ابن العَّسال، مَا له، ومَا عليه

قوانين الكنيسة:
ابن العَّسال، مَا له، ومَا عليه1
أولاد العسّال
صفى الدولة ابن العسال، هو أشهر كاتب قبطي جمع قوانين الكنيسة في العصور الوسطى، في مؤلفة المشهور باسم:
المجمع الصفوى لابن العسال
وضع الكتاب سنة 1235م عهد البابا كيرلس الثالث المشهورة بابن لقلق (البطريرك 75) وفي زمن الدولة الأيوبية. ويقال إنه صنّف هذا الكتاب بناء على طلب من المجمع المقدس للكنيسة القبطية، باعتباره عالم قبطي، بل كان أبرز علماء عصره، وهو أحد ثلاثة اخوة تسموا باسم أولاد العسال.
فمن هم الأخوة الثلاثة أولاد العسال؟
- مؤتمن الدولة أبو اسحق.
- هبة الله أبو الفرج الحكيم الأسعد.
- صفى الدولة الأمجد ابن العسال، وهو أشهرهم.
وكان لهؤلاء الثلاثة مراكز كبيرة في الدولة، ولهم مكانة في الكنيسة أيضًا. وكانوا من العلماء الذين نبغوا في علوم كثيرة:
- كانوا علماء في اللغة القبطية
وضعوا كتبًا في قواعد اللغة القبطية Grammer، كما وضعوا أيضًا قواميس للغة القبطية، والمقدمات الخمس لهذه اللغة. ومن أشهر كتبهم فيها: (السلم المقفي، والذهب المصفى)، والسلم الكبير، وكتبًا أخرى.
ويعتبرون ممن قاموا بنهضة في اللغة القبطية واستعمالها. وكانت قد ألغيت في دواوين الحكومة سنة 706م في عهد الوليد بن عبد الملك بن مروان (من الدولة الأموية…).
- ولهم كتابات لا هوتية عديدة:
عن أزلية الله، ووحدانيته، وصفاته، والتثليث والتوحيد، وسرّ التجسد الإلهي، والقيامة، وحالة النفس بعد الموت، وكتاب التبصرة في العقائد النصرانية، وكتاب في أصول الدين، وكتاب الفردوس العقلي، وتفسير ما ورد في الأناجيل عن آلام المسيح…
- ولهم دراسات في الكتاب المقدس:
منها مقدمة عن أصول تفسيره الكتاب المقدس. وضبط ترجمات العهد الجديد، ومع مقابلة بين ما ورد منها باللغات اليونانية والقبطية والسريانية والعربية… وكتبوا عن رسائل القديس بولس الرسول، وعن حياة هذا القديس وإيمانه واستشهاده. ولهم تفسير مطوّل لإنجيل يوحنا.
- ولهم دراسات ومحاورات مع مسلمي عصرهم.
وردود على الذين قالوا بتحريف الإنجيل. ومن أشهر كتبتهم في هذا المضمار كتاب (الصحائح في الرد على النصائح). ولهم ملاحظات على مناظرات الشيخ عيسى الناشىء، والأمام فخر الدين بن الخطيب.
- ولهم كتب في حساب الأبقطي، وكتب في قوانين الكنيسة:
ليس عجيبًا بعد كل هذا، ان عهدت الكنيسة لصفى الدولة بن العسال أن يجمع القوانين الكنيسة، فجمعها في كتابه (المجموع الصفوى). وكلمة الصفوى مشتقة من إسمه (صفى الدولة).
المجموع الصفوى
حسنًا أنه أسماه (المجموع)، لأنه كان في هذا الكتاب جامعًا أكثر من كونه عالمًا فلم يكن Scholar بالمعنى الدقيق للكلمة.
فالمفروض في العالم، ليس فقط أن يجمع المعلومات، بل يفحص، ويحقق ويدقق، ويقارن ويصحح، ويميز الصحيح من الباطل، والقوانين الرسمية من القوانين المزورة. ولكنه لم يفعل ذلك، بل كتابه يجمع خليطًا من السليم والزائف.
ميزة ابن العسال أنه صنّف القوانين ورتبها:
وهذا أمر يشكر عليه بلا شك. وهذا التصنيف يظهر واضحًا جدًا في الجزء الأول من كتابه الذي يشمل (23) بابًا.
