عنصر الفهم في صلــــــــــوات القــــــــداس

عنصر الفهم في صلــــــــــوات القــــــــداس[1]
إذا فهمنا صلوات القداس، وكل ما يحوطها من طقوس، يمكننا أن نصلي بطريقة روحانية، ونوجَد في جو روحي.
فلنحاول أن نتتبع كل ذلك، بفهم.
إعداد مثلث:
صلوات القداس تحتاج إلى إعداد يشمل كل شيء:
إعداد المذبح – إعداد الشعب – إعداد الكاهن.
1- ويتم إعداد المذبح برفع البخور عليه:
رفع بخور عشية، ورفع بخور باكر، مع (صوم) المذبح أي لا يكون قد رفع عليه قربان في نفس اليوم.
ويعد المذبح أيضًا بفرشِهِ باللفائف:
كل ذلك بصلوات سرية يصليها الكاهن أثناء فرش المذبح، وأثناء وضع الأواني المقدسة عليه باعتناء شديد.
2- أما إعداد الشعب فيتم بأمور عديدة منها:
أ – يصلي عليهم الكاهن أربعة تحاليل:
تحليلًا بعد رفع بخور عشية، وتحليلًا ثانيًا بعد صلاة نصف الليل، وهو تحليل طويل جدًا مكتوب في الأجبية بعنوان (تحليل الكهنة)، ثم تحليلًا ثالثًا بعد رفع بخور باكر، وتحليلًا رابعًا هو تحليل الخدام بعد تقديم الحمل وصلاة الشكر…
يضاف إليها تحليل خامس سري بعد صلاة القسمة في آخر القداس، يقول فيه
(يكونون محاللين من فمي بروحك القدوس).
ب – ويتم إعداد الشعوب بحضوره الاجتماعات الممهدة للقداس:
بخصوص طقس رفع بخور عشية، وصلاة الغروب وتسبحتها. وتسبحة نصف الليل، وصلوات الأجبية في رفع بخور باكر وفي بداية القداس. ثم بعد ذلك القراءات الكثيرة في قداس الموعوظين. والمفروض أن تكون موضع تأمل روحي من المصلين الحاضرين في الكنيسة.
عيب الناس أنهم لا يحضرون كل هذه الاجتماعات والصلوات التمهيدية، فيحضرون إلى القداس متأخرين بدون إعداد روحي. ويفقدون كثيرًا من الفائدة…
ولكني أحب أن أضع أمامكم قاعدة هامة جدًا وهي:
بقدر ما تستعدون روحيًا لصلاة القداس الإلهي، على هذا القدر تستفيدون منها، وكذلك الحال مع التناول.
أما الذي يحضر إلى الكنيسة، وقد فاتته كل هذه التمهيدات الروحية الكنسية السابقة، أو أخذها بغير عمق… فإنه يأتي بقلب غير مستعد روحيًا، فلا يستفيد الفائدة المرجوة من القداس الإلهي، ولا عمق الفائدة الروحية من التناول.
ج – يعد الشعب أيضًا بالاعتراف والتوبة:
ولذلك فإن الكاهن بعد رجوعه من بخور البولس، يقول وهو يدور حول المذبح: “يا الله الذي قبل إليه اعتراف اللص اليمين على الصليب، اقبل إليك اعتراف شعبك…”
الإنسان التائب يستفيد من القداس ومن التحاليل ومن التناول.
د – ويعد الشعب أيضًا بالمصالحة:
ولذلك يصلي الكاهن (صلاة الصلح) قبل البدء في قداس القديسين، قبل رفع الابروسفارين. وينادي الشماس: “قبلوا بعضكم بعضًا بقبلة مقدسة”. وعبارة مقدسة تعني أنها قبلة محبة حقيقية بدون تظاهر أو رياء.
وأهمية المصالحة تكمن في قول الرب: “إِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ. فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ وَاذْهَبْ أَوَّلًا اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ” (مت5: 23، 24).
هـ – والكنيسة تعد الشعب أيضًا بالقراءات:
لكي تنقل ذهنه من الجو العالمي المادي، إلى جو روحي، فيعيش في وصية الله بكل عمقها وروحياتها. وهذه القراءات تشمل الإنجيل، والمزامير. وفي صلاة القداس تشمل فصلًا من رسائل بولس الرسول (البولس)، ومن الرسائل الجامعة (الكاثوليكون)، ومن أعمال الرسل (الأبركسيس). مع قراءة أيضًا من (السنكسار) تحوي سيرة قديس أو قديسي ذلك اليوم.
ولنتناول الآن بندًا من هذه القراءات وهو الإنجيل… ونرى مقدار حرص الكنيسة وروحياتها الخاصة بالإنجيل…
الإنجيـــــــــــــــل:
لا توجد كنيسة تهتم بالإنجيل وقراءاته واستخدامه في القداس الإلهي، مثلما تفعل كنيستنا القبطية، وسوف نذكر أمثلة لذلك:
1– قراءة الإنجيل تتكرر ثلاث مرات لكل قداس، ومعها المزمور:
نقرأ فصلًا من الإنجيل بمزموره في رفع بخور عشية، وكذلك في رفع بخور باكر، وأيضًا في قداس الموعوظين… وقد تؤكد القراءات الثلاثة معنى واحدًا في ذهن وفي قلب المؤمن الذي يستمع إليها.
