تواضع الرب في تجسده

تواضع الرب في تجسده1
عجيب هو الرب في اتضاعه، عندما أخلى ذاته في ميلاده.
- نزل إلى العالم هادئًا بدون ضجة، ودخله في خفاء لم يشعر به أحد… لم يحدد من قبل موعد مجيئه.
وهكذا ولد في يوم مجهول، لم تستعد له الأرض ولا السماء، ولم يستقبله فيه أحد. يوم ميلاده كان نكرة بالنسبة إلى العالم، مع أنه أعظم الأيام إذ بدأ فيه عمل الخلاص الذي تم على الصليب.
ولو نزل الرب إلى العالم في صفوف ملائكته، على سحابة عظيمة، أو في مركبة نورانية يحيط به الشاروبيم والسارافيم… وقد ارتجت له السموات، أو في الطبيعة… أو لو أن السماء احتفلت بميلاده، ليس بنجم بسيط يظهر للمجوس، بل اهتزت له كل نجوم السماء وكواكبها… لو حدث ذلك، لقلنا أنه أمر يليق بالرب وحده…!
لو أن شخصًا كان مسافرًا إلى مكان ما، لأرسل الرسائل قبلها، فيستقبله الأحباء والأصدقاء والأقارب والمعارف والمريدون، وربما يستاء إذا قصر أحد في انتظاره أو في استقباله…
أما السيد المسيح فدخل إلى العالم في صمت، بعيدًا عن كل مظاهر الترحيب، في غير ضجيج، وبطريقة بسيطة هادئة… دخل بنكران عجيب للذات، أو في إخلاء عجيب للذات، وكل الذين استقبلوه جماعة من الرعاة المساكين، ثم المجوس…
- هناك أشخاص يحبون الضجيج وبهرجة الترحيب في دخولهم وفي خروجهم، لأن فاعلية ميلاد السيد المسيح لم تغيرهم بعد…
لم يخل السيد المسيح ذاته في هدوء مجيئه إلى العالم فحسب، بل في كل ظروف ميلاده. فكيف كان ذلك؟
- ولد من أم فقيرة يتيمة، لم تكن تجد من يعولها، عهد بها الكهنة إلى يوسف، خطبوها له لتعيش في كنفه.
وولد في قرية هي: “الصغرى بين رؤساء يهوذا” (مت2: 6).
وسكن في الناصرة التي يعجب الناس إن أمكن أن يخرج منها شيء صالح (يو1: 46). ودعي ناصريًا.
وعاش ثلاثين سنة مجهولًا، كفترة تبدو ضائعة في التاريخ.
حتى الرسل لم يعتنوا أن يكتبوا عنها شيئًا تقريبًا… عاش فيها دون أن يلتفت إليه أحد، مخفيًا لا يعرف عنه أحد شيئًا، كأي شخص عادي… بينما تلك السنوات الثلاثون هي فترة الشباب والقوة التي يهتم فيها كل إنسان بذاته، ويود فيها كل شاب أن يظهر وأن يعمل عملًا…
- أخلى الرب ذاته فعاش في التطورات الطبيعية كسائر البشر.
قضى فترة كرضيع وكطفل، ولم يستح من ضعف الطفولة…
بما فيها من احتياج إلى معونة آخرين، وهو معين الكل!
احتاج إلى رعاية أم، وهو راعي الرعاة! احتاج إلى امرأة من صنع يديه، تحمله على يديها، وتهتم به، وهو المهتم بكل أحد. وتغذيه، وتعطيه ليأكل ويشرب!
ومن العجيب في طفولته، أنه أخلى ذاته من استخدام قوته… فهرب من أمام هيرودس، بينما روح هيرودس في يده! هرب من هيرودس وهو الذي خلق هيرودس، وأبقاه حتى ذلك اليوم. عجيب هذا الأمر… عجيب أن نرى القوي القادر على كل شيء، يهرب مثل سائر الناس الذين يهربون من الضيق! يهرب من القتل وهو الذي يملك الحياة والموت… وجاء إلى مصر، وعاش فيها سنوات، ولم يرجع إلا بعد أن هدأ الجو، بينما كان يستطيع أن يفلت من الرجل بطريقة معجزيه أو يقضي عليه…
أخلى ذاته، فاحتمل ضعف البشرية وهو المنزه عن كل ضعف، وسمح لنفسه أن يجوع ويعطش ويتعب وينام، كسائر البشر…
عجيب أن يقال ان الرب أنه في آخر الأربعين يومًا “جاع أخيرًا” (مت4: 2). وعجيب أن هذا الينبوع الذي روى الكل يقول للسامرية “أعطيني لأشرب” (يو4: 7)، ويقول على الصليب “أنا عطشان” (يو19: 28). وعجيب أن يقال عنه إنه تعب وجلس عند البئر (يو4: 6) وأنه نام في السفينة (لو8: 23).
