في الخدمة

في الخدمة[1]
لما تكلم الرسول عن المواهب المتنوعة المتعددة، جعل الخدمة في مقدمتها، لكي يظهر أهميتها، ولأنها مقدمة للمواهب الأخرى، كالتعليم والوعظ والعطاء… (رو12: 7).
وهكذا قال السيد الرب لتلاميذه: “مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا” (مت20: 26). وقال عن نفسه: “لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ” (مر10: 45). فإن كان – وهو سيد الكل – قد جاء ليَخدم عبيده، فماذا نقول نحن عن أنفسنا. بل هنا نتأمل أية كرامة تكون للخدمة، إن كان الرب نفسه، أخذ شكل العبد، وصار في الهيئة كإنسان (في2: 7) لكي يخدم البشرية…
وكما جاء المسيح ليخدم، وهب رسله أيضًا أن يكونوا خُدّامًا…
سواء من جهة الخدمة الروحية، أو الخدمة بكل نوع…
فمن الناحية الروحية، قالوا عن أنفسهم في مناسبة إقامة الشمامسة السبعة: “وَأَمَّا نَحْنُ فَنُواظِبُ عَلَى الصَّلاَةِ وَخِدْمَةِ الْكَلِمَةِ” (أع6: 4).
ويقول القديس بولس عن هذه الخدمة الروحية: “… وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ… نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ” (2كو5: 18، 20). ويقول لتلميذه تيموثاؤس: “اعْمَلْ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ. تَمِّمْ خِدْمَتَكَ” (2تي4: 5). وفي هذه الخدمة، قال عن كاروزنا القديس مرقس إنه “نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ”
(2تي4: 11).
أما من جهة الخدمة الأخرى، فيقول القديس بولس أيضًا: “أَنَّ حَاجَاتِي وَحَاجَاتِ الَّذِينَ مَعِي خَدَمَتْهَا هَاتَانِ الْيَدَانِ” (أع20: 34). ويمدح العبرانيين فيقول لهم: “لأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَالِمٍ حَتَّى يَنْسَى عَمَلَكُمْ وَتَعَبَ الْمَحَبَّةِ… إِذْ قَدْ خَدَمْتُمُ الْقِدِّيسِينَ وَتَخْدِمُونَهُمْ” (عب6: 10).
أهم شيء: أن الخادم تكون له روح الخدمة ومحبة الخدمة.
بحيث أنه يجد لذة في خدمة الآخرين، ويفرح بخدمتهم… وإن عرضت عليه خدمة، يشعر بقابلية لها في قلبه وبانجذاب نحوها.
إننا لا نريد الذين يخدمون، كما لو كانت الخدمة ثقلًا عليهم، أو هي مفروضة عليهم، بل الذين يخدمون بفرح. ويشعرون أنهم في الخدمة يأخذون أكثر مما يعطون…
يأخذون بهجة في قلوبهم، وبركة في حياتهم، أكثر مما يعطون مجهودًا في الخدمة…
وهكذا يكونون في كل حين، وفي كل مجال، ميّالين إلى الخدمة، يبحثون عنها. يسعون وراء كل من هو محتاج، لكي يقدموا له المعونة وما يسد احتياجه.
ومع محبة القلب لكل المحتاجين والاستعداد لإعانتهم، فقد يوجد تخصص في الخدمة… فهناك من يجد لذة في خدمة الأيتام بالذات، وإعطائهم بعضًا مما فقدوه من حنان الأبوة أو الأمومة. وهناك من يجد لذة في خدمة المرضى أو العجائز والمسنين، أو في خدمة أطفال الحضانة، أو المستورين، أو العائلات الفقيرة، أو الطلبة المغتربين، أو الفتيات المعرضات للضياع أو الانحراف.
ومحبة الخدمة تلازمه في بيته، وفي عمله، وفي كل مكان.
إن جلس إلى المائدة ليأكل، يطمئن على أن الجالسين معه لا ينقصهم شيء. فيحضر لهذا كوب ماء ويقرب من ذاك الملح أو الخبز… وإذا انتهى الطعام يساعد في ترتيب المائدة وحمل الأواني. ولا يتركها ثقلًا على الوالدة أو الأخت. كذلك إن قام من فراشه، يرتبه… وإن خلع ثيابه، لا يتركها مبعثرة هنا وهناك في انتظار من يجمعها ويضعها في الموضع المناسب.
لأن هناك من له خطأ مزدوج. فهو – من ناحية – لا يخدم غيره. ومن ناحية أخرى، يترك نفسه ثقلًا على الآخرين ليخدموه.
الخادم الحقيقي إنسان حساس من نحو احتياجات الآخرين.
لا ينتظر حتى يعرض الناس عليه مشاكلهم، ويتوسلوا إليه أن يعينهم، بل هو – من تلقاء نفسه – يدرس ويتأمل ما يحتاجون إليه، ويستنتج ما ينقصهم. ويدبّر لهم احتياجاتهم دون أن يطلبوا… يرى ما هو ناقص، ويكمله…
وهذا هو أيضًا عمل الراعي النشيط، وعمل رجل الكهنوت.
