خطوات إلى الله – الضمير ومدى صلاحيته

خطوات إلى الله
كلمتكم عن خطوات كثيرة في الطريق إلى الله. واليوم أريد أن أكلمكم عن الضمير ومدى صلاحيته وتأثير ذلك على الحياة الروحية.
الضمير ومدى صلاحيته1
الضمير ليس صوت الله في الإنسان. لأن الضمير يمكن أن يخطئ، وأن ينحرف، وصوت الله لا يمكن أن يخطئ.
الضمير داخل الإنسان كالعقل والروح، فالعقل يمكن أن يخطئ، وكذلك الروح وكذلك الضمير.
وتوجد أمثلة كثيرة تُظهر إمكانية خطأ الضمير وانحرافه.
قال السيد المسيح لتلاميذه: “تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً ِللهِ”! (يو16: 2)، ولا شك أن الضمائر التي تظن قتل الرسل خدمة لله، هي ضمائر منحرفة.
بنفس الوضع عُبَاد الأوثان، الذين كانوا يظنون قتل المسيحيين تطهيرًا للأرض من كفرهم. ضمائرهم أيضًا كانت ضالة.
مثال ذلك أيضًا: أهل الجاهلية الذين وقعوا في وأد البنات، وأيضًا الناس الذين يوزعون السجائر في الجنازات على ضيوفهم، وضميرهم يتعبهم إذا لم يقدموها!! وكذلك أيضًا الذين يستخدمون الميكرفونات بطريقة تتعب الناس، وتؤذي المريض، وتعطل الطالب عن مذاكرته، وتزعج النائم المحتاج إلى راحة…
إن الضمير قاضي يحب الخير، ولكنه ليس معصومًا من الخطأ. كما أن الخير يختلف مفهومه عند كثيرين. والضمير أيضًا يقع تحت تأثيرات كثيرة، نذكر في مقدمتها:
المعرفة تؤثر على الضمير.
المعرفة السليمة تجعل الضمير يستنير بالفهم، لأنه ما أكثر الذين يخطئون عن جهل، وإذا عرفوا يمتنعون عن الخطأ.
شاول الطرسوسي كان أحد الأتقياء الذين أخطأوا عن جهل… ولذلك نراه يقول: “أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا لأَنْ أُدْعَى رَسُولًا، لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ” (1كو9:15)، “وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْل” (1تي1: 13). ولكن الجهل لا يمنع من أن الخطية خطية.
ونحن نصلي في الثلاثة تقديسات ونطلب من الله أن يصفح لنا عن خطايانا التي فعلناها بمعرفة، والتي فعلناها بغير معرفة، وفي العهد القديم كان الذي يفعل خطية سهوًا (بجهل): إذا أعلموه بها، يقدم عنها ذبيحة لإثمه لتغفر له (لا4).
ما أعمق قول الرب: “هَلَكَ شَعْبِي مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ” (هو4: 6).
لهذا أرسل الرَّب الأنبياء والرسل والمعلمين والكهنة والمرشدين، لكي يعرّفوا الناس طريقه، لأن ضمائرهم لم تعد كافية لإرشادهم، أو لأن ضمائرهم قادتهم في طرق خاطئة.
والكتاب المقدس أيضًا، هو لإنارة الضمير، ولهذا قال داود: “لو لم تكن شريعتك هي تلاوتي، لهلكت حينئذ في مذلتي” (مز119: 92).
ولأن ضمير الإنسان قد لا يكون كافيًا لإرشاده الروحي، أوجد الله آباء الاعتراف، المرشدين الروحيين، لأنه “تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةً وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ” (أم16: 25).
كما أن الشيطان قد يحاول أن يتدخل لكي يرشد الإنسان إلى طريق منحرف، كما فعل مع أمنا حواء في القديم.
المعرفة إذًا تؤثر في الضمير، صالحة كانت أم خاطئة.
المعارف الخاطئة يمكن أن تقود الضمير أيضًا. ألم تكن الفلسفة الأبيقورية المبنية على اللذة تقود ضمائر تابعيها؟ وكذلك الفلسفات الإلحادية، ألم تؤثر على ضمائر مَن اعتنقها، وتحرفه عن طريق الإيمان كله وتؤثر على سلوكه؟
الذين يعترفون بخطاياهم تأثرت ضمائرهم بالإيمان السليم الذي تعلموه. والذين يرفضون الاعتراف من الشيع البروتستانتية تأثروا هم أيضًا بالمعرفة التي تلقنوها ضد الاعتراف.
