اهتمام الكاهن بحياته الشخصية

اهتمام الكاهن بحياته الشخصية[1]
*المفروض أن يهتم الكاهن بحياته الشخصية قبل إهتمامه بالخدمة.
فقد قال القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف: “لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذَلِكَ، لأَنَّكَ إذَا فَعَلْتَ هَذَا تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا” (1تي4: 16). وهكذا نصحه بالإهتمام بنفسه وخلاصها، قبل إهتمامه بالتعليم وخلاص الذين يسمعونه..
ولا يصح أن الكاهن في خدمته يفقد نفسه، لأن الرب يقول: “مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ” (مت16: 26). أو كما قال القديس بولس الرسول:
*”أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا” (1كو9: 27).
إلى هذه الدرجة كان هذا القديس العظيم يهتم بخلاص نفسه.
*والمفروض أيضًا أن الفضائل التي يعظ بها الكاهن، يمارسها أولًا في حياته الخاصة، قبل أن يعلم بها، حتى يكون كلامه عمليًا عن خبرة. وحتى لا ينطبق عليه المثل القائل: “أَيُّهَا الطَّبِيبُ اشْفِ نَفْسَكَ” (لو4: 23). وحتى لا ينطبق عليه أيضًا توبيخ الرب للكتبة والفريسيين في أنهم يحملون الناس أحمالًا ثقيلة عسرة الحمل، لا يستطيعون هم أن يحركوها بأصابعهم (مت23: 4).
فلا يصح أن تكون الفضائل التي يتحدث عنها الأب الكاهن، هي للناس وليست له هو!!
لا يصح أن تكون مثل أرفف المكتبة التي تحمل الكثير من الكتب دون أن تقرأ منها شيئًا! ولا مثل لافتات الطريق التي ترشد الناس إلى السير وإتجاهاته، وهي في مكانها لا تسير! ولا يكون مثل الجسر الذي ينقل الناس من شاطئ إلى آخر، وهو ثابت مكانه لا ينتقل..!
من المفروض في الأب الكاهن أن يكون وسيلة إيضاح لكل فضيلة.
يجب أن يكون النموذج العملي لكل ثمار الروح (غل5: 22، 23). يراه الناس فيتعلمون من حياته، قبل أن يتعلموا من عظاته. ويكون عظة قبل أن يكون واعظًا…
لذلك لا يصح أن ينسى الكاهن نفسه في الخدمة، فتجف حياته دون أن يدري، أو وهو يدري… ولا يجوز بحجة الخدمة أن تقبل عبادته، ويكثر نشاطه بينما تقل صلواته! أو تكثر زيارته وتقل تأملاته! أو تكثر خدماته بينما تجف حياته..!
ولا يصح أن يعلل نفسه بأن كل عمل يقوم به، هو كأنه صلاة! أو أن حياته كلها لله، في خروجه ودخوله.. بينما يوبخه قول ذلك الأديب الروحي:
قضيت عمرك في خدمة بيت الرب، فمتى تخدم رب البيت؟!
كذلك لا يصح أن يكتفي بالصلوات الطقسية… ويقصر في صلواته الخاصة. كما ينبغي أن لا ينسى نفسه، وتكون قراءاته كلها من أجل الآخرين، لا من أجل نفسه. وتصبح صلاته أيضًا من أجل الخدمة فقط، وليست عاطفة شخصية بينه وبين الله. بل للأسف الشديد تصبح كل أعماله الروحية، هدفها الناس، ويختفي خلاصه الشخصي!!
إذًا ما معنى أن الكاهن يكون كشمعة تذوب لأجل الآخرين لتنير لهم؟!
المعنى أنه يذوب جسديًا وليس روحيًا. أي يضحي بصحته وراحته، لا بصحة طريقه ولا بروحياته.. فلا يفقد روحياته لأجل الآخرين! لأنه إن فقد روحياته، فقد أيضًا خدمته. وإن فقد روحه، فلن يستفيد الناس منه، وينتهي كخادم…
نقول ذلك، لأن الكاهن قد يقع في أخطاء بسبب الخدمة.
