العمل الفردي

العمل الفردي[1]
لعله من أروع الأمثلة على أهمية العمل الفردي في الخدمة:
أن الله نفسه – على الرغم من رعايته للعالم كله – اهتم بالعمل الفردي.
في العهد القديم
الله يرسل ملاكه إلى الجب الذي أُلقيَ فيه دانيال. لكي يسد أفواه الأسود فلا تؤذيه دانيال 6 : 22 ، وكذلك يسير مع الثلاثة فتية في آتون النار، فلا تكون للنار قوة لإحراقهم دانيال 3 : 25–30 .
ويفتقد إيليا، وهو خائف وهارب من الملكة إيزابل، ويسأل عنه قائلًا له: “بصَوْتٌ مُنْخَفِضٌ خَفِيفٌ.. مَا لَكَ هَهُنَا يَا إِيلِيَّا؟” الملوك الأول 19 : 13 ، وكذلك يظهر ليعقوب وهو خائف وهارب من وجه أخيه عيسو، لكيما يعزي قلبه بكلمات المحبة والمعونة قائلًا له: “هَا أَنَا مَعَكَ وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ وَأَرُدُّكَ إِلَى هَذِهِ الأَرْضِ” تكوين 28 : 15 ، وبنفس العمل الفردي قام الرب بعملية إنقاذ، لكي ينجي سارة من الملك أبيمالك، وظهر له في حلم وأخبره وأنذره، وقال له: “أَنَا أَيْضًا أَمْسَكْتُكَ عَنْ أَنْ تُخْطِئَ إِلَيَّ لِذَلِكَ لَمْ أَدَعْكَ تَمَسُّهَا” تكوين 20 : 6 .
وكما كان للرب عمل فردي مع كل من هؤلاء لإنقاذه، أو منحه السلام. أو لإنقاذ الغير منه، كذلك كان للرب عمل فردي في دعوة البعض إلى خدمته.
فهكذا دعا الله أبانا أبرام أبا الآباء والأنبياء، ليذهب إلى الجبل الذي يريه إياه، وباركه وجعله بركة. وقال له أيضًا: “وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ” تكوين 12 : 3 .
ودعا الرب موسى من وسط العليقة المشتعلة بالنار ولما اعتذر عن ذلك بأنه ثقيل الفم واللسان وليس صاحب كلام، منحه أخاه هرون لكي يكون له فمًا وقال له: “تُكَلِّمُهُ وَتَضَعُ الْكَلِمَاتِ فِي فَمِهِ وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَمَعَ فَمِهِ وَأُعْلِمُكُمَا مَاذَا تَصْنَعَانِ” الخروج 3 : 4 ، الخروج 4 : 15 .
ودعا الرب إرميا أيضًا، ولما اعتذر بأنه صغير السن، قال له: “هَئَنَذَا قَدْ جَعَلْتُكَ الْيَوْمَ مَدِينَةً حَصِينَةً وَعَمُودَ حَدِيدٍ وَأَسْوَارَ نُحَاسٍ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ… فَيُحَارِبُونَكَ وَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ لأَنِّي أَنَا مَعَكَ يَقُولُ الرَّبُّ لأُنْقِذَكَ” إرميا 1 : 18–19 .
ودعا الرب سائر الأنبياء، وكان معهم. وكان له عمل فردي مع كل منهم.
وفي قصة يونان النبي، كان للرب عمل فردي معه، ومع أهل السفينة وعمل فردي آخر مع مدينة نينوى.
وهكذا في تلك القصة، كان العمل الفردي مع يونان هو قيادته إلى الطاعة وإنقاذه من جوف الحوت، وإقناعه وتخليصه من فمّه.
وكان عمله مع أهل السفينة، لقيادتهم إلى الإيمان، وتقديم ذبيحة له… وعمله مع أهل نينوى هو لقيادتهم إلى التوبة والانسحاق، والإيمان به أيضًا، باعتبارهم من الأمم… وهنا نلاحظ ملاحظة هامة وهي:
عمل الله مع مدينة نينوى يعتبر عملًا فرديًا، إذا قيست بكل ما في العالم من مدن. ونفس الوضع يعتبر عمل الله مع شعب إسرائيل في العهد القديم:
من جهة قيادته لهذا الشعب، وإرسال الأنبياء والشريعة والعهود له، وكذلك ما أجراه معه من الآيات، وما أوقعه عليه من العقوبات… إنه مجرد شعب واحد، إذا قيس بالشعوب العديدة في العالم كله. لا شك أن عمل الله معه، يعتبر بوجه المقارنة عملًا فرديًا.
والأمثلة عن العمل الفردي في العهد القديم عديدة جدًا، من الصعب إيرادها الآن.
ننتقل إلى نقطة أخرى وهي:
العمل الفردي للسيد المسيح.
كانت للسيد المسيح رسالة وسط الجموع والآلاف العديدة من الناس، مثلما حدث في معجزة الخمس خبزات والسمكتين، حيث كان الرجال فقط خمسة آلاف غير النساء والأطفال متى 14 : 21 ، وقد قيل في أكثر من موضع أن الجموع كانت تزحمه لوقا 8 : 42–45 ، مرقس 5 : 24–31 ). وحدث مثل ذلك أيضًا في قصة شفاء المفلوج الذي حمله أربعة مرقس 2 : 2–4 .
