الكَاهِن كأبّ اعَتراف

الكَاهِن كأبّ اعَتراف[1]
الاعتراف هو إدانة النفس أمام الله، في سمع الكاهن.
والمغفرة في الاعتراف يمنحها الله للتائب، من فم الكاهن.
لذلك في الاعتراف يتقدم المعترف تائبًا، نادمًا بسبب خطاياه، معترفًا بهذه الخطايا. يجلس مع الأب الكاهن، لا لكي يحكي له حكايات، أو يذكر له أخبارًا، إنما يذكر ما اقترفه من خطأ أو خطية فيما يسرده من أخبار.
والاعتراف هو سرّ من أسرار الكنيسة نسميه سرّ التوبة. فالمفروض في المعترفين أنهم تائبون، يقدمون توبتهم إلى الله في سمع الكاهن.
الله إذن هو عنصر هام في جلسة الاعتراف. وليس الاعتراف مجرد علاقة بين الأب الكاهن والمعترف.
لهذا كله أحب أن أقول لأب الاعتراف الملاحظات الآتية عن جلسة الاعتراف:
جلسَة الاعتراف:
- ينبغي أن تكون جلسة الاعتراف هادئة وقورة، تليق بسرّ من أسرار الكنيسة. ويحسن أن تكون في الكنيسة. أما إذا اضطررت لأخذها في بيت المعترف، فلا تسمع إلى الاعترافات وأنت تشرب شيئًا. ولا تتحول بأي شكل إلى جلسة سمر…
- كثير من الآباء يبدأون جلسة الاعتراف بالصلاة، ويختمونها بالصلاة أيضًا. وبهذا يشعرون المعترف بهيبة وقت الاعتراف. كما يطلبون حضور الله ومعونته.
- إن كان الاعتراف في الكنيسة، فلا يجوز أن يكون في حجرة مغلقة، بل يكون في مكان مفتوح، وبخاصة أثناء تلقى اعترافات النساء والفتيات.
- في جلسة الاعتراف لا يكن بيتك وبين المعترف دالة، مهما كانت بينك وبينه علاقة مودة أو صداقة. اشعره أنه أمام الله يخاطبه في حضورك.
- لا تعّود المعترفين أن يأتوا إلى بيتك للاعتراف. لأن بيت الأب الكاهن له خصوصياته. وهو ليس لك وحدك، وإنما لزوجتك أيضًا وأولادك، فيه يمارسون حياتهم الخاصة، دون أن تكون مكشوفة للمعترفين يعلّقون عليها كما يشاءون! ويزدحمون فيها ينتظر كل منهم دوره..!
- حاول أن تساعد المعترف على أن يبوح بما عنده. ولا مانع من أن توجه إليه بعض أسئلة، كنعاصر للاعتراف. ولكن ليس بالأسلوب الذي تفتح به ذهنه إلى أشياء لا يعرفها…
- لا تكتفِ بسماع الخطايا، إنما يجب أن تسأله أيضًا عن الإيجابيات، من جهة ممارسة وسائط النعمة، ومن جهة نموه الروحي أيضًا…
- لا توبخه على كل شيء يقوله. وإلا فقد يخاف أو يخجل، ويتقوقع حول نفسه، ولا يكشف باقي ما يريد أن يقوله عن حياته.
- لا تحاول في جلسة الاعتراف أن تعصر المعترف عصرًا، لكي تُخرج منه كل ما فيه، لأن هذا يتعبه جدًا. كما أن الإعتراف فضيلة يتدرج فيها المعترف. وقد لا يبوح بأشياء في بادىء الأمر، أو يذكرها مدغمة أو يلمح لها تلميحًا. فإذا ما اطمأنت نفسه، وإذا ما نضج في روحياته وفي معرفته، وإذا ما نجح في مقاومة خجله… حينئذ يذكرها فيما بعد…
- المفروض أن تشرح للمعترف أخطاءه. وترشده إلى طريقة التخلص منها، بأسلوب عملي وممكن.
