بعض صفات الله

بعض صفات الله1
أريد ان أكلمكم في هذه الليلة المباركة عن صفات الله. أجرب معكم المحاضرات اللاهوتية_ ولو بأسلوب مبسط_ وكيف تتقبلونها.
صفات الله نوعين: منها صفات ذاتيه خاصة بالله وحده لا يتصف بها أحد سواه. وصفات أخــرى يمكــن أن يشترك فيهــا الإنسان، ولكن بقدر ضئيل. فمثلاً نقول إن الله رحيم، ويوجد مــن البشر من هو رحيم. ولكن هناك فرقًا واسعًا جدًا بــين رحمـــة الله ورحمة الإنسان. فما هي صفات الله الذاتية؟
(صفات الله الذاتية)
الخــــالق:
الله هو وحده الخالق، ولا يوجد خالق سوى الله.
والله يخلق، أي يَوجِد من لا شيء. وهكذا خلق الكـــون وخلق الإنسان، وخلق الحياة. كل ذلك من لا شيء.
وقد خلق بأمره، بكلمته، أو بمجرد مشيئته. قال “ليكن نور” فكان نور. أو شاء أن يُوجَد شيء، فوُجد، حتى بدون أمر…
وفى الخلق، نرى أن الله قد خلق أنواعًا من المخلوقات:
خلق الجمادات كالجبال والهضاب والأرض، وخلق جمـــــادات متحركة مثل الكواكب والأفلاك التي لحركتها قانون خاص وضعه الله. وخلق كائنات ذات حياة كالأشجار فهي تنمو وتعطي ثمـــرًا أو زهرًا… وخلق الحيوانات والطيور: لها حياة، ولها صــــوت ليس للأشجار، وتتوالد… وخلق الملائكة وهي أرواح، كمـــــا قيل فــي المزمور “الذي خلق مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا، وَخُدَّامَهُ نَارًا مُلْتَهِبَةً ” (مز104: 4). وخلق الإنسان: له جسد ونفس وروح.
وحتى الكائنات الحية التي خلقها الله هي على أنواع أيضًا من جهة رقي وتعدد أجهزتها. فالنملة مثلا كائن حي. ولكن ليست لها أجهزه متعددة كالحيوانات والكائنات الحية فيها مــــا يتوالد عن طريق البيض، وفيها الثدييات التي ترضع. وفيها ما لا يتوالد مثـــل الملائكة…
★ ★ ★
هنا ونقول إنه في كل ما وصل إليه الإنسان من علم واختراع وذكاء، كان الإنسان في كل ذلك صانعًا وليس خالقًا…
في كل ما وصل إليه من الاستنساخ، وبنوك البويضات المخصبة، والفاكس والموبايل فون، وغير ذلك، كان مجرد صانعًا، من مواد خلقها الله، وبعقل خلقه الله. ولم يخلق الإنسان من ذاته شيئًا!! ولم يصنع شيئًا من لا شيء…
أما ما صنعه الشعراء والأدباء وأصحاب الخيال من أن للإنسان عقلًا خلاقًا Creative، فهذا نوع من المجاز يقصدون به أنه يقصدون به أنه يصنع شيئًا جديدًا، وليس المعنى الدقيق لكلمة (يخلق)…
★ ★ ★
صفة أخرى لله لا يشترك فيها أحد، وهي أنه الأزلي.
الأزلي:
وكلمة أزلي تعني لا بداية له. أما كل الكائنات الأخرى من المخلوقات، فلها بداية. وهي تبدأ من حين خلقت. العالم كله له بداية خلق فيها، ولذلك فهو ليس أزليًا. وكذلك الإنسان ليس أزليًا، إذ يبدأ وجوده من يوم خلقه الله. وهكذا يكون الله وحده هو الأزلي، لأنه ليس مخلوقًا، ولا بداية له.
ولكن يحدث أحيانًا وسط حماسنا أن نقول “علاقتنا بالدولة الفلانية هي علاقة أزلية”! ونقصد بذلك أنها قديمة جدًا. ولكن مهما قدمت، فإن لها بداية، لذلك فهي ليست أزلية. لا بلادنا أزلية، لأنها مخلوقة، وكذلك الدولة الأخرى لها بداية فهي ليست أزلية…
★ ★ ★
سأضرب لكم مثلًا خفيفًا يقرب إليكم معنى كلمة (أزلي).