وعلى الرغم من كل ذلك. كان للسيد المسيح عمل فردي إذ لم يشأ أن يضيع الفرد في زحمة المجموع.
ومثالنا عمله مع زكا العشار:
كان الجمع يزحم السيد المسيح. ولم يقدر زكا أن يراه بسبب الجمع، فصعد إلى جميزة، ووسط كل تلك الجموع والزحام، وقف السيد ونادى زكا باسمه، ودخل بيته و”حَصَلَ خَلاَصٌ لِهَذَا الْبَيْتِ إِذْ هُوَ أَيْضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ” لوقا 19 : 9 . وتاب زكا، واعترف بأخطائه، ورد ما قد ظلم فيه الغير أربعة أضعاف.
كذلك كان للسيد المسيح عمل فردي مع نيقوديموس. قابله نيقوديموس ليلًا، وحدثه المسيح عن الميلاد من الماء والروح وعن ابن الإنسان الذي هو في السماء، وعن الخلاص يوحنا 3 : 1–21 ، وأثمر هذا اللقاء فآمن نيقوديموس، بل إنه اشترك مع يوسف الرامي في تكفين جسد المسيح يوحنا 19 : 38–40 ، ويذكر التاريخ أنه فيما بعد صار أسقفًا…
وكان للسيد أيضًا عمل فردي مع المرأة السامرية قابلها عند البئر، وتحدث معها عن الماء الحي، وعن السجود لله بالروح والحق، وقادها إلى الاعتراف والتوبة وإلى الإيمان به. وقد تعجب التلاميذ من أنه كان يتكلم مع امرأة يوحنا 4 : 27 . ولكن حديثه معها كان له ثمره، ليس فقط في حياتها الخاصة في إيمانها وتوبتها، بل أكثر من هذا أنها ذهبت لتبشر أهل السامرة، بأن هذا هو المسيح يوحنا 4 : 28–30 .
والإصحاح 15 من إنجيل لوقا، كله عن أعمال فردية لأجل التوبة.
سواء عن الخروف الضال، الذي ذهب الراعي الصالح ليبحث عنه تاركًا التسعة والتسعين، حتى وجده وحمله على منكبيه فرحًا، أو البحث عن الدرهم المفقود، أو الفرح برجوع الابن الضال وإقامة وليمة له، أو العمل الفردي لإقناع أخيه الكبير الذي كان ساخطًا على الفرح برجوعه.
ومن الأعمال الفردية أيضًا التي لها دلالتها:
عمل السيد المسيح مع مرثا، حيث قال لها: “أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ. وَلَكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ” لوقا 10 : 41–42 . وكذلك عمله مع المولود أعمى، بعد شفائه له، وقد طرده اليهود خارج المجمع. فظهر له الرب، ودعاه إلى الإيمان به، وأعلن له أنه ابن الله. فقال الرجل: “أُومِنُ يَا سَيِّدُ». وَسَجَدَ لَهُ” يوحنا 9 : 38 .
كذلك حديثه مع نَثَنَائِيلَ: لما قال له: “قَبْلَ أَنْ دَعَاكَ فِيلُبُّسُ وَأَنْتَ تَحْتَ التِّينَةِ رَأَيْتُكَ”، فآمن نثنائيل وقال له: “يَا مُعَلِّمُ أَنْتَ ابْنُ اللَّهِ!” يوحنا 1 : 48–49 . وما أكثر الأعمال الفردية التي قام بها السيد المسيح، سواء مع تلاميذه الاثني عشر، أو مع بطرس ويعقوب ويوحنا، أو حتى في قصة التجلي مع موسى وإيليا مرقس 9 : 2–8 ، ومع أفراد كثيرين أخر.
ولا ننسى الأعمال الفردية التي قام بها السيد المسيح بعد القيامة.
حيث ظهر لتلميذي عمواس “ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” لوقا 24 : 27 . كذلك ظهوره لتوما، وكيف نجّاه من شكه، وأعطاه الفرصة أن يلمس جراحه، وقال له: “لاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا” يوحنا 20 : 27 . وبنفس الوضع ظهر لمريم المجدلية، التي ثلاث مرات تقول: “أَخَذُوا سَيِّدِي وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ” يوحنا 20 : 2 ، يوحنا 20 : 13–15 . فبكلامه معها آمنت بقيامته، بل أرسلها لتبشر التلاميذ، مع مريم الأخرى (مت28).
وظهر الرب بعد القيامة للتلاميذ، وأقنعهم بأنه ليس مجرد روح أو شبح، فالروح ليس له لحم وعظام، وأراهم يديه ورجليه، وأكل قدامهم لوقا 24 : 36–43 ، بل ظهر لهم أيضًا ومنحهم سر الكهنوت. نفخ في وجوههم، وقال لهم: “أقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ” يوحنا 20 : 22–23 ، بل عمل أيضًا عملًا فرديًا مع بطرس، الذي كان حزينًا جدًا على إنكاره للمسيح قبل صلبه، فعزاه وقال له: “اِرْعَ خِرَافِي… اِرْعَ غَنَمِي” يوحنا 21 : 15–17 .
