في الاستعداد لأسبوع الآلام نذكر عن ربنا يسوع المسيح – اهتمامه بغيره خلال آلامه

في الاستعداد لأسبوع الآلام نذكر عن ربنا يسوع المسيح:
اهتمامه بغيره خلال آلامه1
ما أعجب محبة الرب للبشر. كان على الدوام يهتم بهم. حتى في عمق آلامه، كان منشغلًا بهم. ونود اليوم أن نتحدث عن اهتمامه بتلاميذه وغيرهم، في الأيام الأخيرة لتجسده على الأرض.
بالنسبة إلى الشخص العادي، فإنه حينما يكون في عمق آلامه، كثيرًا ما يضغط عليه الألم، فيركز كل تفكيره ومشاعره في ألمه، لا في غيره من الناس أو على الأقل يفكر في الموت وما بعد الموت.
أما السيد المسيح: ففي خلال آلامه، وطوال الأسبوع الأخير، كان مهتمًا كل الاهتمام بالبشر، وبكل الحب…
إنه من أجلهم جاء إلى العالم، ومن أجلهم أيضًا يتألم. لذلك كان طبيعيًا أن يشغله البشر في فترة آلامه.
من أجلهم رفض أن يكون ملكًا يوم أحد الشعانين، لأن ذلك الملك كان لعبة من الشيطان لعرقلة الصليب. بينما كان الصلب لازمًا لخلاصهم. لذلك رضي الرب أن يصلب ويتألم وأن يموت من فرط محبته للبشر.
وفي هذا الأسبوع الأخير، كان لأجلهم يعد أشياء كثيرة. كان لابد أن يغير القيادات القديمة، لكيلا تتعب الكنيسة.
كان لابد أن يزيل من أمام الكنيسة الجديدة التي سوف يؤسسها، كل القيادات المعتبرة في نظر الشعب، كل الرئاسات الدينية لئلا يظن المؤمنون الجدد أنها لا تزال باقية.
كان لابد أن يلغي الكهنوت الهاروني، ليحل محله كهنوت آخر على طقس ملكي صادق. وأن يزيل من الطريق الكتبة والفريسيين والصدوقيين والناموسيين، فلا ينظر إليهم الشعب كمعلمين فيما بعد.
وكان لابد أن يزيل هيبة الهيكل القديم أيضًا…
حتى لا يتعلق به المؤمنون الجدد، وبما فيه من ذبائح وطقوس. وهكذا طرد منه الباعة وقال “بيت أبي بيت صلاة يدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص” (مت21: 13). بل تنبأ عنه قائلًا لليهود “هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا” (مت23: 38) وقال أيضًا إنه “لا يترك هنا حجر على حجر إلا وينقض” (مت24: 2).
وإذا بالسيد المسيح الوديع الهادئ الذي “لا يخاصم ولا يصيح، ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ” (مت12: 30) (إش42: 3). نسمعه يصيح:
“ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون… كيف تهربون من دينونة جهنم، أيها الحيات أولاد الأفاعي” (مت23: 13، 33).
“لأنكم تغلقون ملكوت السموات قدام الناس. فلا تدخلون أنتم، ولا تدعون الداخلين يدخلون” “تطوفون البر والبحر، لتكسبوا دخيلًا واحدًا. ومتى حصل، تصنعونه ابنًا لجهنم أكثر منكم مضاعفًا” (مت23: 15) وأدانهم قائلًا “يأتي عليكم كل دم زكي سفك على الأرض…) (مت23: 35).
وهكذا أيضًا وبخ الصدوقيين الذين ينكرون قيامة الأموات…
وقال لهم: “تضلون إذ لا تعرفون الكتب”. “ليس الله إله أموات بل إله أحياء” (مت22: 29، 32). “فلما سمع الجموع بهتوا من تعليمه”
أما عن الكهنة، فضرب لهم مثل الكرامين الأردياء، وقال لهم في آخره “لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم، ويعطى لأمة تعمل أثماره” (مت21: 43).
وفي نفس الوقت الذي كان فيه الرب يزيل القيادات الدينية القديمة، كان يقوي ويشجع القيادات الجديدة التي عينها وكلمهم عن صلبه وآلامه، حتى لا يهزهم صلبه. وأظهر لهم “أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم، ويتألم كثيرًا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل، وفي اليوم الثالث يقوم” (مت16: 21).