- اعلم أن جلسة الاعتراف ليست مجرد سماع أخطاء، وإنما فيها عنصر الإرشاد أيضًا: إرشاد المعترف إلى الطريق السليم الذي يسلكه. ولا مانع من تقديم تداريب روحية له، تناسب مستواه وظروفه.
- لا تقدم إرشادًا واحدًا لكل المعترفين. فربما ما يناسب بعضهم، لا يناسب غيرهم. والنفوس تتنوع في حالة كل منها. كما أنه ليس المعترفون جميعهم في درجة واحدة. فالمبتدئ غير النامي غير الناضج…
- لا تُدخل المعترفين عليك في مشاكلك الخاصة. ولا تحدثهم عن متاعب لك مع مجلس الكنيسة، أو مع الخدام، أو مع بعض زملائك في الكهنوت.. من جهة لكي لا تعثرهم. وأيضًا لأن واجبك أن تحمل همومهم وتحل مشاكلهم، لا أن تشركهم في همومك وفي مشاكلك..!
- في إرشادك، لا تكلف أحدًا بما هو فوق طاقته. فالقديس بولس نفسه قال لأهل كورنثوس: “.. كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَالٍ فِي الْمَسِيحِ. سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَاماً لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ..” (1كو3: 1، 2).
- أعط رجاء لمن ليس له رجاء، وافتح طاقة من نور لليائس والمتعب. والساقط لا تشده إلى أسفل بتوبيخاتك وعقوبات. واستمع إلى قول الرسول: “شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ، أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ. تَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيعِ” (1تس5: 14).
- إن كان لا بد من عقوبة تفرضها على خاطئ، فليكن ذلك في حدود احتماله، وبشرح واقناع، لكي يشعر إنها لفائدته ولنفعه الروحي.
- في إرشادك، لا تحاول أن يكون المعترف صورة منك في حياتك الروحية، يسير بنفس أسلوبك. فربما اتجاهه في الحياة هو غير اتجاهك، وإمكانياته غير إمكانياتك، وطبيعة نفسه غير طبيعة نفسك.
- في جلسة الاعتراف، لا تسأل المعترف عن أمور خارجة عن موضوع الاعتراف، لكي تعرف منه بعض أسرار الغير، متجاوزًا اختصاصك كأب اعتراف.
- لا ترغم المعترف على سلوك معين، بسلطان الكهنوت في الحل والربط. إنما عملك هو أن ترشد وتقنع، ولا أن ترغم وتتسلط. إن الله نفسه يقدم لنا وصايا، ولا يرغمنا على السير فيها.
- إن سألك المعترف أثناء اعترافه عن سؤال روحي أو اجتماعي لم تكن على دراية بإجابته، فلا تجبه بأية إجابة قد لا تكون سليمة، إنما يحسن أن تؤجل الإجابة حتى تدرس الموضوع جيدًا. ونفس الوضع إذا اعترف لك بشكوك في أمور لاهوتية أو عقائدية، لا تجبه بأية إجابة غير مقنعة. إنما يمكن إحالته إلى كتاب مفيد فيه الإجابة السليمة، أو تؤجل إجابتك حتى يمكنك أن تدرس الموضوع جيدًا.
- كن طويل الروح في قيادة النفس. فقد تنصح المعترف بنصيحة نافعة، ولا تساعده إرادته أو ظروفه على تنفيذها. لا تغضب عليه، ولا توبخه بشدة، ولا تغضب منه. ربما يساعده طول أناتك عليه، وصلاتك من أجله.
- كن عادلًا في توزيع وقتك على المعترفين. فلا تجعل واحدًا منهم يأخذ كل وقتك وكل اهتمامك، بينما لا يتمتع غيره بنفس الاهتمام والوقت.
- من الصالح أن تتابع المعترف في الإطمئنان على حياته الروحية، ومدى تنفيذه للنصائح والتداريب، وتدرس معه العوائق التي يصادفها، وكيف يتخلص منها.
- اسأل عن الذي تغيب عن جلسات الاعتراف. واشعره باهتمامك واطمئن عليه…
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: صفحة الرعاية – الكاهن كأب اعتراف، مجلة الكرازة 15/ 9/ 1995