- أخلى الرب ذاته كل هذا الإخلاء، ليخزي الذين يفتخرون ويتكبرون.
وكأنه يقول لكل هؤلاء: إنني لم أولد في قصر ملك، ولا على سرير من حرير، وإنما في مزود للبهائم. ولكني سأجعل هذا المزود أعظم من عروش الأباطرة والملوك… سيأتيه الناس من مشارق الشمس إلى مغاربها ليتباركوا منه.
ليس المكان هو الذي يمجد الإنسان، ولكن الإنسان هو الذي يمجد المكان. والعظمة الحقيقية إنما تنبع من الداخل.
فليحل الرب في أي مكان، ولو كان مكانًا للبهائم، وليولد في أية قرية ولو كانت هي الصغرى في يهوذا. ولكنه سيرفع من شأن كل هذا… يولد في هذه الحقارة، ويحول الحقارة إلى مجد.
يولد من فتاة فقيرة، ويجعلها أعظم نساء العالم… ويولد في بيت رجل نجار بسيط، فيحوله إلى رجل قديس مشهور في الكنيسة…
أخلى ذاته من صفة الملك:
كان يمكن لمعلمنا الصالح أن يأتي كملك، ولو أتى كذلك، ما كان أحد ينكر عليه أنه ملك، فهو من سبط يهوذا صاحب المملكة، ومن نسل داود الملك. ولكنه أخلى ذاته من المُلك، وهو ملك الملوك (رؤ17: 14) …
لم يأت في هيئة ملك، لأن اليهود في تفاخرهم بالعظمة البشرية، كانوا ينتظرون أن يأتي المسيا كملك عظيم، لأنهم كانوا يظنون أن عظمة الملوك هي التي تخلصهم.
وكان قصد الرب أن يحطم هذه الفكرة أيضًا، فلم يخلصهم بعظمة الملوك، بل بتواضع النجار الناصري، الذي استهانوا به قائلين “أليس هذا هو النجار ابن مريم؟!” (مر6: 3).
أتى كنجار بسيط، ولم يأت كملك، ولما سعى إليه المُلك، رفضه وهرب منه. ولما “رأى أنهم مهتمون أن يأتوا ليختطفوه ويجعلوه ملكًا، انصرف إلى الجبل وحده” (يو6: 15).
ورضي أن يحاكم أمام عبيده، أمام بيلاطس وهيرودس، وأمام أعضاء مجلس السنهدريم… وكان يقول “مملكتي ليست من هذا العالم” (يو18: 36).
أخلى نفسه من صولجان المُلك، ومن الكرامة المقدمة للملوك، مفضلًا أن يحاط بمحبة القلوب الطائعة لقلبه، وليست الخائفة من سطوة سلطانه…
أخلى نفسه من كرامة الرئاسة:
لم يطلب أن يكون رئيسًا لتابعيه، أو سيدًا… وإنما صديقًا لهم. وهكذا قال لتلاميذه “لا أعود أسميكم عبيدًا… لكني سميتكم أحباء” (يو15: 15). وخاطبهم في إحدى المرات قائلًا “أقول لكم يا أصدقائي…” (لو12: 4).
وأخلى ذاته لدرجة أنه انحنى وغسل أرجلهم… (يو13: 5).
لم يعامل الناس كعبيد من صنع يديه… بل كانت تربطه بهم رابطة الحب لا رابطة الرئاسة. إن البشر هم الذين يستهويهم حب الرئاسة والسلطان… أما معلمنا المتواضع فكان يريد قلوب الناس لا خضوعهم، وكان يريد محبتهم لا تذللهم، ولم يقم نفسه رئيسًا للناس بل صديقًا.
لذلك كان محبوبًا لا مخافًا. يهابه الناس عن توقير، لا عن رعب. لم يرد أن تكون له الرهبة التي ترعب الناس، بل الحب الذي يجذب الناس. وهكذا أمكن للأطفال أن تلتف حوله، وأمكن ليوحنا أن يتكئ على صدره.
إن كل من يحب العظمة، لم يتمتع بفاعلية الإيمان بعد.
قال الأنبا أنطونيوس مرة لأولاده “يا أولادي، أنا لا أخاف الله”. فأجابوه “هذا الكلام صعب يا أبانا”. فقال لهم “ذلك لأني أحبه. والمحبة تطرح الخوف إلى خارج” (1يو4: 18).