ولو سألنا شخصًا منذ متى كان 1+1″=2؟ منذ اليوم؟ أمس؟ قبلًا من أمس؟ لكانت الإجابة “قبل ذلك بكثير جدًا”. ونسأل: منذ مائة سنة؟ ألف سنه مليون سنة؟ تكون الإجابة قبل ذلك أيضًا. وينتهي الحوار إلى أنها حقيقة لا بداية لها. أي أزلية… ولو سألنا منذ متى “الخير أفضل من الشر”؟ وتدرجنا في هذا السؤال مثل سابقته، ولوجدنا الإجابة إنها حقيقة لا بداية لها، أي أزلية ولكن هذه مجرد حقائق أزلية في الفكر.
ولكن الله هو الحقيقة الأزلية في الوجود العلمي، لأنه التفسير العلمي لوجود باقي الكائنات.
★ ★ ★
أيضًا من صفات الله التي يتميز بها وحده، أنه غير محدود:
غير محـــــدود:
الله هو الكائن الوحيد غير المحدود من جهة الزمان، والمكان والقدرة والمعرفة…
- هو غير محدود من جهة الزمان لأنه موجود قبل الزمان وقبل أن تعرف مقاييس الزمان.
كان موجودًا وحده قبل كل الخليقة
الزمان في مفهومنا له ثلاثة أقسام: الماضي والحاضر والمستقبل. والله أزلي لا بداية له، وأبدي لا نهاية له، أو هو سر سرمدي، فوق حدود الزمان.
ومن جهة الزمان، أمام الله الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد. لا يرى المستقبل فيما بعد، بل يراه من الآن. ويتحدث عنه كأنه يتحدث عن الماضي، كما تحدث عن آلام الصلب في مز22.
- وهو غير محدود من جهة المكان، موجود في كل مكان، بل لا يوجد مكان يسعه. وكما قال الشاعر عن الله:
لم يسعك الكون ما أضيقه كيف للقب إذن أن يسعك؟!
الله موجود في السماء وفي الأرض، وما بينهما. لذلك فهو لا ينتقل من مكان إلى آخر، لأنه في كل مكان. ولا يصعد ولا يهبط، لأنه في مكان الصعود، وفى مكان الهبوط، وما بينهما…
نقرأ في الكتاب المقدس “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ” (تك1: 1). فما هي هذه السماوات؟
السماء الأولى:
هي التي تسبح فيها الطيور والطائرات. هي غلافنا الجوي.
السماء الثانية:
هي التي توجد فيها الشمس والأجرام السماوية البعيدة. وهذه لم يصل إليها أحد. وإن اقتربت منها طائرة تحترق.
السماء الثالثة:
هي الْفِرْدَوْسِ التي اخْتُطِفَ إليها بولس الرسول (2كو12: 2، 4).
أما سماء السماوات: فهي فوق كل هذه السماوات، وفيها عرش الله (مت5: 34). وهذه لم يصعد إليها أحد، لا أخنوخ، ولا إيليا. وعنها قال السيد الرب لنيقوديموس “لَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ” (يو3: 13) الله موجود في كل تلك السماوات، وفي الأرض أيضًا وفى كل مكان. لكنه في السماء ممجد، وكذلك في بيوته المقدسة. كما أنه يوجد أيضًا في أماكن الأشرار حيث يعصونه، ولكنه يرافقهم ويسجل عليهم أعمالهم.
★ ★ ★
ومن جهة القدرة: الله هو الوحيد القادر على كل شيء. لذلك يدعى Almighty.
من المخلوقات من هو قادر فقط mighty أما الله فهو الوحيد القادر على كل شيء، ولا يعسر عليه أمر. ومن ضمن مظاهر قدرته المعجزات. وقد سميت معجزات لأن العقل البشري يعجز عن فهمها. وهذه المعجزات لا تتنافى مع العقل، ولكنها مستوى فوق مستوى العقل. ومن أهم المعجزات الهامة: الخلق، وإقامة الموتى.
وكون الله غير محدود في القدرة، يتنافى مع تعدد الآلهة،
لأنه لو وجد أكثر من إله، فهل كل واحد منهم لا يقدر على غيره، وحينئذ لا يكون قادرًا على كل شيء، وهكذا ضد الألوهية. أم يوجد إله بين هؤلاء يقدر على الباقين، ويكون هو الإله الحقيقي ولا يكون الباقون آلهة لضعفهم…
وكما أن الله غير محدود في القدرة، هو أيضًا غير محدود في المعرفة.