قد يفقد وداعته، فيما هو يأمر بسلطان وينهي، ويوبخ ويعنف، ويشتد وهو يعاقب. وماذا يستفد إن علّم الناس الوداعة، ولم يكن هو وديعًا؟! وهل يستفيدون حينئذ من تعليمه؟!.. وأحيانًا يفقد الكاهن تواضعه وسط مظاهر احترام الناس وتوقيرهم له، إن لم يكن يقابل ذلك بانسحاق قلبي حقيقي، في الداخل…
يجب على الكاهن أن يتذكر القاعدة الروحية التي تقول:
لا يفيض إلا الذي امتلأ…
ومن أجل هذا قال الرسول: “امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ” (أف5: 18). وفي ذلك ليس من صالحه أن يظن بأنه قد امتلأ في القديم، ولذلك أختاروه كاهنًا. وأصبح عمله الآن هو أن يفيض على الآخرين. كلا، فالامتلاء بالنسبة إليه هو عمل مستمر يتجدد كل يوم… هوذا الكتاب يقول: “يَتَجَدَّدُ مِثْلَ النَّسْرِ شَبَابُكِ” (مز103: 5).
إن الامتلاء ليس للماضي فقط. فالقديس بطرس الرسول، بعد أن حل عليه الروح القدس – مع سائر التلاميذ – في يوم الخمسين، وبعد معجزة شفاء الأعرج عند باب الجميل مع القديس يوحنا، نرى أنه لما استدعاهما رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ، وسألوهما عن ذلك، يقول الكتاب: “حِينَئِذٍ امْتَلأَ بُطْرُسُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَقَالَ…” (أع4: 8).
لذلك يجب أن يخصص الأب الكاهن لنفسه خلوة مع الله.
ولا نقصد خلوة يستعد فيها للخدمة، ليحضر فيها بعض العظات مثلًا. وإنما خلوة لكي يتمتع فيها بالجلوس مع الله، في صلاة وتأمل، وترتيل، وفي قراءة روحية لمنفعته الشخصية يزداد بها عمقًا.. بعيدًا عن الناس بالجسد، وإن أمكن بالفكر أيضًا..
عليه أن ينظم مواعيده، ويهرب بعض الوقت، لحياته.
يجب أن يكون له بستان جثسيماني وجبل زيتون.
يختفي فيه بعض الوقت، لكي يأخذ، ولكي يجدد الصلة مع الله، ولكي يغربل ذاته غربلة دقيقة. إذ ربما تكون الخدمة قد ألصقت بحنطته شيئًا من الطين..
وكبرنامج يومي:
من أجمل الأوقات التي يمكن للكاهن أن يختلي فيها مع الله، هي فترة الصباح الباكر، التي يقول فيها للرب: “يَا اللهُ إِلَهِي أَنْتَ. إِلَيْكَ أُبَكِّرُ. عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي…” (مز63: 1). وهكذا قبل أن يلتقي بأحد من الناس، يلتقي أولًا بالله.. في حب، وفي انسحاق قلب، وفي طلب لمعونة إلهية تصاحبه كل اليوم.
إن كثيرًا من القديسين هربوا من الخدمة، خوفًا من أن تضيع حياتهم.
ولكن إذا استطاع الإنسان أن يجمع بين الاثنين معًا، بنعمة خاصة من الله، ومعونة من روحه القدوس، يكون ذلك أفضل جدًا. ومثال ذلك القديس بولس الرسول، الذي في الخدمة تعب أكثر من جميع الرسل (1كو15: 10). وفي روحياته اختطف إلى السماء الثالثة (2كو12: 2 – 4).
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: صفحة الرعاية – اهتمام الكاهن بحياته الشخصية، بمجلة الكرازة 19/ 8 /1994