وقد تحدث في الجزء الأول من كتابة عن:
الكنيسة ـــــ الكتب الإلهية ــــ التعميد والدخول في الإيمان ــــــ البطاركة ــــــ الأساقفة ـــــــ الرتب الكنيسة ـــــ الرهبان والراهبات ــــــ الأرامل والعلمانيين ـــــ القداس واليتورجيات ـــــــ القربان والعشاء الرباني ـــــ الصلاة والصوم ـــــــ الصدقة والعشور والبكور والنذور ـــــ الوقف ــــــ الأحد والسبت ـــــ الأعياد ــــــ الشهداء والمعترفين ـــــــ الجاحدين ــــــ المرضى والأموات … إلخ.
وفي هذه الأبواب جمع ما استطاعه من القوانين الكنيسة (صحيحة أو مزورة).
أما الجزء الثاني من كتابه، فهو عبارة عن مقالات كتبها، وليست قوانين، أي أنها ليست Codex .
ولا يمنع أنه استشهد في أجزاء منها ببعض آيات أو بقليل من القوانين. ولكنها في مجموعة من إنشائه. وبعضها فكر خالص منه.
وأهم باب في الجزء الثاني هو الخاص بالزواج والطلاق.
مآخذ على المجموع الصفوى
- أورد الكثير من القوانين المزورة.
- فمثلًا: المعروف أن مجمع نيقية المقدس أصدر عشرين قانونًا فقط. وتوجد مجموعة مزورة منسوبة إلى مجمع نيقية تشمل 84 قانونًا لا تعترف بها أية كنيسة. والذي حدث أن ابن العسال استخدم المجموعتين كلتيهما. ورمز لأحدهما بالرمز (نيق) وللأخرى بالرمز نيقية.
ولم ينبه القاريء إلى أن هذه القوانين مزورة. وإنما وردت في كتابه باسلوب عادي لا فرق بينها وبين غيرها.
- أورد قوانين مزورة منسوبة إلى الرسل:
ومن ضمنها (قوانين عليه صهيون) ــــ ورمزها هو (ع) عند ابن العسال. وهذه المجموعة أوردها أيضًا ابن كبير. وأي عالم يفحصها يمكنه أن يكتشف زيفها.
وأوقف القاريء أمام مجموعات قوانين كثيرة منسوبة إلى الرسل: منها القوانين التي تعترف بها كنيستنا {127 قانونًا في كتابين أحدهما يشمل 56 قانونًا، والآخر 71 نشرتهما مجموعة .Patrologia Orientalis
ومنها قوانين اكليمنضس في مجموعة كتب.
ومنها قوانين علية صهيون السابق ذكرها.
ومنها رسالة من بطرس الرسول إلى كليمنضس.!!
وقدّم الجميع كأنها قوانين سليمة. والعجيب أنه كان يذكر في مقدمة كتابه: أن هذه معروفة عند النساطرة أو عند الملكيين…
الباب الرابع كله قوانين مزورة:
وهو الباب الخاص بالآباء البطاركة. وكله من القوانين المزورة المنسوبة إلى مجمع نيقية المسكوني. وواضح ذلك من أرقامها: 37 ـــــ 44 ـــــ 45 ـــــ 46 ـــــ 51 ـــــ 76 … إلخ. ومحتوياتها لا يمكن أن يرضي عنها عالم يفحص المعلومات قبل أن ينشرها.
يقول في الباب الرابع [ وينسب ذلك القانون 37 لمجمع نيقية، وهو من القوانين المزورة]، إن آباء مجمع نيقية المقدس:
” أمروا أن يكون البطاركة في جميع العالم أربعة لا غير، مثل كتبة الأناجيل الأربعة، والأنهار الفردوسية الأربع، والرياح الأربع، والعناصر الأربعة..”!!
وطبعًا هذا كلام غير معقول، ولا يمكن تطبيقه عمليًا وسط عدد الكنائس الكثيرة. ولم يصدر إطلاقًا عن مجمع نيقية المسكوني المقدس… ثم ما معنى إرتباط عدد البطاركة بعدد الأناجيل، وبالأنهار الأربعة والرياح الأربعة..؟!
وما هو أسوأ من هذا، أنه يضيف إلى عدد البطاركة الأربعة، مبدأ آخر ضد عقيدة كنيسته القبطية الأرثوذكسية، فيقول عن البطاركة:
” ويكون الرئيس فيهم والمقدم، هو صاحب كرسي بطرس برومية، على ما أمرت به الرسل”!!
