القيامة والحياة

القيامة هي العودة إلى الحياة، بمعنى أن الموت قد انتهى، وحلت محله الحياة. فما هي الحياة؟ وما أهميتها في الكتاب المقدس؟
القيامة والحياة1
أهمية الحياة
قيل في خلق أبينا آدم إن الله نفخ فيه نسمة حياة، فصار آدم نفسًا حية (تك2: 7). وقيل عن حواء أنها سميت كذلك، لأنها أم كل حي (تك3: 20).
أي أن الإنسان منذ نشأته مرتبط بالحياة.. ككائن حي.
وهكذا قيل عن الله إنه ليس إله أموات، بل إله أحياء (مت22: 32). وبلغت أهمية الحياة أنه قيل في سفر الجامعة أن “الكلب الحي خير من الأسد الميت” (جا9: 4).
ومن أهمية الحياة أنها صفة من صفات الله، فيقال الله الحي…
“حي أنا يقول الرب” (حز5: 11). وكانوا يقسمون باسم الإله الحي. فالملاك في سفر الرؤيا “أقسم بالحي إلى أبد الآبدين” (رؤ10: 6). والأربعة والعشرون كاهنًا كانوا يسجدون للحي إلى أبد الآبدين (رؤ4: 10). والله – تبارك اسمه – يعاتب شعبه فيقول “تركوني أنا ينبوع المياه الحية، لينقروا لأنفسهم أبارًا، أبارًا مشققة لا تضبط ماء” (أر2: 13). والسيد المسيح قال “من آمن بي … تجري من بطنه أنهار ماء حي. قال هذا عن الروح القدس الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه” (يو7: 38، 39).
والملكوت السماوي قيل عنه أنه أرض الأحياء…
وهكذا قال المرتل في المزمور “وأنا أؤمن أني أعاين خيرات الرب في أرض الأحياء” (مز27: 13). وأهم مكافأة للإنسان أن يكتب اسمه في “سفر الحياة” (رؤ20: 12 – رؤ22: 19). ويعطيه الله “إكليل الحياة”، ويأكل من “شجرة الحياة” (رؤ2: 10، 7).
ولما كانت الحياة أهم شيء، صار الموت هو أخطر عقوبة.
وقال الله للإنسان الأول: يوم تأكل من الشجرة موتًا تموت (تك2: 17). وهكذا تعرض الإنسان لأنواع عديدة من الموت: الموت الجسدي وهو انفصال الجسد عن الروح، والموت الروحي وهو انفصال الروح عن الله، والموت الأدبي وهو فقدان الصورة الإلهية، والموت الأبدي بعد القيامة الذي قيل إنه الموت الثاني، الذي هو الهلاك الأبدي في بحيرة النار (رؤ20: 14).
مادام الأمر هكذا، فلنبحث إذن ما هي الحياة الحقيقية؟
الحياة الحقيقية
ليست الحياة الحقيقية هي الأيام القليلة التي نقضيها على الأرض. والتي كرهها كثير من الآباء، وأسموها أيام غربة.
فقال المرتل “غريب أنا على الأرض” (مز119: 19). وقال “ويل لي فإن غربتي قد طالت علي، وسكنت في مساكن قيدار” (مز120: 5). وقال أبونا يعقوب لفرعون “أيام سني غربتي قليلة وردية، ولم تبلغ إلى أيام سني حياة آبائي في أيام غربتهم” (تك47: 9). ويونان النبي قال مرة في ضيقه “الآن يا رب خذ نفسي مني، لأن موتي خير من حياتي” (يون4: 3). وقال أمنا رفقة زوجة أبينا إسحاق “مللت حياتي من أجل بنات حث. إن كان يعقوب يأخذ زوجة من بنات حث.. فلماذا لي حياة؟!” (تك47: 46).
