الكاهن والعقوبَة

الكاهن والعقوبَة[1]
ليست العقوبة ضد المحبة. بل قد تكون دليلًا على المحبة.
وذلك للتأديب والتقويم، وإشعار الخاطئ بأنه قد أخطأ خطأ يستحق العقوبة. وقد قال القديس بولس الرسول: “أَيُّ ابْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟” (عب12: 7). وقال: “الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ” (عب12: 6) (أم3: 12).
وللكاهن سلطان أن يعاقب وأن يوبخ.
وقد قال الكتاب في ذلك: “وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ” (2تي4: 2). وتقول الدسقولية: “أيها الأسقف: كما أعطيت سلطانًا أن تحل، كذلك أعطيت سلطانًا أن تربط”. وقال السيد الرب عن الشخص الذي يرفض حكم الكنيسة: “إِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ” (مت18: 17). وقد عاقب الرب عالي الكاهن وقطعه ونسله من الكهنوت، لأنه لم يؤدب أولاده حسنًا” (1صم3: 13) (1صم 4: 11).
وقد مارس الآباء الرسل معاقبة الخطاة.
مثلما عاقب القديس بولس الرسول خاطئ كورنثوس وأمر بعزله من جماعة المؤمنين (1كو5: 5، 13). ثم عاد وعفا عنه. وقال لأهل كورنثوس: “مِثْلُ هَذَا يَكْفِيهِ هَذَا الْقِصَاصُ الَّذِي مِنَ الأَكْثَرِينَ، حَتَّى تَكُونُوا بِالْعَكْسِ تُسَامِحُونَهُ بِالْحَرِيِّ…، لِئَلاَّ يُبْتَلَعَ مِثْلُ هَذَا مِنَ الْحُزْنِ الْمُفْرِطِ” (2كو2: 6، 7).
وقد عاقب القديس بطرس حنانيا وسفيرا بعقوبة شديدة جدًا (أع5: 3 ـــــ 9)، كان لها أثرها في أن جعلت الآخرين يحرصون. وقيل في ذلك: “فَصَارَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى جَمِيعِ الْكَنِيسَةِ وَعَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ سَمِعُوا بِذَلِكَ” (أع5: 11). كما عاقب بولس الرسول أيضًا عليم الساحر (أع13: 9 ــــ 11).
وكان سبب العقوبة وأيضًا نتيجتها، أن تحتفظ الكنيسة بقدسيتها، ويرتدع الباقون.
وفي ذلك قال القديس بولس لتلميذه تيموثاوس الأسقف: “اَلَّذِينَ يُخْطِئُونَ وَبِّخْهُمْ أمَامَ الْجَمِيعِ لِكَيْ يَكُونَ عِنْدَ الْبَاقِينَ خَوْفٌ” (1تي5: 20).
وتوجد عقوبات كثيرة ذُكرت في سفر الرؤيا منها عقوبة إيزابل الخاطئة (رؤ2: 20 ـــــ 23)، ودينونة المدن التي شُبهت بامرأة جالسة على وحش (رؤ17). ودينونة المدينة العظيمة بابل (رؤ8: 10). يضاف إلى هذا ما قيل عن أبواق الملائكة (رؤ8).
وللعقوبة جذور في العهد القديم
منها عقوبة الطوفان (تك6)، والعقوبة التي وقعت على أهل سدوم (تك19). والعقوبة التي وقعت على قورح وداثان وابيرام (عد16: 31 ـــ 35). بل قد عوقب داود النبي أيضًا حينما أخطأ (2صم12).
غير أن العقوبة لها درجات طبقًا لدرجة الخطأ.
ويجب أن تكون العقوبة على قدر الفعل. وكتب قوانين الكنيسة حافلة بالعقوبات التي أصدرتها المجامع المقدسة المسكونية والمكانية. ومنها التجريد، والقطع من جسم الكنيسة. والحرمان من بعض أسرار الكنيسة، والفرز… وكانت ترتبط في القديم بنظام الخوارس في الكنائس قديمًا.
وليس صحيحًا ما يحاول البعض أن يشيعه في جهل، من أن العقوبة للهرطقة فقط!!