هناك معلّمون يدعون تلاميذهم إلى الجدية الكاملة، وعدم الضحك إطلاقًا، لأنه “.. بِكَآبَةِ الْوَجْهِ يُصْلَحُ الْقَلْبُ” (جا7: 3). ومعلمون آخرون يدعون تلاميذهم إلى البشاشة وحياة الفرح، لأنه “.. لِلْبُكَاءِ وَقْتٌ وَلِلضَّحْكِ وَقْتٌ” (جا3: 4). وحسب نوع المعرفة، يتأثر الضمير…
هناك مَن يقولون إن تحديد النسل خاطئ، فيتعب ضمير من يحدد نسله. وآخرون يقولون إنه محلل، فيستريح الضمير بذلك…
لكل هذا، ينبغي وجود وحدة في التعليم في الكنيسة، حتى لا تتبلبل ضمائر الناس بما تسمعه من تعاليم متناقضة…
ولهذا قام التعليم في الكنيسة على التسليم، لكي يحتفظ التعليم بنقاوته، وليحتفظ بوحدته. فقال بولس الرسول: “تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا..” (1كو11: 23) وقال لتلميذه تيموثاوس: “وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ..” (2تي2:2).
المعرفة تقود الضمير، لذلك اشترط في الأسقف أن يكون صالحًا للتعليم (1تي2:3)، ولذلك أيضًا وبخ السيد المسيح الكتبة والفريسيين لأن تعليمهم كان يضلل ضمائر الناس. ولهذا أيضًا تكلم الكتاب عن “معلمين كذبة” وقال لإسرائيل: “.. مُرْشِدُوكَ مُضِلُّونَ..” (إش3: 12).
إن ضمائر الناس تتأثر بمعرفة ما هو الخير والشر، وتتأثر أيضًا – من جهة الإيمان – بالمعلومات العقائدية.
وربما تكون المعرفة من الكتب، والنبذات، أو من الاجتماعات. ولهذا يحسن أن يدقق الشخص في الكتب التي يطّلع عليها، وفي نوعية الاجتماعات التي يحضرها…
تأثر الضمير بالجماعة…
في وسط الجماعة يتأثر الإنسان بالانفعال وبضمير الجماعة. وقد يقترف أمرًا، إذا خلا إلى نفسه، يوبخه ضميره عليه.
مثل شاب يندفع وسط مظاهرة يهتف ويخرّب. فإذا قُبض عليه وأُلقيَ في السجن، فإنه وهو وحده في هدوء السجن، يفكر بطريقة أخرى غير هتافه وسط الجماعة. وأيضًا قد يعبث شاب ويلهو وسط جماعة من أصدقائه، دون أن يصحو ضميره أو يوبّخه. فإن خلا إلى نفسه، وبّخه.
في وسط الجماعة صاحت جموع اليهود: “اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!” (لو23: 21)، مخالفين ضمائرهم، أو انسياقًا دون دراية بخطورة ما يفعلون.
ولذلك قال الرَّب على الصليب: “يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ” (لو23: 34)، لأن ضميرهم تُعطّله دوامة الجماعة.
وفي وسط الجماعة، قد تقود الضمير الشائعات والإثارات. وقد يصدق ما يقولون ويتصرف متأثرًا بما سمعه.
إن مريم المجدلية مثال واضح لتأثير الجماعة على الضمير.
لقد رأت المسيح، وأمسكت بقدميه، وسجدت له (مت 28) وسمعت منه قوله: “اِذْهَبَا قُولاَ لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي” (مت28: 10).
ومع ذلك لما اندمجت وسط الجماعة، وسمعت الشائعات التي نشرها الكهنة عن سرقة الجسد المقدس، ذهبت إلى بطرس ويوحنا وقالت لهما: “أَخَذُوا سَيِّدِي، وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ!”، وقالت نفس الكلام للملاك (يو20).