إن أهل العالم يحبون السلطة والنفوذ والسيطرة، يريدون أن يخافهم الناس، ولو عن قهر. أما المسيح إلهنا فيقول “من يحبني يحفظ وصاياي”. يعني أن حفظ وصاياه يكون عن حب وليس عن خوف…
حتى في صنع المعجزات:
أخلى الرب ذاته فلم يستخدم قوته على صنع المعجزات إلا في الضرورة القصوى.
لم يستخدم قوته من أجل ذاته، ولا من أجل منفعة خاصة. لم يستخدم لاهوته ليمنع عن نفسه الجوع أو العطش أو التعب أو الألم. رفض أن يحول الحجارة إلى خبز لسد جوعه الشخصي، بينما بارك الخمس خبزات من أجل اشفاقه على الناس.
لم يستخدم قوته ليبهر الناس بالمعجزات، ولا من أجل الإيمان. وعندما كانوا يطلبون منه معجزة لأجل (الفرجة) لم يكن يقبل، بل كان يبكتهم قائلًا “جيل فاسق وشرير يطلب آية ولا تعطى له…” (مت12: 39). لم يبهر الناس بالمعجزات مثلما فعل سيمون الساحر، ومثلما فعلت عرافة فيلبي. رفض أن يلقي نفسه من على جناح الهيكل، لتحمله الملائكة، ويرى الناس المنظر فينذهلون ويؤمنون معجبين بعظمته!… رفض ذلك، لأنه أخلى ذاته من إعجاب الناس. إن معلمنا الصالح لم يحط نفسه بالمجد، لأنه أراد أن يلتف الناس حول التواضع وليس حول المجد.
ومعجزة كحادثة التجلي التي كان يمكن أن تبهر الجماهير، لم يشأ أن يراها كل الشعب، ولا حتى كل تلاميذه الإثنى عشر، بل رآها ثلاثة فقط، وأوصاهم ألا يظهروها… كان زاهدًا في كل هذه الأمور التي يبحث عنها من يريدون أن يظهروا ذواتهم… بل أكثر من هذا، أنه بعد كل معجزة تبهر البصر، كان يخفي تلك المعجزة بعمل من أعمال الضعف البشري أو بكلام عن آلامه… أو يطلب ممن حدثت معه أن يخفيها…
وحتى من أجل الإيمان لم يشأ أن يبهر الناس بالمعجزات. أراد أن يكون إيمانهم بدافع من الحب والاقتناع وليس بسبب المعجزات. وما الدليل على هذا؟
دليلنا أنه كان يطلب الإيمان قبل المعجزة، وليس كنتيجة لها. وكثيرًا ما كان يسأل الذي يجري معه المعجزة “أتؤمن؟”، أو يقول له “ليكن لك حسب إيمانك”. وإن كان يؤمن قبلًا تحدث معه المعجزة… ولذلك قيل عنه إنه في وطنه “لم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم إيمانهم” (مت13: 58). كان الإيمان يسبق المعجزة، وكانت المعجزة نتيجة للإيمان وليست سببًا.
وكثير من معجزات السيد الرب كانت أعمال رحمة وحب وكانت لها أهداف روحية… تتبعوا عنصر الحب والحنان في معجزات الرب يظهر لكم واضحًا وجليًا.
وهكذا نرى في معجزة إقامة لعازر أنه بكى قبل أن يقيمه. إن الحب الذي كان يعتصر قلبه، ظهر أولًا في عينيه الدامعتين، قبل أن تظهر قوته في عبارة “هلم خارجًا”. وكثير من معجزات الشفاء كانت تسبقها عبارة “فتحنن يسوع” أو “أشفق” أو ما شابه ذلك…
ولم يستخدم معجزاته في الدفاع عن نفسه، أو في الانتقام من مضطهديه وشاتميه. أهانوه بكل أنواع الإهانة، وأشبعوه شتمًا وتعييرًا، وكان يستطيع أن يجعل الأرض تفتح فاها وتبتلعهم، أو تنزل نار من السماء وتفنيهم، ولكنه لم يفعل. كان قد أخلى ذاته من استخدام هذه القوة التي فيه.
وعاش بغير لقب وبغير وظيفة:
- عاش السيد المسيح بغير لقب، وبغير وظيفة رسمية في المجتمع، وبغير اختصاصات في نظر الناس… ماذا كانت وظيفة المسيح في نظر المجتمع اليهودي، أو في نظر الدولة؟! لا شيء… كان أمامهم مجرد رجل يجول من مكان إلى آخر، يعمل ويعلم، دون أن يستند إلى وضع رسمي…
- لم يكن من أصحاب الرتب الكهنوتية في نظر الناس، لأنه لم يكن من سبط لاوي ولا من أبناء هارون. فقد كانت أمه ويوسف النجار من سبط يهوذا.