2– تسبق قراءة الإنجيل أوشية، ورفع بخور:
ويقول الأب الكاهن في هذه الأوشية (الطلبة): “فلنستحق أن نسمع ونعمل بأناجيلك المقدسة، بطلبات قديسيك”… إن مجرد استماعنا يحتاج إلى استحقاق، لأنها نعمة من الله أنه منحنا أن نستمع إلى إنجيله… لذلك يقول: “طُوبَى… لِآذَانِكُمْ لأَنَّهَا تَسْمَعُ” (مت13: 16).
هل أنت تشعر بهذه البركة وهذه النعمة أثناء قراءة الإنجيل… وهل تجعله جزءًا من حياتك، كما يقول الأب الكاهن في الأوشية: “نسمع ونعمل بأناجيلك المقدسة”… وذلك تنفيذ لقول الرب: “كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هَذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا أُشَبِّهُهُ بِرَجُلٍ عَاقِلٍ بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ” (مت7: 24).
3– وتعقب أوشية البخور، دورة بالإنجيل ومعه البخور حول المذبح:
وذلك إشارة إلى انتشار رسالة الإنجيل حول المسكونة كلها، فأصبح الإنسان بلا عذر. والبخور يرمز إلى أن صلواتنا بخصوص الإنجيل ترتفع إلى السماء مع البخور رائحة زكية أمام الله.
4– والإنجيل يقرأ، وهو محاط بالشموع المضيئة:
يحملها الشمامسة وهم وقوف حول الإنجيل. وذلك إشارة إلى قول المرتل في المزمور: “سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي” (مز119: 105)، وقوله أيضًا: “وَصيَّةُ الرَّبِّ مُضيئةٌ. تُنَيرُ العَيْنيْنِ عَنْ بُعدٍ.” (مز19: 8). ومعنى هذا أن الإنجيل ينير أذهاننا وعقولنا، لنعرف وصية الرب، ونعرف معالم الطريق الروحي.
5– والكاهن يضع الإنجيل على رأسه:
إشارة إلى أن فكره أو عقله خاضع لتعليم الإنجيل. وهذا ما يحدث أيضًا أثناء رسامة البطريرك أو الأسقف: يوضع الإنجيل على رأسه، لكي يُلهِم فكره، ولكي يكون خاضعًا له.
6– ويقَبِل الكهنة والشمامسة بشارة الإنجيل:
إشارة إلى أننا لسنا نخضع للإنجيل اضطرارًا، إنما نطيع وصاياه عن حب، ويثبت هذا ما ورد في المزامير: “أبتَهجُ أنا بكلامكَ، كمن وَجَدَ غَنائم كثيرةٍ”، “أحْبَبتُ وَصاياكَ”
“شهاداتِكَ هي دَرسي” “هِيَ لَذَّتِي” (مز119: 162، 125، 24) “وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ” (إر15: 16).
7– ويصيح الشماس: قفوا بخوف من الله، وأنصتوا لسماع الإنجيل المقدس:
وهذا يرينا مقدار المهابة التي نستمع بها إلى كلمة الله المحيية… وفي نفس الوقت يرفع رئيس الكهنة تاجه من فوق رأسه أثناء قراءة الإنجيل، إجلالاً لكلمة الله. وتكون الكنيسة كلها في صمت وإنصات لصوت الرب يكلمهم…
وفي روسيا رأيت الشعب كله راكعًا أثناء قراءة الإنجيل.
8– والإنجيل تتم قراءته على منجليتين: إحداهما متجهة إلى الشرق، والأخرى في اتجاه الشعب:
وذلك لأننا نعتبر قراءة الإنجيل لونًا من الصلاة، لأن فيه صلة بالله، والصلاة هي الصلة بالله. ولهذا فإن كل صلاة من صلوات الأجبية تشتمل على فصل من الإنجيل، لأنه جزء من الصلاة. وبهذا نتجه نحو الشرق ونقرأ الإنجيل. أما قراءته مرة أخرى مع الاتجاه إلى الشعب. فذلك لأن مهمة الإنجيل أيضًا هي التعليم: هو صلاة، وهو تعليم.
9– والإنجيل يُقرَأ ويصحبه تفسير له:
وذلك عملًا بقول الكتاب: “حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ” “يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لو24: 45، 27) … وهكذا تكون العظة حسب الطقس بعد قراءة الإنجيل مباشرة، وكلماته حاضرة في أذهان الناس…
هذا هو طقس الكنيسة الخاص بالإنجيل:
وفي كل ذلك نذكر قول صموئيل النبي ليسَى البيت لحمي:
“تَقَدَّسُوا وَتَعَالُوا مَعِي إِلَى الذَّبِيحَةِ” (1صم16: 5).
يقول الكتاب بعد ذلك: “وَقَدَّسَ يَسَّى وَبَنِيهِ وَدَعَاهُمْ إِلَى الذَّبِيحَةِ” (1صم16: 5). هكذا ينبغي أن نأتي إلى الكنيسة في قداسة، مقدَسين جسدًا وروحًا، ونرتل قول المزمور:
“بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ” (مز93: 5).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الثامنة عشرة – العددان 39، 40 (9-11-1990م)