هذا الذي يدرس ما يحتاج إليه الناس، وينشئ ويدبر المشروعات والأنشطة التي تفي باحتياجات المخدومين روحيًا وماديًا، دون أن يطلبوا منه ذلك. بروح الأبوة، وبكل عطف، وفي حكمة وعمق.
وهكذا يفعل كل خادم ناجح، في مجال الخدمة في الكنيسة. وتكون له روح الخدمة الشاملة في كل مكان: في بيته، وفي مكان عمله، وفي محيط الأصدقاء والمعارف، ومع المحتاجين من كل نوع.
يشعر في داخله باحتياجات الآخرين، ويتكفل بها تلقائيًا.
وشرط أساسي في الخدمة، أن تتم في عمق الاتضاع.
إن آباءنا لم تكن لهم روح السيطرة في الخدمة، بل تواضع القلب. وفي الكهنوت كان كل من يُرسَم على كنيسة، يعتبر نفسه خادمًا لتلك الكنيسة. يخدم السرائر المقدسة، ويخدم الله، ويخدم الشعب.
القديس أوغسطينوس أسقف هِبو، لما صلى لأجل شعبه، قال: “أطلب إليك يا رب من أجل سادتي عبيدك”. فاعتبر أن أفراد ذلك الشعب الذين أقامه الله أسقفًا عليهم، هم سادته، وهو خادم لهم…
ولم تكن كلمة (خادم) مجرد لقب، وإنما حقيقة عمله. وكان الآباء يتعبون في هذه الخدمة إلى آخر نسمة: “بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً… فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ… فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ… فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ. فِي أَسْهَارٍ… فِي أَصْوَامٍ” (2كو11: 26، 27). “يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا” (عب13: 17).
كانوا مثل الشموع التي تذوب، لكي تعطي نورًا للآخرين.
ما أجمل قول الشيخ الروحاني في الخدمة الممزوجة بالاتضاع: “كل موضع مضيت إليه، كن فيه صغير إخوتك وخديمهم”.
إن نزعة العظمة ليست دليلًا على القوة، بل هي حرب من عدو الخير.
أما القوي فهو الذي يدرب نفسه على أن يكون خادمًا.
*القديس الأنبا صرابامون أبو طرحة، كان وهو أسقف يحمل الطعام إلى بيوت الفقراء، في الليل في الخفاء ويقرع أبوابهم. ويترك ما يحمله أمام الباب ويمضي، وهو سعيد بخدمته.
*والقديس الأنبا موسى الأسود: كان يحمل الماء إلى قلالي الرهبان.
*والقديس بفنوتيوس: كان يدرب ذاته على أن يقوم في الدير بالخدمات الحقيرة التي لا يُقبِل عليها الكثيرون: مثل تنظيف دورات المياه، وكنس الدير، وحمل القاذورات خارجًا، وسائر عمليات التنظيف.
والآباء كانوا يقومون بهذه الخدمات في فرح، بلا تذمر.
بل كانوا يتطوعون لهذه الخدمة، دون أن يطلبها منهم أحد… وكانوا يقومون بها بكل تواضع قلب، سعداء بخدمة إخوتهم.
*قديس يرى رجلًا مجذومًا، فيحمله ويخدمه، وينفق عليه لمدة ثلاثة أشهر، لكي ينال بركة خدمته.
*وما أكثر الآباء الذين – بصبرٍ كثيرٍ – فرَغوا أنفسهم فترات طويلة لخدمة المرضى، أو لخدمة الشيوخ، كما فعل القديس “يوحنا القصير” مع أبيه الروحي الشيخ الأنبا بموا، في احتمال عجيب، حتى تنيح بسلام، ونال هو بركته. وقال عنه الأنبا بموا: “هذا ملاك، لا إنسان”.
*وكان الآباء إذا رأوا أخًا في الدير مرهقًا في عمل، يمدون أيديهم في محبة، ليحملوا العبء عنه، كما قال الرب: “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت11: 28).
هناك نوع آخر من الخدمة، في إصلاح أخطاء الآخرين.
كثيرون منا ينتقدون الآخرين. وقليلون هم الذين يعملون على إصلاحهم في وداعة ولطف… النقد سهل يستطيعه كل أحد. ولكن إصلاح أولئك المخطئين هو العمل الروحي المملوء بالمحبة العملية، النافع للملكوت، لأنه: “لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى” (مت9: 12)، (مر2: 17)، (لو5: 31).
سهل على خادم في التربية الكنسية، أن يطرد تلميذًا شاذًا من فصله. بينما المطلوب هو إصلاحه. ولا شك أنها خدمة عميقة ولازمة، أن يتفرغ البعض لخدمة الأطفال والطلبة الشواذ، وما أعمق أن يقوم البعض بخدمة المعوّقين عقليًا وجسديًا.