ووصل إخلاؤه لذاته في هذه الناحية، أنه عندما شفى الرجل الأبرص، قال له “اذهب أر نفسك للكاهن، وقدم القربان الذي أمر به موسى” (مت8: 4). يا لها من عبارة مؤثرة للغاية!! تصوروا رئيس الكهنة الأعظم، منشئ الكهنوت ومؤسسه، ومنبع كل سلطة كهنوتية، يقول للأبرص “اذهب أر نفسك للكاهن”!!…
وماذا عنك أنت يا رب، أنت الكاهن إلى الأبد على طقس ملكي صادق؟ لماذا ترسلني إلى كاهن، وأنت راعي الرعاة وكاهن الكهنة؟! ما أعجبك في إخلائك لذاتك! تتصرف كمن لا سلطة له، وأنت مصدر كل سلطة!!
- وعاش السيد المسيح بدون أي مركز اجتماعي، ولم تكن له أية صفة رسمية على الإطلاق، حتى في وضعه كمعلم… لم يكن من طوائف الكتبة والفريسيين المؤتمنين على التعليم في ذلك الحين، ولا من جماعة الكهنة الذين من أفواههم نطلب الشريعة (أر18: 18). ولا من الشيوخ ولا من البارزين في المجتمع…
وعلى الرغم من كل ذلك، ملأ الدنيا تعليمًا، وكانوا يلقبونه بالمعلم، والمعلم الصالح، ودعي معلمًا حتى من أصحاب المكانة العلمية كالكتبة والفريسيين…
وهكذا أرانا كيف يمكن أن يعيش الشخص بلا لقب، ومع ذلك يعمل أكثر من أصحاب الألقاب! وفي حياته كمعلم، عاش وقد أخلى ذاته من كل شيء.
لم يكن له مكان يعلّم فيه:
أحيانًا كان يعلم وهو جالس على الجبل، وأحيانًا يكلم الناس وهو واقف في سفينة، وهم جلوس على الشاطئ… وأحيانًا كان يعلم وهو في وسط الزروع والبساتين، يتأمل مع تلاميذه زنابق الحقل وطيور السماء… وأحيانًا كان يعلم في الخلاء، في موضع قفر، في البرية. وأحيانًا في الطريق… وعلى العموم لم يكن له مكان خاص للتعليم، لا مركز ثابت ولا مكان ثابت… بل لم يكن له أين يسند رأسه (لو9: 58).
وإذا أخلى ذاته من الارتباط بمكان معين، عمل في كل مكان…
عجيب أن الله الذي ملأ السموات والأرض، لم يكن له أين يسند رأسه… عندما ولد يقول الكتاب “لم يكن له موضع في البيت” (لو2: 7). وطول فترة تجسده على الأرض لم يكن له مسكن معين. يذهب أحيانًا إلى بيت مريم ومرثا، وأحيانًا إلى بيت مريم أم يوحنا الملقب مرقس، وأحيانًا إلى بيت سمعان، وأحيانًا إلى بستان جثسيماني… ما أعجب قول الكتاب “ومضى كل واحد إلى بيته، أما يسوع فمضى إلى جبل الزيتون” (يو8: 1) …
والذين كانوا يتبعونه، كانوا يسيرون وراء المجهول… لا يعرفون لهم موضعًا ولا مركزًا، ولا مالية معينة، ولا عملاً محددًا. عندما قال السيد المسيح لمتى اللاوي “اتبعني”، تبعه متى… ولو سأله “إلى أين؟” لما عرف كيف يجيب… ولو سألته ماذا ستعمل؟ لوقف أمام علامة استفهام لا جواب لها. لقد أراد الرب لتلاميذه أن يخلوا ذواتهم أيضًا… هم مجرد تلاميذ، لا يعرفون لهم عملًا سوى أن يتبعوا المسيح، الذي لا يعرفون له وظيفة ولا عملًا رسميًا ولا مكانًا ثابتًا…
يحيط به جماعة من المساكين:
وكما أخلى المسيح ذاته، أحبه الذين أخلوا ذواتهم، أو الذين لا ذوات لهم. فأحاطت به مجموعة من الفقراء والمساكين والمزدرى وغير الموجود… جماعة من جهال العالم وضعفاء العالم وأدنياء العالم (1كو1: 27، 28). وهكذا اِختار تلاميذه: جماعة من الصيادين الجهلة، كما اِختار واحدًا من العشارين المرذولين.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 7-1-2001م