وهذه الحياة الأرضية يقول عنها الكتاب إنها “بخار يظهر قليلًا ثم يضمحل” (يع14: 4). إنها مجرد فترة قصيرة ومحدودة، أو هي فترة مؤقتة نقضيها على الأرض، مجرد فترة اختبار. لا هي الحياة الحقيقية، ولا هي الحياة الأبدية. فما هي إذن الحياة الحقيقية؟
يقول الرسول “لي الحياة هي المسيح، والموت هو ربح” (في1: 21). وقال القديس يوحنا الإنجيلي عن السيد المسيح “فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس” (يو1: 4). وهو نفسه قال لمرثا “أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا. وكل من كان حيًا لا يموت إلى الأبد” (يو11: 25، 26). من هنا نفهم معنى الحياة.
الحياة الحقيقية هي الثبات في الرب… هي حياة الروح مع الله.. ومن ينفصل عنه لا يكون حيًا.
ليست هي حياة الجسد مع المادة والتراب. وليست هي مجرد الأنفاس التي نرددها، أو مجرد نبضات القلب وحرارة الجسد. إنما هي حياة الروح في التصاقها بالله. ولهذا قال الأب عن ابنه الضال “ابني هذا كان ميتًا فعاش” (لو15: 24). فكان ميتًا حينما انفصل عن أبيه، وعاد حيًا مرة أخرى بالتوبة. وبنفس المعنى قيل عن الأرملة المتنعمة أنها “ميتة وهي حية” (1تى5: 6). وبنفس المعنى قال عن راعى كنيسة ساردس “إن لك اسمًا أنك حي وأنت ميت” (رؤ3: 1).
الحياة إذن، ليست هي الحياة بالاسم، ولا الحياة بالإثم. إنما هي الحياة في الله.. معه وبه.. وكما قال الرسول “لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد” (أع17: 28). وقال أيضًا “خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية، لكي أربح المسيح وأوجد فيه” (في3: 8، 9). حقًا ما أعجب هذه العبارة “وأوجد فيه”…!
الحياة الحقيقية مع الله على الأرض، هي عربون الحياة الأبدية… هي مذاقه الملكوت.
والحياة الأبدية هي أمل الناس جميعًا.. تبدأ الحياة الحقيقية هنا على الأرض، وتكمل في السماء.. أما الذي لم يمارس الحق هنا، بل كان على الأرض له اسم أنه حي وهو ميت، فهذا لن يتمتع إطلاقًا بالحياة الأبدية مع الله وملائكته وقديسيه، في كورة الأحياء.
الذي لم يذق الملكوت ههنا جزئيًا.. فلن يذوقه إلى الأبد.. فالملكوت هو حياة الشركة مع الله…
أي أن الذي لم يعاشر الله ههنا ولم يجد هنا اللذة في الحياة مع الله، كيف إذن سيجد اللذة والنعيم في الحياة مع الله إلى الأبد؟! والذي يشتهي هنا العالم والأشياء التي في العالم، كيف يمكنه أن ينفصل عنها، ويحيا مع الله حياة غربة عن قلبه المتعلق بالعالم؟!
وقد جعل الله الطريقين أمامنا لنختار..
وهكذا قال في آخر سفر التثنية: انظر ها قد جعلت أمامك الحياة والخير، والموت والشر.. أشهد عليكم السماء والأرض.. قد جعلت قدامك الحياة والموت، البركة واللعنة، فاختر الحياة لكي تحيا.. إذ تحب الرب إلهك، وتسمع لصوته، وتلتصق به..” (تث30: 15، 19، 20).
حقًا، هذا هو الطريق المؤدي إلى الحياة، الذي قال عنه المرتل: عرفتني سبل الحياة (مز15).
عرفتني سُبل الحياة
1- الطريق الأول للحياة هو الإيمان: الإيمان الحي الحقيقي.
الإيمان الذي قال عنه الرب “من آمن بي ولو مات فسيحيا” (يو11: 25). “من له الابن، فله الحياة”، “الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية. والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة، بل يمكث عليه غضب الله” (يو3: 36). فالابن هو “الطريق والحق والحياة” (يو14: 6).
إن لم تعش حياة الإيمان، فلن تكون حيًا.. حياتك تقاس بإيمانك..
