياي، قد تقف حائلا بيني وبين رحمتك …
كثيرون “يطلبون ولا يستجابون لأنهم يطلبون ردياً”. ولكني واثق أن صلاتي وفق مشيئتك، لأني لا أطلب سوى المغفرة.
كل ما أطلبه هو أن اصطلح معك، وأن تغفر …
+ إليك صرخت:
إليك أنت الحنون الشفوق، الذي لم تصنع معنا حسب خطايانا، ولم تجازنا حسب آثامنا. وإنما مثل ارتفاع السماء على الأرض، قويت رحمتك على خائفيك. كبعد المغرب عن المشرق، أبعدت عنا معاصينا (مز 103).
إليك أنت الحنون الطيب، أقول يا رب استمع صوتي …
لأن كثيرين على الأرض لم يسمعوا لي، فاستمع أنت في سمائك.
لتكن اذناك مصغيتين الى صوت تضرعي، لئلا أقع في اليأس وقطع الرجاء. لا ترجعني مكسور الخاطر، مر النفس …
أنا أطلب الإصغاء، وليس مجرد السمع، لأنها مسألة تتعلق بمصيري كله ومستقبلي الأبدي. إنني لاجئ إليك يمسك بقرون المذبح طالباً رحمتك.
+ إن كنت للآثام راصداً يا رب …
إن أردت أن تحصي خطاياي، فلن أقدر أن أقف أمامك.
أمامك يُسَّدْ كل فم، ولا يستطيع أحد أن يدافع عن نفسه.
لا يتزكى قدامك أي حي. الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الرب. أعطني إذن فرصة لكي احاججك: إن كنت للآثام راصداً يا رب، يا رب من يثبت؟
أنا بالآثام حبل بي، وبالخطية اشتهتني أمي. في الخطايا ولدت بجملتي.
لست مستطيعاً أن أبرر ذاتي. إن رصدت على خطايا الفكر، أو خطايا اللسان أو الحس أو القلب، يا رب من يثبت؟! مخيف هو الوقوع في يديك. في مجيئك الثاني للدينونة ستذوب الجبال مثل الشمع، وترتعد الأرض … سيقولون للجبال أسقطي علينا، وللتلال غطينا. من يستطيع أن يثبت.
أما أنا فليس لي سوى قول العشار “رحمني يا رب فإني خاطئ”. أنا معترف بخطاياي، وقد جئتك من أجل المغفرة، فاستمع صوتي.
جئتك لأني سمعت عنك خبراً طيباً. سمعت أنك قلت للمرأة التي ضبطت في ذات الفعل:
“وأنا أيضا لا أدينك، اذهبي بسلام”. هذه العبارة تشجعني لأن أقول لك: “استمع صوتي”.
لأنك لم تأت لتدين العالم، بل لتخلص العالم، لتطلب وتخلص ما قد هلك.
+ صبرت لك يا رب:
“من أجل اسمك صبرت لك يا رب، صبرت نفسي لناموسك” من أجل اسمك الحنون الغفور المحب، أنا صبرت.
صبرت وقلت لنفسي: لابد أن يأتي الرب لإنقاذي في يوم ما.
إن لم يأت في أول النهار، سيأتي في وسطه، سيأتي في الساعة الحادية عشرة، وعلى الأكثر سيأتي في الهزيع الرابع من الليل. فصبرت لك يا رب. إنني أعرف أنك ستنقذ وتخلص. وأنا منتظر هذا الخلاص.
اسمعني تلك العبارة التي قلتها على فم المرتل في المزمور.
“من أجل شقاء المساكين وتنهد المساكين (البائسين؟)، الآن أقوم يقول الرب، أصنع الخلاص علانية”. نعم قم أيها الرب الإله.
قم وليتبدد جميع أعدائك، وليهرب من قدام وجهك كل مبغضي اسمك القدوس. استل سيفك أيها الجبار. استله وانجح واملك. قم حارب أعدائي وأعدائك، فإن “الحرب للرب، والله قادر أن يغلب بالكثير وبالقليل”. بالكثير الذي هو بر الأبرار وعزيمتهم وقوتهم وقداستهم، وبالقليل الذي هو أنا.
أنت قادر أن تغلب بالكثير وبالقليل، تغلب بعضلات شمشون الجبار، كما بمقلاع الطفل داود. تغلب بذكاء بولس الفيلسوف، كما بجهل وبساطة بطرس الصياد. تغلب بسيف يشوع وبعصا موسى.
من أجل اسمك صبرت لك يا رب. اسمك الذي هو عمانوئيل أي (الله معنا)، واسمك يسوع الذي معناه(مخلص).
صبرت لك كما صبرت العاقر سارة حتى ولدت إسحق. وأنت تشدو في أذنيها بأغنيتك الجميلة” ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد”(إش54).
أنا يا رب لن أيأس من خلاصك. لن أيأس من مجيئك في يوم ما، قافزاً على الجبال، وطافرا على التلال، ماشيًا على البحر على أجنحة الرياح، تصنع الخلاص علانية.
أنا أرقب مجيئك، وآخذ منه رجاءً لنفسي وتعزية لقلبي. أترك عندك يا رب أمر إرادتي المنحلة، ورغبتي الخاطئة، وضعفي وهزيمتي، وأفتكر في قوتك أنت. قوتك هي التي ستغلب.
لأني لن أحارب بإرادتي، إنما سأحارب بك أنت، بقوتك.
لذلك من أجل اسمك، صبرت لك يا رب. صبرت نفسي لناموسك، من محرس الصبح إلى الليل، من بدء حياتي إلى أن أغمض عيني في ليل لا ينتهي. صبرت لك فلا ترجعني فارغاً، لأني واثق بك.
شجعني على هذا الصبر محبتك ومواعيدك وماضيك معي.
إنني لن أعبأ بالشيطان. يثبط همتي “كثيرون يقولون لنفسي ليس له خلاص بإلهه”، “أما أنا فعلى رحمتك توكلت. تبتهج روحي بخلاصك.
“أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت، الرب معي فلا أخاف من ربوات الجموع المحيطين بي القائمين عليّ” (مز 3)
لأن الرحمة هي من عند الرب، وعظيم هو خلاصه.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث بمجلة الكرازة السنة السادسة – (العدد التاسع والعشرون) 18-7-1975م