الضمير قد يتشجع إذا أثرت عليه جماعة صالحة، وقادته إلى الخير. ولكنه قد يتراخى وينام في وسط جماعة منحلة، أو قد تتغير مبادؤه، ويحكم على الأمور حكمًا مختلفًا. وهذا ما نلاحظه في بعض مَن يتركون بلادهم لمدة طويلة…
ولهذا فإننا نرى ضمائر السواح والمتوحدين، تختلف اختلافًا كبيرًا عن ضمائر العلمانيين، في حساسيتها، وأحكامها، واستنارتها، بل قد تختلف عن ضمائر كثير من رهبان المجامع…
على أن هناك ضمائر قوية، قد لا يطغى عليها تيار المجتمع، وإنما هي التي تؤثر فيه. مثال ذلك الأنبياء والمصلحون…
إنهم لم يتأثروا بفساد جيلهم، بل تولوا قيادته، وغيّروه إلى أفضل. ولكن ليس كل إنسان أقوى من الجماعة…
هؤلاء الأقوياء يتصفون بالصلابة والصمود وعدم الانقياد. إنهم يُذكّرونني بالجنادل الستة التي اعترضت مجرى النيل، ولم تؤثر فيها كل تياراته ومياهه وأمواجه مدى آلاف السنين…
الضمير يتأثر بالقادة
الضمير أيضًا يتأثر بالقادة والمرشدين والمعلمين والمشهورين والآباء.
وكثيرًا ما نجد إنسانًا صورة طبق الأصل من أبيه الروحي أو الجسدي، في أسلوبه، في أفكاره، في طباعه، بل حتى في حركاته. يعتنق كل مبادئه، ويتأثر بها ضميره، وتصير جزءًا من طبعه، وبخاصة بالنسبة إلى المبتدئين، والذين في فترة تكوين مثالياتهم.
ولكني أعرف إنسانًا قديسًا، وقف ضد هذا التيار…
إنه بولس الرسول، الذي وقف ضد بطرس الرسول أحد الثلاثة المعتبرين أعمدة في الكنيسة (بطرس ويعقوب ويوحنا). وأحد الذين وضعوا عليه اليد وأرسلوه للخدمة (أع13: 3). ومع ذلك لما تصرف القديس بطرس تصرفًا يلام عليه، قال القديس بولس: “قَاوَمْتُهُ مُواجَهَةً، لأَنَّهُ كَانَ مَلُومًا” (غلا2: 11). وقال له: “إِنْ كُنْتَ وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ تَعِيشُ أُمَمِيًّا لاَ يَهُودِيًّا، فَلِمَاذَا تُلْزِمُ الأُمَمَ أَنْ يَتَهَوَّدُوا؟” (غلا2: 14).
هذا هو تصرف الضمير صاحب المبادئ، الراسخ في معرفته للحق والخير، الذي لا تغير موازينه تصرفات الناس الكبار…
الضمير تؤثر عليه الرغبات
الرغبات والعواطف، حبًا كانت أم كرهًا، تؤثر على الضمير في أحكامه وفي سلوكه، إذ يندر أن يوجد مَن يحكم في شيء حكمًا مجردًا تمامًا عن الرغبات وعن العواطف.
يقع إنسان في مشكلة، يرى أنها لا تُحل إلا بالكذب، فتراه يسمي الكذب ذكاءً أو دهاءً، وإن أدان تصرفه، فإنه يخفف حكمه عليه جدًا، ويلتمس له ألف عذر، ولا يشتد بنفس الشدة التي يحكم بها على تصرفات الآخرين. وقد يسمي البعض الكذب “بالكذب الأبيض”، أو يسميه مزاحًا.
وقد يحب إنسانًا، فيدافع عن كل تصرفاته، مهما كانت خاطئة، دون أن يتعبه ضميره! بل قد يتعبه ضميره إن لم يدافع! ويسمّي هذا الدفاع الخاطئ لونًا من الوفاء أو الواجب. وربما يدعو غيره أن يسلك مسلكه، ويتكلم بحماس شديد وانفعال، يتعطل معهما عمل الضمير، وينسى قول الكتاب: “مُبَرِّئُ الْمُذْنِبَ وَمُذَنِّبُ الْبَرِيءَ كِلاَهُمَا مَكْرَهَةُ الرَّبِّ” (أم15:17).
إن الذي يبرّئ المذنب، هو إنسان ضد الحق، وضد العدل. ولا يستطيع أن يعتذر عن هذا، بالعطف أو الرحمة، إذ يمكنه أن يعترف بأن هناك ذنبًا، ثم يطلب لهذا الذنب العطف والرحمة أما تبرئة الذنب، فهي اختلال في الضمير…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد السادس الثلاثون 8-9-1978م