ومبدأ الرئاسة العامة هذه قد نهى عنه السيد المسيح
ولم يحدث أن الرسل قد أمروا بشيء من هذا، لا في قوانين الرسل ولا في الدسقولية. كما أن الكتاب المقدس يشرح لنا أن مؤسس كرسي روما هو القديس بولس الرسول ( ع28: 30، 31) ،حسب أمر الرب له بأن يبشر في رومية ( أع23: 11).
وفي ترتيب الكراسي، يذكر في نفس هذا القانون المزور.
” والثاني صاحب كرسي الأسكندرية، والثالث صاحب كرسي أفسس”!
بينما قوانين الكنيسة تضع كرسي أنطاكية بعد كرسي الأسكندرية مباشرة، أما ذكره لكرسي أفسس هنا، فلأنه موجود في آسيا الصغرى. ويقصد بهذا كرسى مدينة القسطنطينية التي لم تكن قد بنيت بعد (وقت مجمع نيقية) ولم تكن وقتذاك عاصمة للإمبراطورية الرومانية الشرقية.
ويبرر ابن العسال تقدمه كرسي أفسس، بأن ينسب إلى مجمع نيقية [قانون 38 المزور] أن تنتقل بطريركية أفسس إلى مدينة الملك، لكي تكون الكرامة للكهنوت والملوك معًا..!!
ثم يضيف هذا الباب شيئًا عجيبًا بالنسبة إلى الحبشة، ناسبًا إياه أيضًا إلى مجمع نيقية ( في القوانين المزورة: قانون 42) فيقول:
” الحبش لا يبطرك عليهم بطرك من علمائهم، ولا باختبار منهم من أنفسهم”!!
علمًا بأنه أثناء انعقاد مجمع نيقية المسكوني سنة 325م، لم تكن كنيسة الحبشة قد تأسست بعد. فالذي أسسها هو البابا أثناسيوس الأسكندري سنة 329م وأرسل لها أول أسقف هو القديس افرومنتيوس. والبابا أثناسيوس كان شماسًا في إنعقاد مجمع نيقية. ولم تكن هناك مشكلة أمام مجمع نيقية خاصة بالحبشة وإقامة بطريرك لها!!
ومن أخطاء ابن العسال اعتماده على قوانين الملوك:
وقوانين الملوك ليست قوانين كنيسة، ليست ملزمة. وعجيب أنه يقول عنها أنها ” اختصرت للملوك من أقوال كثيرة في مجمع نيقية”!! فقوانين جيستنيان مثلًا ما علاقتها بنيقية؟! ولو كان مصدر القوانين التي استخدامها وسماها (التطلسات) هو مجمع نيقية، فلماذا لم يصدرها المجمع صراحة.
ومن أخطائه أيضًا قوانين العقوبات الجسدية:
فقد أورد في عقوبة الزنا (باب48) عقوبة قطع الأنوف، وحلق الشعر، والنفي. وكذلك ما أورده في عقوبة القتل (باب 47). وما ذكره على طالب الثأر (وولى الدم). وهذا تعبير إسلامي لا علاقة له بقوانين الكنيسة. ولا توجد في قوانين الكنيسة إطلاقًا أية عقوبة جسدية مثل قطع الأنوف!!
ويذكر في باب السحر، قانون يجيز قتل الساحر.
كذلك يفرق في القوانين بين العبد والحر، وهذا ضد تعليم العهد الجديد الذي يقول لا فرق بين عبد وحر.
ومن أخطائه اعتماده على فكره الخاص.
في كثير من الأبواب مثل الباب 21 عن المرضى، والباب 18 عن الوقف، والباب 16 عن الصدقة، والباب 11 عن العلمانيين، وفوائد الصوم (الباب 15) وغالبية الباب 14 عن الصلاة.
ومن أخطائه أيضًا ما ذكره في الصوم عن جمعة هرقل قبل الصوم الكبير (باب 15) وقوله عن أكل السمك في الأصوام المستقرة، ولم يستثن الأربعاء والجمعة مثلًا.
عمومًا الرجل له جهد، وأيضًا له أخطاء.
وكتابه يعتبر بحثًا، وليس سجلًا للقوانين Codex
1 –مقال للبابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة -العددان 45،46- السنة الثانية والعشرون بتاريخ 9 ديسمبر 1994