وما أعمق أجر مثل هذه الخدمة عند الله، بسبب صعوبتها.
ما أجمل أن تخدم الأماكن التي لا يوجد فيها اسم المسيح على الإطلاق، كما قال القديس بولس الرسول (رو15: 20). أو أن تخدم الذين يسخرون من الدين والتدين! أو الذين لم يدخلوا الكنيسة من قبل، ولا يريدون!
غالبية الخدام يبحثون عن الخدمة السهلة الجاهزة، وأن يدخلوا على ما لم يتعبوا فيه، ويبنوا على أساس وضعه آخر.
أما المجاهدون الكبار، فهم الذين يتعبون في تأسيس خدمات غير موجودة. ولا مانع من أن يدخل خدام آخرون على تعبهم. فهكذا فعل السيد المسيح له المجد، حينما قال لتلاميذه: “أَنَا أَرْسَلْتُكُمْ لِتَحْصُدُوا مَا لَمْ تَتْعَبُوا فِيهِ. آخَرُونَ تَعِبُوا وَأَنْتُمْ قَدْ دَخَلْتُمْ عَلَى تَعَبِهِمْ” (يو4: 38).
قال الرب: “الْحَصَادُ كَثِيرٌ وَلَكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ” (مت9: 37، 38). وفي كل مكان نلمس هذا الاحتياج.
ولكن العجيب، هو أنه على الرغم من احتياج الخدمة، نجد خدامًا يتشاجرون ويتنافسون في مكان الخدمة، تاركين ميادين عديدة غير مخدومة!!
في تشاجرهم وتنافسهم، لا يقدمون مثالًا عن روحانية الخدام. بل يكونون عثرة. إذ يفقدون روح المحبة وإنكار الذات. وفي نفس الوقت توجد ميادين عديدة يمكن أن تستوعب كل طاقة مستعدة للخدمة.
ومع ذلك فهم يتجاهلون تلك الميادين المحتاجة، بسبب محبتهم لمكان أو وضع بالذات، دون محبة للنفس البشرية أيًا كان موضعها!!
إننا لو أحببنا النفوس المحتاجة في كل مكان، ما تنافسنا مطلقًا على خدمة. فالميادين واسعة، والخدمة بذل لا تنافس. الذي يتنافس في الخدمة، إنما تهمّه ذاته وليس الخدمة، فإن كانت الخدمة تشغل قلبه، فإنه يعمل على نجاحها بأية الطرق، وعلى يد أي شخص غيره، فالمهم هو نجاح الخدمة.
والذي يحب الخدمة، لا يشكو إن ثقلت أعباؤها عليه.
بل هو على العكس يفرح بنمو الخدمة، ويجد لذة في أن يحمل أثقال الناس، كما حمل المسيح أثقال العالم كله.
ولذلك فإن هذا الخادم لا يرفض أية خدمة تعرض عليه، مهما كان في تعب… ولا يفضل خدمة على أخرى. فيقبل هذه ويرفض تلك!
لأنه هنا يبدو المزاج الخاص، وليس الاهتمام باحتياج الآخرين!
إن الخدمة تتسع للجميع. كل من يريد، يجد مجالًا…
*يمكن أن نجد في الخدمة مجالًا للأشخاص الفاضلين الذين “يُحالون إلى المعاش” مستفيدين من وقت الفراغ الذي لهم، ومن وقار السن، ومن خبرة الحياة، ومن مواهبهم ومقدراتهم المتعددة.
كما أن الخدمة تعطيهم حيوية ونشاطًا، وتشعرهم بأن رسالتهم في الحياة لم تنته، وأن الكنيسة والمجتمع لا يستغنيان عنهم.
فالخدمة تستفيد منهم، وهم أيضًا يستفيدون منها.
*كذلك توجد مجالات واسعة لخدمة النساء في الكنيسة.
سواء في مدارس الأحد، أو خدمة الشابات، أو الخدمة الاجتماعية، أو الاشراف على نظافة الكنيسة، وتنظيم النساء فيها…
والمرأة يمكن أن تتكرس للخدمة، وتعمل عمل الشمامسة.
وفي هذا المجال يمكن أن تشرف على خدمات معينة: مثل دور الحضانة، وخدمة المشاغل، وترتيب النساء في التناول، وفي أثناء العماد.
كما تخدم المرأة في افتقاد العائلات، وفي زيارة المرضى، وفي الإشراف على بيوت الطالبات المغتربات.
حقًا، كما قال الرب: “فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ” (يو14: 2).
ليس فقط في الأبدية، وإنما على الأرض أيضًا: يوجد منزل وتوجد منزلة، لكل أحد، في بيت الله.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “المقال الثاني عشر (سلسلة رو12) – في الخدمة “، وطني 2 أغسطس 1998م.