وكرر ذلك قائلًا “إن ابن الإنسان سوف يسلم إلى أيدي الناس فيقتلونه، وفي اليوم السادس يقوم”. (مت17: 22، 23).
وهكذا ربط الحديث عن الصلب بالقيامة، لكي يعزيهم ومهد لهم احتمال صلبه بمعجزتين خارقتين، ليقوي إيمانهم: وهما معجزة منح البصر للمولود أعمى، هذه التي قيل عنها “منذ الدهر لم يسمع أن أحدًا فتح عيني مولود أعمى” (يو11: 39). وكان من نتائج هذه المعجزة أن كثيرين من اليهود آمنوا (يو11: 45).
وكان قصده من هاتين المعجزتين، أن يستندوا عليهما عند الصلب. فلا يشكون بل يؤمنون أنه سيقوم…
شرح لهم ما سوف يكون، حتى إذا كان يؤمنون (يو14: 29).
وعزاهم في موته المقبل، بأن ذلك نافع لهم، ليعد لهم مكانًا: فقال لهم “أنا ماض لأعد لكم مكانًا. وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا، آتي أيضًا وآخذكم إليَّ. حتى حيث أكون أنا، تكونون أنتم أيضًا” (يو14: 2، 3).
وعزاهم أيضًا، بأنه سيعود إليهم مرة أخرى ويرونه ما أعمق حنانه في قوله لهم “لا أترككم يتامى. إني آتي إليكم” (يو14: 18) “بعد قليل لا تبصرونني. ثم بعد قليل أيضًا ترونني… أنتم ستحزنون، ولكن حزنكم يتحول إلى فرح… أنتم كذلك عندكم الآن حزن ولكني سأراكم فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم” (يو16: 19- 22). وختم هذه التعزية لهم بقوله “قد كلمتكم بهذا، ليكون لكم فيَّ سلام” (يو16: 33).
“وقال لهم عن الروح المعزي إنه يمكث معكم إلى الأبد” “ويكون فيكم” (يو14: 16، 17). وإنه “يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم” (يو14: 26). حقًا، كان هو المعزي، قبل أن يرسل لهم الروح المعزي.
كان التلاميذ حزانى، لأنه صارحهم بأنه سيفارقهم… كانت عبارته التي قالها عن نفسه “النور معكم زمانًا قليلاً بعد” (يو12: 35) تهزهم هزًا. لذلك نراه بالإضافة إلى كل التعزيات السابقة، وعدهم أيضًا قبل الصعود بقوله “ها أنا معكم كل الأيام، وإلى انقضاء الدهر” (مت28: 20).
أيضًا ما أعمق عبارات التهدئة التي قالها لهم: “سلامًا أترك لكم. سلامي أنا أعطيكم. ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا تجزع. سمعتم أني قلت لكم أنا أذهب ثم آتي إليكم لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأني قلت أمضي إلى الآب”. (يو14: 27، 28) … “لا تضطرب قلوبكم. أنتم تؤمنون بالله، فآمنوا بي” (يو1:14). وقبل أن يمضي، منحهم الطهارة، ومنحهم سر الإفخارستيا.
“قام عن العشاء، وخلع ثيابه. وأخذ منشفة وائتزر بها ثم صب ماء في مغسل. وابتدأ يغسل أرجل تلاميذه ويمسحها بالمنشفة”. ثم قال لهم بعد ذلك “أنتم طاهرون ولكن ليس كلكم لأنه عرف مسلمه” (يو13: 4- 10) ومعلمنا يوحنا الإنجيلي بدأ قصة غسل الرب لأرجل تلاميذه، بعبارة مؤثرة قال فيها: “يسوع وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب، إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى المنتهى…) (يو13: 1).
هذا الحب حتى المنتهى الذي أحب به خاصته، هو الذي كان يشغله قبل مضيه من هذا العالم وبسببه تجسد، ولأجله مات.
بهذا الحب تعشى مع تلاميذه العشاء الأخير…
واحتفل بالفصح معهم. وبهذا الحب قال لهم: خذوا كلوا هذا هو جسدي خذوا اشربوا، هذا هو دمي الذي للعهد الجديد (مت26: 26- 28) أعطاهم هذا السر العظيم ليثبتوا فيه حسب وعده (يو6: 56).