ومن أعظم الأعمال الفردية التي عملها الرب بعد صعوده: دعوته لشاول الطرسوسي:
ظهر له في طريق دمشق، وعاتبه قائلًا: “شَاوُلُ شَاوُلُ لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟” أعمال الرسل 9 : 4 ، وقاده إلى الإيمان، وأرسله إلى حنانيا فعمده أعمال الرسل 22 : 6–1 ، واختاره رسولًا للأمم أعمال الرسل 9 : 15–18 . وظهر له مرة أخرى في رؤيا الليل، وهو في كورنثوس وقال له: “لاَ تَخَفْ بَلْ تَكَلَّمْ وَلاَ تَسْكُتْ. لأَنِّي أَنَا مَعَكَ وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ لأَنَّ لِي شَعْبًا كَثِيرًا فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ” أعمال الرسل 18 : 9–10 . كما أرسله مرة وقال له: “اذْهَبْ فَإِنِّي سَأُرْسِلُكَ إِلَى الأُمَمَ بَعِيدًا” أعمال الرسل 22 : 21 .
كذلك ظهر له مرة أخرى وقال له: “ثِقْ يَا بُولُسُ لأَنَّكَ كَمَا شَهِدْتَ بِمَا لِي فِي أُورُشَلِيمَ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَشْهَدَ فِي رُومِيَةَ أَيْضًا” أعمال الرسل 23 : 11 . وأطاع القديس بولس، وذهب إلى رومية ليؤسس كنيستها “وَأَقَامَ بُولُسُ سَنَتَينِ كَامِلَتَينِ فِي بَيْتٍ اسْتَأْجَرَهُ لِنَفْسِهِ. وَكَانَ يَقْبَلُ جَمِيعَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ إِلَيْهِ. كَارِزًا بِمَلَكُوتِ اللهِ وَمُعَلِّمًا بِأَمْرِ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ بِلاَ مَانِعٍ” أعمال الرسل 28 : 30–31 .
ولعل من أعظم الأعمال الفردية التي قام بها السيد المسيح، عمله مع اللص اليمين.
كيف كان تأثيره على ذلك اللص المصلوب معه، حتى آمن وقال له: “اُذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ” فأجابه الرب “الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ” لوقا 23 : 42–43 . وأدخله معه فعلًا إلى الفردوس.
أعمال فردية للرسل.
إن الرسل كرزوا في جميع الأمم وتلمذوهم وعمدوهم متى 28 : 19 ، بل كرزوا بالإنجيل للخليقة كلها مرقس 16 : 15 ، ومع ذلك كانت لهم أعمال فردية:
مثال ذلك عمل بولس وسيلا مع سجان فيلبي في دعوته إلى الإيمان حيث “كَلَّمَاهُ وَجَمِيعَ مَنْ فِي بَيْتِهِ بِكَلِمَةِ الرَّبِّ… وَاعْتَمَدَ فِي الْحَالِ هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ” أعمال الرسل 16 : 32–33 ، كذلك عمل بولس مع “دِيُونِيسِيُوسُ الأَرِيُوبَاغِيُّ” أعمال الرسل 17 : 34 ، الذي صار فيما بعد أسقفًا لأثينا… كذلك عمله مع تلاميذ كثيرين صاروا من أعوانه في الخدمة فيما بعد…
ومن الأمثلة الجميلة في العمل الفردي: عمل فيلبس مع الخصي الحبشي.
رأى ذلك الرجل في مركبته يقرأ سفر إشعياء، فسأله: “أَلَعَلَّكَ تَفْهَمُ مَا أَنْتَ تَقْرَأُ؟” أعمال الرسل 8 : 30 ، ثم بدأ يشرح له، وبشّره باسم يسوع. وانتهى ذلك اللقاء العابر، بأن أقبلا على ماء، فعمده، وذهب ذلك الخصي في طريقه فرحًا. كذلك العمل الفردي الذي قام به بولس الرسول نحو ليديا بائعة الأرجوان التي تأثرت بكلامه وآمنت واعتمدت. واستجاب بولس الرسول لطلبتها، فدخل بيتها أعمال الرسل 16 : 15 ، وقيل إن بيتها صار كنيسة للرب في ثياتيرا.
ومن الأمثلة التاريخية للعمل الفردي، عمل مار مرقس مع انيانوس.
وكيف أنه انتهز كلمة عن الله التي لفظها، فبشّره وعمّده، وصار أول من آمن على يديه في الإسكندرية، وصار بيته كنيسة. بل أصبح أسقفًا، وأول خليفة لمار مرقس.
أرجو أن نكمل حديثنا عن العمل الفردي في عدد مقبل، إن أحبت نعمة الرب وعشنا.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “سلسلة الخدمة (24) – العمل الفردي”، نُشر بجريدة وطني 30 يناير 1994م.