والإيمان درجات.. تصل إلى الإيمان الذي يمشي على الماء ولا يخاف ولا يشك (مت14: 31). والإيمان الذي ينقل الجبال (1كو13: 2).. فإن لم يكن لك شيء من هذا، فعلى الأقل، ليكن لك “الإيمان العامل بالمحبة” (غل5: 6). هل لكم يا أخوتي هذا الإيمان؟ … “جربوا أنفسكم: هل أنتم في الإيمان؟ امتحنوا أنفسكم” (2كو13: 5). عن “حياة الإيمان” وضعت لكم كتابًا بهذا الاسم، ليتكم تطبقون ما هو فيه. وماذا أيضًا عن حياة الإيمان؟
2- تحب الرب إلهك.. وتسمع لصوته.. وتلتصق به لأنه هو حياتك (تث30: 20).
إنها ليست مجرد وصية في العهد الجديد، في حياة الكمال المسيحي (مت22: 37). بل هي أيضًا وصية قديمة في ناموس موسى، في العهد القديم (تث30: 20). وقبلها “تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قدرتك” (تث6: 5). وإذا أتممتها ستصل إلى الثانية “تحب قريبك كنفسك” (مت19: 19) (لا19: 18).
3- والطريق الثالث إلى الحياة هو التوبة.
فإن كانت قد بردت محبتك من نحو الله، وبعدت عنه، “وتركت محبتك الأولى” (رؤ2: 4)، يمكنك أن تعود إلى الحياة بالتوبة “أذكر من أين سقطت وتب” (رؤ2: 5)، وتذكر قول الرسول..
“أن الله قد أعطى الأمم التوبة للحياة” (أع11: 18).
فإن كانت الخطية هي الطريق إلى الموت، فإن التوبة هي الطريق إلى الحياة. تبدأ بأن تترك الخطية، ثم تنزع محبة الخطية من قلبك، إلى أن تصل إلى كمال التوبة الذي هو كراهية الخطية. وبهذا تتضح أمامك حياة النقاوة وثمار الروح (غل5: 22). والذين لا يتوبون ينطبق عليهم قول الرب:
“إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون” (لو13: 3، 5).
ولا يمكن أن تتوب، إلا إذا أتيت إلى المسيح، لأنه هو الطريق (يو14: 6). وهو الذي عاتب اليهود قائلًا لهم: وأنتم “لا تريدون أن تأتوا إليَّ لتكون لكم حياة” (يو4: 40). إذن من المفروض أن تأتي إلى المسيح وتتعرف عليه وتؤمن به، وتحبه، لتكون لك حياة.
وقد قال السيد المسيح عن نفسه “أما أنا فقد أتيت لتكون لكم حياة، وليكون لكم أفضل” (يو10: 10).
4- والحياة تكون لك أيضًا بحفظ وصايا الرب.
تقدم واحد إلى السيد قائلًا “أي صلاح أعمل لتكون ليَّ الحياة الأبدية؟” فأجابه.. “إن أردت ان تدخل الحياة، فاحفظ الوصايا” (مت19: 16، 17). ولا تظن أن محبتك لله هي مجرد مشاعر بدون حفظ الوصايا. فقد قال القديس يوحنا الحبيب “من قال قد عرفته، وهو لا يحفظ وصاياه، فهو كاذب وليس الحق فيه. أما من حفظ كلمته، فحقًا في هذا تكملت محبة الله” (1يو2: 4، 5).
تأمل المزمور وهو يشرح طريق الحياة فيقول:
“من هو الإنسان الذي يهوى الحياة، ويحب أن يرى أيامًا صالحة: صن لسانك عن الشر، وشفتيك عن النطق بالغش. حد عن الشر، واصنع الخير. اطلب السلامة واتبعها..” (مز33). ليس فقط من جهة الأعمال الخارجية فقط، بل يقول الكتاب:
“فوق كل تحفظ احفظ قلبك. لأن منه مخارج الحياة” (أم4: 23).
ألست ترى أن الموضوع قد طال بنا، ونحن نتحدث عن الحياة، ومازالت أمامنا أفكار كثيرة. ليتنا نكمله إذن فيما بعد.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 8-5-1988م