وبهذا الحب سهر معهم سهرة طويلة وكأنها سهرة الوداع ولو إلى حين… إلى حين أن يرجع إليهم فتفرح قلوبهم. هذه السهرة حدثهم فيها حديثًا طويلاً كله تعزية وتوصية وتقوية. شملت في إنجيل يوحنا خمسة اصحاحات (يو13: 17). وختم حديثه معهم بصلاة طويلة لأجلهم كلها حب (يو17).
وكان يقول عنهم للآب باستمرار “هؤلاء الذين أعطيتني”. وطلب إلى الآب قائلًا “احفظهم في اسمك الذين أعطيتني… لست أسأل أن تأخذهم من العالم، بل أن تحفظهم من الشرير…
قدسهم في حقك… لأجلهم أقدس أنا ذاتي، ليكونوا هم أيضًا مقدسين في الحق”… وكم كان قلبه رقيقًا حين قال عنهم: “أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني، يكونون معي حيث أكون أنا” (يو17: 24).
كذلك طلب إلى الآب من أجل وحدتهم “ليكونوا هم أيضًا واحد فينا” “ليكونوا واحدًا كما إننا نحن واحد” (يو17: 21، 22).
طلب أيضًا لأجل كل الذين سيؤمنون به بكلامهم، أي من أجل الكنيسة كلها. وختم تلك الطلبة الطويلة بقوله للآب: “عرفتهم اسمك وسأعرفهم، ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم” (يو17: 26).
حقًا، ما أعجب هذا الحب الذي طلبه لأجلهم. وأيضًا، لما كان الشيطان مزمعًا أن يغربلهم، طلب لأجلهم لكي لا يفنى إيمانهم” (لو22: 31، 32).
كان إيمان هؤلاء، هو الذي سيبني إيمان الكنيسة كلها. لذلك اهتم به الرب، وبتقويته وتثبيته، تقوية لإيمان الكنيسة.
فلم يهتم الرب بهؤلاء القادة فقط بل بالجميع:
موقف مؤثر للرب في الأسبوع الأخير، أن نراه يبكي على أورشليم (لو19: 41). ويقول لها “كم مرة أردت… ولم تريدوا” (مت23: 67).
وموقف مؤثر آخر أن نراه في الأسبوع الأخير، يذهب إلى بيت عنيا، بيت أحبائه لعازر ومريم ومرثا” (مت21: 17). وموقف مؤثر ثالث، أن نرى اهتمامه قد شمل حتى يهوذا الخائن: فوجه إليه إنذارات كثيرة. وسمح له أن يأكل من نفس صحفته. وأظهر له من الرعاية ما جعله يندم فيما بعد، ويرجع المال إلى رؤساء الكهنة ويقول “أخطأت إذ أسلمت دمًا بريئًا” (مت27: 4) ولولا يأسه لتغير حاله…
واهتمام المسيح بالناس، بلغ عمقه وهو على الصليب اهتم بالذين صلبوه، وطلب لهم المغفرة بقوله “يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون” (لو23: 34). وهكذا لم يصفح عنهم فقط وإنما أيضًا التمس لهم عذرًا واهتم باللص التائب المصلوب معه، واستجاب لطلبته وقبلها، ووعده قائلاً “اليوم تكون معي في الفردوس” (لو23: 43).
واهتم وهو على الصليب بأمه العذراء، وعهد بها إلى تلميذه يوحنا، وأعطاه بركة إقامتها في بيته (يو19: 27).
وهكذا كانت غالبية كلماته على الصليب موجهة إلى الناس، أو من أجل الناس. أليس صليبه كله كان لأجل الناس.
حقًا ما أعجب اهتمام الرب بالبشر… كيف كانوا في قلبه وفي فكره، في أحرج الأوقات، في عمق أوقات الألم.
كان ذلك مظهرًا من اهتمام الرب عمومًا بالكل حيث كان طوال فترة تجسده على الأرض “يجول يصنع خيرًا” (أع10: 28). “ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب” (مت4: 23).
إن الله هكذا منذ البدء. كيف كانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة. فلم يتركها، “وكان روح الله يرف على وجه المياه” (تك1: 2). وزين الله هذه الأرض بالجمال، وأزال ظلمتها بالنور وعمرها بالحياة…
ما دام الله هكذا فليثبت إيماننا بمحبته. ولنثق كل حين أنه يهتم بنا، حتى دون أن نطلب، وحتى إن لم نهتم نحن بأنفسنا.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 5-4-1998م