يقولون إن أكثر الناس معرفة هو الذي يعرف شيئا عن كل شيء، من جهة الثقافة العامة، ويعرف كل شيء من جهة التخصص. وعلى الرغم من أنه لم يوجد إنسان واحد يعرف شيئًا عن كل شيء، ويعرف كل شيء عن شيء، إلا أن الله يتميز بأنه وحده الذي يعرف كل شيء عن كل شيء.
- نعم، إن الله يعرف كل شيء عن كل شيء وعن كل أحد.
وهو الوحيد الذي له هذه المعرفة الشاملة الكاملة، ولهذا نقول عنه إنه كلي المعرفة. الله يعرف الخفيات والظاهرات. يعرف ما هو داخل القلب والفكر، ويعرف النيات. يعرف ما عمله الناس وما ينوون عمله ويعرف أيضًا كل ما يعمله الشيطان وسيجازيه حسب أعماله.
- ومعرفة الله بغير تدرج كما يعرف علماء الطبيعة والكيمياء، بما يسمونه (خطوات العمل). ومعرفته أكيده تمامًا.
والله يعرف بدون أجهزه، ففي عالم الطب يحتاجون إلى كشوفات وفحوصات وتحاليل، وإلى جهازMRI وأجهزة أشعة متنوعة ومناظير. أما الله فيعرف المعرفة الكاملة الشاملة بدون أجهزة.
شركات الفحص عن البترول تعرف الأماكن التي يوجد بها بترول، عن طريق حفريات ربما تصل إلى آلاف الأمتار. أما الله فيعرف ذلك بدون حفريات ولا كشفيات، ولأنه هو الذي شاء أن يوجد بترول في تلك الأماكن التي يوجد بها. وكذلك ما يتعلق بالمناجم…
والعلماء يعرفون خواص المواد عن طريق عمليات وتحاليل، بها يعرفون أين توجد أنواع الفيتامينات والمعادن MINERALS والبروتين وكل المواد النافعة للصحة. أما الله فيعرف كل ذلك بدون أية وسائط. ولأنه هو الذي وضع في تلك المواد ما فيها من خواص
من صفات الله أيضًا التي يختص بها وحده: الكمال المطلق.
الكمال المطلق:
قد يصل البشر إلى درجات من الكمال النسبي، بالنسبة إلى السن والذكاء والقدرة وما يُعطى لكل منهم من نعمة من عند الله
أما الكمال المطلق فهو لله وحده، وكذلك المطلق عمومًا
الإنسان قد يتصف بالحكمة ولكن الله وحده هو الذي له الحكمة المطلقة، الحكمة غير المحدودة، فهو كلي الحكمة.
والإنسان قد يكون رحيمًا، ولكن رحمته نسبية بالنسبة إلى الرحمة الغير محدودة عند الله، فهو كلي الرحمة. كذلك الله له العدل غير المحدود… وهكذا في باقي الصفات وكمالها المطلق.
★ ★ ★
وصفات الله لا تتعارض مع بعضها البعض ولا تتجزأ
فهو كامل في عدله، كما أنه كامل في رحمته. لا صراع بينهما كما يتخيل البعض أن رحمة الله تفتخر على عدله!!
كلا، فإن عدل الله مملوء رحمة، ورحمة الله مملوءه عدلًا. الله عادل في رحمته، ورحيم في عدله. عدله عدل رحيم، ورحمته رحمة عادلة… وهكذا مع باقي الصفات في تجانسها…
★ ★ ★
صفة أخرى من صفات الله، أنه وحده المعبود…
المعبود وحده:
فالعبادة الحقيقية هي لله وحده، بكل ما فيها من تفاصيل. فهو وحده الذي توجه له الصلوات. وهو وحده الذي هو مركز الإيمان عند البشر وعند الملائكة.
وكل عبادة لغيره هي عبادة باطلة، وهي ضد الإيمان السليم مثل عبادة الأصنام، وعبادة الطبيعة، وعبادة الأجداد وعبادة الأرواح والشياطين، وما إلى ذلك، مهما تسمى أولئك بالآلهة. بل كما يقول المزمور “أنَّ كلَّ آلِهَةِ الأممِ شَياطينُ” (مز95: 5).
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثانية والثلاثون – العددان 33، 34 (5-11-2004م)