فمع أن قانون الكنيسة يأمر بأنه لا توقع عقوبتان على خطية واحدة، إلا أن الهرطقة تتجمع فيها كل العقوبات بحيث يتم فيها التجريد من كل الرتب الكهنوتية، والحرمان من كل الأسرار، والقطع من جسم الكنيسة بالكلية.
وهناك عقوبات يلزمها محاكمة، وعقوبات تصدر تلقائيًا.
فمثلًا إذا تزوج كاهن، أو تزوج شماس (دياكون)، بعد سيامته، تسقط عنه درجة الكهنوت تلقائيًا بحكم القانون وبدون محاكمة.
وإذا كسر راهب نذره وتزوج، تسقط عنه صفة الرهبنة.
أما من جهة العقوبات التي يوقعها الأب الكاهن على أبنائه في الاعتراف:
فهي من حقه وسلطانه، بل هي أحيانًا تكون من واجبه. وكثيرًا ما يحدث أن معترفًا يطلب من أبيه الروحي أن يوقع عليه عقوبة، لأنه يشعر بفائدتها، وبها يستريح ضميره. وإن لم يفعل الأب الكاهن ذلك، نرى المعترف يوقع العقوبة على نفسه، ويؤدبها إن لم يؤدبه أبوه…
على أن الكاهن يجب أن تكون عقوبته في حدود احتمال المعترف.
ولا يلقي عليه ثقلًا لا يستطيع احتماله، ولا عقوبة لا يستطيع تنفيذها. كما أن العقوبة يجب أن تتناسب أيضًا مع ظروفه.
وهناك شروط أخرى للعقوبة، منها:
- أن يشعر المعترف أنه قد أخطأ، وأنه يستحق العقوبة.
- وأن يقتنع بالعقوبة، وينفذها برضى.
- ويرى أنها لعلاجه ولفائدته الروحية.
- لا تصدر عقوبة على كل خطأ، وإلا صارت الحياة كلها عقوبات. كما قال المرتل في المزمور: “إن كنتَ للآثامِ راصدًا يا رَبُّ، يا رَبُّ مَن يَثبُتُ؟! لأنّ مِن عِندِكَ المَغفرَةَ” (مز130: 3، 4).
وهناك أمور لا تحتاج إلى عقوبة. ويكفي فيها النصح والتوجيه، كما تقول الدسقولية: “امح الذنب بالتعليم”.
عقوبة الحرم:
*يجب تحديد نوعية الحرم، لأن هذه العبارة ـــــــ بأسلوب مطلق ـــــ تعني أشياء كثيرة…! فمثلًا يمكن حرمان إنسان من التناول لفترة محددة، أو حرمانه من الخدمة في الكنيسة أو من التعليم، إذا كان يخطئ في التعليم، أو من علاقات معينة هي سبب سقوطه…
* ولا يصح أن يستخدم عبارة الحرمان بطريقة تنفر أو تخيف الناس من الكهنوت…
* ولا يجوز للكاهن أن يصدر حرمانًا في ساعة غضب، أو لسبب شخصي، أو بغير علم، أو ظلمًا… ولا يكثر من استخدام عبارة “لا حِل ولا إجازة” في أمور ربما تكون تافهة، أو ربما لا تكون من اختصاصه.
* ولا يجوز أن تكون العقوبة سببًا في زوال المحبة بين المخطئ والأب الكاهن، ولا سببًا في زوال الثقة. وإلا فإن عمل الكاهن الرعوي والروحي سينتهي مع مثل هذا الخاطئ.
هناك اشتراطات وقائية لضمان سلامة العقوبات.
منها إن الكاهن ـــــ كما قال الكتاب ــــــ لا يكون غضوبًا ولا ضرابًا (تي1: 7، 8). كذلك لا يكون متصلفًا. بل يتصف بالعدل، ويفصل كلمة الحق باستقامة (2تي2: 15). وأن يكون محبًا، من المعروف عنه أن يعامل الناس بالرفق واللين. ويكون طويل الأناة واسع الصدر، وصالحًا للتعليم (1تي3: 2). ودارسًا للتعليم الصحيح ولوصية الله، ومن فمه تؤخذ الشريعة (ملا2: 7).
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: صفحة الرعاية – الكاهن والعقوبة بمجلة الكرازة 2/ 2 /1996



